مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

الاسراف هوية عراقية PDF طباعة أرسل لصديقك

عبد الجبار البياتي

الاسراف مجاوزة الحد في التعامل مع الاشياء. قال تعالى: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا". وياخذ الاسراف معنى اخر في الحياة الاجتماعية والتنظيمية عندما يصبح دليلا على ضعف اهتمام الانسان بمحيطه وبيئته وانماط علاقته الاجتماعية. وابتداء من حضانة الطفل في الاسرة العراقية حتى بلوغه مراتب الرجولة وتكوين اسرة فان الاسراف صفة ملازمة للشخصية والفرد العراقي بطريقة تطفح بها يوميات الشارع والسوق والثقافة والمؤسسات الاجتماعية والسياسية وغيرها. والاسراف لا يعني التطرف وان كان قريبا من معناه فالتطرف يعني تصلبا في المفاهيم او المواقف واصرارا عليها حتى اذا تبدى نقصها وسقمها. اما الاسراف فهو المبالغة في الشيء والتي تؤدي بعد ذلك الى احداث ضرر في المقصود والغاية.


والاسراف يعبر لغويا عن ثراء اللغة العربية في تقصيها للاحوال النفسية وسلوك الفرد في محيطه الاجتماعي. وقد يتحول الاسراف من سلوك فردي يطبع الشخصية الوطنية الى صفة ملازمة لعمل مؤسسات الدولة ومرافقها. واذ نحاول تتبع مواطن الاسراف بوطننا العراقي فان اكثر حواضنه هي:
1. اللغة.
2. الاسرة.
3. الاسراف السياسي.
1. غثاء الكلمات
يصف امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام سمة كثير العلم بالصمت "اذا تم العقل نقص الكلام". وتناول الناثرون العرب وخاصة الجاحظ المهذارين اي كثيري الكلام بالذم والقدح. ويذهب بعض علماء الحتمية الجغرافية الى ان المناطق الحارة تنتج مزيدا من المهذارين او كثيري الكلام باعتبار ان الحر يسبب نوعا من الانهاك العصبي للانسان الذي يعبر عنه بطريقة "التفريغ" اللغوي. على ان بعض الدراسات قد ذهبت ابعد من ذلك عندما اعتبرت العرب ظاهرة لغوية او ظاهرة صوتية. وقد اسرفت هذه الاوساط في محاولة رؤية العقلانية العربية "المفقودة". وقد انتج العرب حضارة بلغت عنان السماء وطول الارض ايام منّ الله تعالى عليها بالوحي والدين الاسلامي. الا ان الاسراف اللغوي ياخذ مضامين اخرى لدى السياسيين وفي اجهزة الاعلام. لقد ادخل السياسيون ومنذ وقت مبكر "ثوابت" الاسراف اللغوي في الوعود. وفي سباق الانتخابات العراقية مظاهر قد تكون صادمة لمظاهر الهدر اللغوي في الحياة العراقية. لكن العراقيين ليسوا وحدهم من يهذرون ويسرفون بذلك الا في النسبة "المركزة" كما تتضح في حسابات الواقع العراقي وانفصاله الشديد عن "لغويات" معظم المرشحين. لقد قدم بعض الارهابيين الذين "استوطنوا" البرلمان العراقي الدليل "الاسوا" بلاغة على هذا المعيار اللغوي الثقيل. فهم برلمانيون منخبون يمثلون الشعب كما في بديهيات الديموقراطية الحديثة لكنهم مجرمون يتواطاون مع الشيطان ويدفنون الناس احياء على هويتهم الدينية او المذهبية. وعندما يظهر اولئك على اجهزة الاعلام بلغة وطنية موفورة الحماس مسبوكة الصياغات فان هذا الاسراف يعطي انطباعا خطيرا بتوقف الزمن عندما كانت اسواق العرب في الجاهلية تعرض الشعر وابياته في مزادات عامة. من ناحية اخرى وفر الاعلام الحديث فرصا متكافئة امام الاسراف او الاقتصاد اللغويين فيمكن الركون الى الصورة والوثيقة ولغة الطبيعة البليغة بدل لسان بني ادم الذي يحاول ان يسابق الحروف ويركبها مطية لاهدافه.
وقد دخلت الاعلاميات العراقية في زوايا المضمرات الطائفية فتشكلت على هيئة مستعمرات فضائية تشكل اللغة حسب طائفة ممولي ومالكي هذه الفضائية او تلك.
لقد اصبح الهدر اللغوي في هذه الفضائيات دمويا عندما يتجاوز احد الضيوف او المذيعين الحدود التاريخية او الجغرافية للنظام الطائفي. وسوف يكون ايسر الحلول بالنسبة له ان يغادر وظيفته امنا. والامن من هذه المجزرة اللغوية هم الفنيوت اذا اسعفتهم اسماؤهم في عدم البوح عن جذور الطائفة التي ينتمون اليها فهؤلاء فقط يمكنهم تجاوز الفخاخ اللغوية اثناء عملهم مع ماكينات التصوير او قيادة العجلات او الخدمة الفردية.
رحم الله استاذنا العلامة الوردي الذي خصص كتابا من كتبه المهمة "وعاظ السلاطين" كي يرصد ظاهرة الهدر اللغوي التي "انفرد" المرحوم الوردي برصدها والتعليق عليها والدعوة الى لجم انفلاتها وتقويض المساحات التي يمكن ان تتحرك فيها.
2. الأسرة
يبدا الهدر في الاسرة العراقية اتداءاً من التمييز بين الذكر والانثى لصالح الذكورة. فالهدر في قوانين التربية يحط من شان المجتمع الاداري والتربوي بعد ان يكبر هؤلاء ويصبحوا وجها لوجه امام بعضهم في مؤسسات الدولة ويحتاجون بعضهم في عمليات الزواج وتكوين الاسر او علاقات الزمالة والصداقة المهنية. ويمتد الاسراف في الاسرة العراقية بعد ذلك الى الامتداد العمودي عندما "يفرخ" العراقيون في غرف متداخلة حتى يبدو البيت الصغير وكانه عمارة بعدد افراده رغم ضيق المساحة. والمطبخ العراقي مسرف منذ زمن بعيد فصنابير المياه تفتح بسبب او بدونه وكميات الطعام حتى في اوقات العسر تزيد عن حاجة العائلة. ان الكميات التي ترمى من الطعام كثيرة ولا تناسب اوضاع البلاد الاقتصادية وهذه المسالة مرتبطة بثقافة الانسان ووعيه ازاء الجماعة وانه لا يعيش وحده لكنه لا يدرك ان اخطاءه في الاسراف يكررها غيره من المواطنين ليصبح الاسراف صفة "وطنية" للفعل الاجتماعي تضيع معها الاموال والجهود. ومن مظاهر الاسراف في الاسرة العراقية المعاصرة اهمالها تربية الابناء وتركهم لجهاز التلفاز او الانترنت. ولابد ان ينشأ اثر هذا الاهمال جيل ضعيف الوازع الديني والقيمي وهذه من اكبر المشكلات التي يمكنا نتواجه المجتمع العراقي المسلم والمتدين تدينا معتدلا بطبيعته.
3. الإسراف السياسي
تذهب احدى النكات "العنصرية" المتداولة الى ان الضوء بعد منتصف الليل في الاقسام الداخلية للطلبة في اميركا تعني واحدا من ثلاثة اما زنجي يفكر في الجنس او فيتناميا يقرا محاضراته او عراقيا يفكر ويناقش في السياسة. والذي يدخل تجربة الجلوس في وسائل النقل العراقية يرى العجب العجاب من كثرة المحللين السياسيين من غير الذين احترفوا الظهور على الشاشات. يخيل للانسان بعد اية كيا او كوستر يمتطيها ان كل عراقي يمثل امة سياسية وحده. وازاء هذا الهدر في التنظيم السياسي يصبح الجميع سياسيين بلا سياسة. وينعكس هذا الامر اكثر فاكثر على وظيفة الانسان في حياته المهنية فلا يستطيع ان يتحكم في عواطفه وانفعالاته فيجمع كل "فضائل" الهدر في اللغة والسياسة.
حوار الطرشان
ان الهدر هو صنو للتسيب وان التنظيم رديف للعقلانية. وكل ذلك مرتبط بقدرات النخب الثقافية والسياسية الملتزمة والمتزنة بـ”لجم” عوامل الهدر والاسراف في الحياة. واستمرار هذه العوامل لدى الشعب العراقي قد يشكل نوعا من الهذيان الجماعي او ما يسمى في المثل الشعبي بـ”حوار الطرشان”. فحوار الطرشان عبارة عن حرب اهلية تمارس الهدر اللغوي اذ لا احد يسمع الاخر ومع ذلك يتحاورون ويطلقون قذائف الكلام.
والمهمة على عاتق الانظمة التربوية ورجالاتها ان ترتبط بالثقافة وصياغة مفاهيم الترشيد اللغوي والغذائي والجنسي والسياسي على حد سواء.
فما دام الانسان يسرف في لغته ويتحاور اطرشا مع غيره فانه قادر على "انجاز" مهمة ان ينجب سبعة او ثمانية اطفال في غرفة واحدة.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home عراقيات الاسراف هوية عراقية
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة