مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

المناعة الذاتية للشعب العراقي PDF طباعة أرسل لصديقك

عباس العميدي

ليست المناعة الذاتية للشعوب شيئا يمكن وصفه بسهولة ولا هي بالامر الذي يمكن قياسه احصائيا. فالمناعة الذاتية للشعوب تمثل مجموع تجاربها وتاريخها وقدرتها على تحويل هذه التجارب والخبرات الى عبر واستنتاجات مفيدة تحسم خلالها دون تضييع للوقت مشكلاتها وتحدياتها. والزمن الحضاري يمثل استخلاصا للتجارب التي تصنع المناعة الذاتية للشعوب. ان المناعة الطبيعية في الجسم البشري موجودة بصيغ عديدة تتضمن من الناحية السايكولوجية استشعار المخاطر لتجنبها. ومن الناحية البايولوجية فقد اودع الله تبارك وتعالى الجسم منظومة دفاعية تمثل معزوفة تكوين المناعة الذاتية للجسم من كريات الدم البيضاء والحمراء الى الطاقة التي تنتقل الى الخلايا والاعصاب الى ادق التفاصيل التي يعرفها علماء الفسلجة وبضمنها عقار الانترفيرون الذي يفرزه الجسم عند تعرضه الى كدمات او كسور تخفيفا عن المريض في ساعات الاصابة الاولى.

والمناعة الحضارية للشعوب تتركز في ثقافتها وتتضح اكثر من اي مجال اخر في العلاقة بين النخبة والعوام. وسوف نترك جانبا الكلام عن مضمون النخب العراقية الى مناسبة اخرى ونحاول التفصيل في هذه العلاقة كما تبدت في مواقف مختلفة باعتبارها جزء من مرض فقدان المناعة الذاتية للتكوين الاجتماعي العراقي.
يستطيع اي باحث او مهتم ان يرصد او يعين عشرات النقاط التي يمكن ان ينفذ من خلالها الى تاشير وملاحظة علامات ضعف المناعة الذاتية في المجتمع العراقي. وسوف احدد ثلاث تجارب مهمة مرت على المجتمع والدولة في العراق راصدا من خلالها العلاقة بين النخبة والعوام من جهة وانسياق العامة في العراق وراء الاشاعة وضعف اليقين والتثبت والتقليد الاعمى للامور. وهذه التجارب:
1. تجربة النظام الملكي في العراق.
2. تجربة الحرب العراقية الايرانية.
3. تجربة الحصار الذي فرضه الغرب والنظام العراقي المباد منذ 2 آب 1990 حتى ساعة اندثار النظام المباد وزواله.
اعتقد ان اجماعا يكاد ينعقد حول محورية هذه التجارب على الشخصية والمجتمع وامكان ان تكون هذه التجارب جهازا فاحصا على طبيعة المكونات الثقافية والعلاقة بين النخبة والعوام وتصور موجهات ثقافة العوام وطريقة استجاباتهم للحوادث. وقبل البداية في الحديث اود الاشارة الى ان اي منهج في البحث الاجتماعي لا يمكن ان يسلم من الزلات والعثرات والنقص.
 فهذه المناهج التي تدرس سلوك الانسان في المجتمع انما تدرس اشياء متحولة بوجهة نظر قد يلابسها شيء من الانفعال او احاسيس غامضة من التحيز وادعاء الموضوعية الكاملة في هذه الاشياء خرافة. وحسبنا ان نتحدث او نورد ما لا خلاف عليه وما يمكن ان يكون تجربة عاشتها الامة العراقية حقيقة.
التجربة الملكية فرصة ذهبية مضاعة
لا اريد في هذا المقام ومنذ هذه الاسطر الاولى ان اكيل المديح للنظام الملكي "العراقي او غيره" فانا اتكلم عن التجربة السياسية للعراق في ظل النظام الملكي. لقد ابتدات الدولة العراقية مسيرتها مع هذا النظام وفتح العراقيون اعينهم على العالم الحديث ومنجزاته في ظل النظام الملكي. لم يكن لهذا النظام "سطوة" او شوكة تمتد في عمق المجتمع العراقي قبائليا او طائفيا وبقي محايدا ازاء المؤسسة العسكرية التي "شاغبت" وانتجت اول انقلاب عسكري في المنطقة عام 1936. لقد تعاملت النخبة العراقية مع النظام الملكي بالتشكيك والحرب دون ان تمارس النقد البناء الذي يعني تقويم المسيرة وبناء الدولة ومؤسساتها وتوفير شلالات الدم والارواح والفرص التي اهدرت وما تزال تهدر حتى ساعة كتابة هذه الكلمات. النظام الملكي "العراقي" ليس مبرء من الفساد والنقص والدسائس السياسية ونقاط اخرى كثيرة. لكن واقع خبرة تجارب شعوب العالم الثالث تؤكد ان مسيرة الحياة العامة في العراق كانت تسير باتجاه صحيح خاصة في قضايا بناء المؤسسات التي تعد العصب الاكثر خطورة وحساسية للدولة الحديثة.
فاذا كنا نتحدث عن جهاز المناعة في الجسم الاجتماعي متمثلا بثقافة الشعوب فان مناعة الدولة كمؤسسة خدمية عامة واخلاقية واسعة تتمثل في المؤسسات. ظلت علاقة الشعب العراقي مع النظام الملك نفسها مع نظام الاحتلال العثماني. لقد تحدر هذا المزيج من الشك والقلق وكره القيادة منذ عصور سحيقة في التاريخ العراقي وتوجه ضد النظام الملكي حتى ان الكثير من الذين خرجوا في المظاهرات لم يكونوا يعرفون سبب خروجهم ولا يفقهون بالضبط من الذي يقف خلف هذه المظاهرة او تلك. ثم ادى التحريض الذي مارسته النخبة "اليسارية والقومية" الى تقوية نظرية المؤامرة في الجيش العراقي فاصبح هذا الجيش بعد ذلك هو المهيمن على الحياة السياسية والمحدد لانماط الحكم حتى اخر ضابط من ضباط المقبور عندما يحاول تخريب العملية السياسية في العراق هذه الايام.
ولا اعرف جهدا منظما في الثقافة العراقية تناول ازمة العلاقة بين النخبة والعامة بمستوى جهود العلامة الوردي.
ومرة اخرى اجد نفسي مضطرا الى القول ان العلامة الوردي ليس كلا متكاملا ولا بمنجى عن الاخطاء لكن وبسهولة يمكن اعتباره الوحيد الذي حاول ان يقيم الصلة "العقلانية" بين النخبة والعوام. والذي ينظر الى كتابات ومحاضرات العلامة الوردي يلاحظ هذا الجهد الفريد. ان مجرد العمل في علم الاجتماع يعتر مغامرة في مجتمع شعري وادبي بلا حدود. لم يمارس الوردي نقدا "ايديولوجيا" للظواهر الاجتماعية والسايسية المتعلقة باداء السلطة او موقف العوام. ويمكن اطلاق صفة "النقد المزدوج" على جهود وكتابات العلامة الوردي في تلك المرحلة. ويعني النقد المزدوج انه قد وجه خطابه النقدي الى السلطة والى الثقافة التي تقود الذهن الشعبي على حد سواء. فجاءت كتاباته ومجمل جهوده مزيجا من محاولة تقويم الاداء السياسي باتجاه الديموقراطية وكشف اقنعة الثقافة الشعبية المتحدرة من عصور العبودية والاستلاب والقهر الطويلة.
 وليس غريبا ان يختص العلامة الوردي موسوعته الفريدة "لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث" بالفترة العثمانية المملوكية تحديدا. فهذه الفترة مثلت الحاضنة التي انتجت الوعي العراقي وكانت بنفس الوقت الجسر الذي عبرت عليه افكار التخلف والهمجية. ولم اجد في نتاجات العقل العراقي طيلة هذه الفترة افكارا تلامس حقيقة الازمة وتقترح العلاج بالسلاسة التي تسمى “عضوية” كما تمثلت لدى العلامة الوردي.
 وازاء هذا النكوص الثقافي فقد استمر سوء العلاقة بين النخبة والعوام الامر الذي انعكس دائما على النظرة الى السلطة في الثقافة العامة. تلخصت هذه النظرة في كره السلطة وتزلفها بالوقت نفسه.
وقد انتج هذا الازدواج النفسي اخلاقا سياسية ما تزال حتى الان تتحكم باختيارات الناخب العراقي. لقد انساق الشعب العراقي تلك الفترة مع الدعايات الشيوعية التي كانت تتحدث عن اليوتوبيا العمالية والعدالة الكونية دون ان تستطيع تحديد اي علاج حقيقي لمشكلات الدولة والسياسة في العراق.
الجدير بالملاحظة هنا ان العلامة الوردي نفسع قد تعرض الى هجمات الدعاية الشيوعية بطريقة قاسية ومستمرة.
 واليوم "يعترف" الاحياء من الذين وجهوا سهام نقدهم للعلامة الوردي بالوهم الذي كان يسكن عقولهم. ومن الطبيعي في هذه الاجواء ان تضمر اية امكانية لقيام علاقة سليمة بين السلطة وجمهورها. وكان ان انحازت السلطة الملكية بعد العام 1941 الى الاقطاع بطريقة سافرة واعتمد اركان الاسرة المالكة "التحالف" والاعتماد على الضباط بدل تقوية المؤسسات الدستورية. ولم يكف الشعب في كل ذلك عن الخروج في مظاهرات لا يعرف موضوعها ولا اساسها. ان مجرد "تقديس" المظاهرات في الاعلام الشيوعي والبعثي كان يعني ادخال هذه الناس في دوامة العداء لانفسهم وتحطيم ذواتهم سياسيا والاجهاز على تجربة الدولة الوليدة.
والى مناسبة اخرى باذنه تعالى نتناول الموضوعتين الاخريين المتعلقتين بتجارب اخرى قاسية هي الحرب مع ايران والحصار "المزدوج" للغرب والنظام المقبور واستجابات الشعب والثقافة لكليهما.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home عراقيات المناعة الذاتية للشعب العراقي
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة