مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

العقلانية العراقية PDF طباعة أرسل لصديقك

حارث العنبكي

يمكن تعريف العقل العراقي بالنزعة الإدراكية المتولدة عن التجربة التي عاشها العراقيون والتي تعبر عن نفسها في طريقة معالجتها للتحديات والمشكلات وكذلك في قدرتها على استنباط الحلول لكل جديد وطارئ وضروري. فليس العقل المقصود هنا التفكير العقلي المجرد أو التفلسف بل العقل الوطني الممتزج بالتجربة التاريخية والشعورية فعندما نقول عقل الأمة فان ذلك يعني ضميرها وبصيرتها عندما يمتزجان ليعبرا عن الطاقة الحيوية والخلاقة لهذه الأمة.
ومشكلة العقل العراقي بالمعنى الذي اشرنا إليه تتمثل في ضعف الارتباط بين الضمير والبصيرة أي بين المعنى الأخلاقي والمعنى الوظيفي.

فكثيرا ما نصادف في حياتنا أطباء أو مهندسين أو ماهرين يفشلون في العراق وينجحون في الغرب أو حتى دول الجوار. يشكل ذلك علامة على ضعف الارتباط الذي اشرنا إليه بين البصيرة والوظيفة. لقد احدث هذا الانفصال تشوها في التاريخ العراقي القديم والحديث والمعاصر. وهو تشوه مستمر استطاع ان “يغزو” الشخصية والمجتمع والدولة. ان نوعية الصعوبات التي تواجهها العملية السياسية في العراق اليوم تعود بشكل رئيس إلى هذا التشوه التاريخي الذي يعده بعض المتشائمين أو المتطرفين بأنه تشوه “بنيوي”. وتفسيرهم لذلك انه ليس عارضا ولا طارءاً بل يشكل نسيجا داخليا للتفكير العراقي ولطريقة الاستجابة للتحديات وان ذلك يشكل علامة على رسوخه و”أصالته!”. وليس ذلك صحيحا إذا أخذنا بالاعتبار التجارب التي صنعتها أو مرت بها الأمة العراقية. لقد أبدعت هذه الأمة في الحضارات القديمة وفي الإسلام وابتدأت بالتعاطي مع الحضارة الحديثة بنجاح لولا ظروف تقف في مقدمتها النزعة العثمانية وكذلك “الاحتلال” البعثي الذي ما يزال يشكل سكينا مغروزا في قلب وظهر وخاصرة العراق.
مظاهر المحنة
يمكن بإيجاز ان نجمل مشكلات العقل العراقي كما عرفناه في البداية بالمفاصل التالية:
1. الانقطاع.
2. اللغة.
3. الاستلاب.
4. الاغتراب.
ولكل من هذه النقاط جذور وأسس تمتد خلالها ومظاهر تعبر عنها.
1. الانقطاع
يبدو العقل العراقي في تحسسه للمشكلات وتخطيطه للمستقبل وكأنه يبدأ من الصفر في كل المراحل التي استدعت حضوره للتخطيط ودرء المفاسد والمحن. فالولايات العراقية الثلاث أيام الدولة العثمانية لا تشبه الدولة العراقية في التجربة الشعورية أي في العقل النهائي. كما ان المملكة العراقية لا تشبه جمهورية عبد الكريم قاسم التي تختلف بدورها عن الجمهورية التي تلتها وصولا إلى سقوط الصنم البعثي. وزيادة على ذلك فان القوى السياسية العراقي الحالية كأنها لا تشبه بعضها في الهدف الذي هو بناء العراق تحت قبة البرلمان أو على شاشة الفضائيات. وفي هذه الأخيرة يبرز الانقطاع العراقي بأبرز صوره مأساوية. فهذه الفضائيات تمثل جزرا معزولة يفصل بينها عشرات القرون من التاريخ ومشكرته ولا يوحد بينها هدف واضح يشترك عليه العراقيون. فعندما تنتقل من فضائية إلى أخرى كأنك تنتقل بين عوالم لا تشبه بعضها في شيء لا في اللغة ولا في الاهتمام ولا في النظرة إلى الأشياء وفي كل ذلك مضمر عميق لم تشأ الثقافة ان تنكا فقاعاته المتورمة وهو غول الطائفية الذي يتحكم بمخرجات العقل العراقي وقد تمكن من النفاذ إلى قناعاته العميقة التي أثرت على مركب البصيرة والضمير معا.
2. اللغة
ليست اللغة كما يفهم من ظاهر الكلام هذه التعبيرات اللسانية أو المكتوبة. فاللغة تمثل تمظهر الوجدان أو الضمير وكذلك البصيرة في جمل وتراكيب وأصوات تسمى اللغة. فتخفي هذه اللغة حقيقة المشاعر والرؤى وما يسمى اليوم بمضمون النظرة إلى العالم. ومحنة العقل العراقي تتبدى في اللغة بطرق متنوعة بعضها فني يتعلق باستمرار أساليب التعبير القديمة وعدم التجديد في اللغة نفسها وفي الجانب الآخر تطرح التحيزات داخل هذه اللغة مضمونا أخلاقيا لازمة العقل العراقي. فهذه اللغة مشحونة بمجازات وألفاظ الكراهية والبغضاء للتكوينات الاجتماعية والشعبية التي تمثل أغلبية الشعب العراقي. كما ان منطق اللهجة بطبيعته يمثل تباينا بين مستويات الحياة الريفية والمدنية واختلافا بين الأحياء داخل المدن نفسها. ان ظاهرة الازدواج اللغوي على مستوى اللهجات المحلية عنوان لانقسام عميق في الضمير العراقي يؤدي إلى خلل في البصيرة الذي ينتج بدوره تقويضا لقدرات العقل عن التماسك وإنتاج المفاهيم وفتح الطرق أمام المجتمع والناس كي يعوا دورهم في الحياة. تأخذ اللغة “واللهجة” بعدا عدائيا بدل ان تكون عنوانا للثقة بين الأفراد. والمشاهد للتلفزيون مثلا يكون رأيه على المتحدث ليس اعتمادا على ما يقوله بل على طريقة القول وخاصة إذا كان الكلام باللهجة الدارجة. ان الخاسر من كل ذلك ليس اللغة الفصحى الوسطى التي تمثل عنوانا للتفكير السليم المرتبط بأعماق الثقافة الإسلامية فالخاسر الأكبر الأهم هو المستوى الأخلاقي للشخصية التي يتقيد فيها العقل إلى حدود الغريزة والكراهة في التعبير بين الأفراد.
3. الاستلاب
الاستلاب في معانيه العميقة يغني سلب الإنسان قدرته على الفعل . وذلك يعني في الأصل والأساس سلب قدرته على التفكير. فالفكرة دائما تسبق الفعل وكما يقول المناطقة في الإسلام فان فعل الشيء أصل عن تصوره. والاستلاب في العقل العراقي يتضمن هو الآخر استغراقا في الماضي أو سياحة مفتوحة في الحداثة. ان التجاذب في القوى الاجتماعية العراقية بين تراثية ماضوية “منغلقة” وحداثية سياحية “منفلتة” مؤشر على أزمة العقل العراقي الذي يفقد البصيرة بفعل تشظي وعذابات الضمير إزاء هذا التجاذب الذي خرج من الثقافات والمؤسسة وغزا الروح والأسرة الواحدة والكيان الفردي أيضا.
والاستلاب واضح في أداء الأدب العراقي الذي يجنح نحو حزن غامض مجهول وضياع دون القدرة على تحديد أسباب الضياع “فنيا” كما في أدب أميركا اللاتينية التي تتشابه أجواؤها الاجتماعية والسياسية مع الأجواء العراقية تقريبا.
وباستمرار الاستلاب فاعلا في المجتمع والشخصية تتحلل الروابط بين الأفراد كي تتمحور حول المنفعة أو الخوف أو الرياء. ان الإنسان المستلب لا يستطيع ان يقيم علاقة سوية مع مستلب آخر. فيتوافق الطرفان على قاعدة الاستلاب المنتج لعدم الثقة والخوف. وليس بدعا بعد ذلك ان يكون العراق أكثر دول العالم في نسب الفساد والرشوة والمحسوبية. وليس صحيحا ان أخلاق الرشوة والفساد قد غزت المجتمع العراقي بعد سقوط النظام. لقد كان النظام السابق “الاستلابي” عبارة عن اكبر عملية رشوة بين الثقافة العراقية والغرب الذي قايض الضمير العراقي والبصيرة العراقية بالحداثة الكاذبة. قد لا يتحمل الإنسان العام التحليل الثقافي العميق لبنية الاستلاب التي نعانيها إلا انه بوضع النظام السابق على محك عملية الرشوة التاريخية بين كسل الثقافة ومطامع الغرب يبدو تفسيرا معقولا لنسب الفساد وعدم اهتمام “الفاسدين” بصورتهم في الداخل والخارج. فمع صرامة المنظومة الأخلاقية الإسلامية إزاء المال الحرام والفساد فان غالبية الأسر العراقية تتداول هذا المال هاتكة بذلك نسيج هذه الصرامة بسهولة ويسر خطيرين.
4. الاغتراب
بنتيجة العوامل الثلاثة التي تكلمنا عنها يصل الفرد والمجتمع إلى مرحلة من انفصال قواه النفسية عن إرادته إلى درجة التدهور دون ان يعي ذلك. ففي هذه المرحلة يحصل الاغتراب أي الانفصال بين الذات والموضوع. وبتركيز أدق لا يعود المتدين “المغترب” مرتبطا بحقيقة الدين مثل المدرس الذي لا يرتبط بعملية التدريس إذ لديه وقت يقضيه في المدرسة “ويشطب” يومه. وتأتي عملية  “الشطب” على مرافق المجتمع وفعاليات الأفراد فيعيش المجتمع حالة من الذهان الجماعي قد تعبر عن نفسها في نظم السير أو في طرق الكتابة أو استعمال المجازات اللغوية أو التدين الكاذب... الخ.
فالاغتراب هو التعبير “النموذجي” عن الاستلاب المرتبط بضعف القدرة على التعبير اللغوي عن المشكلات وبالانقطاع عن تجارب العقل في وجود تاريخ خاص له يستطيع ان يعيه ويكون معروفا من خلال الثقافة والتربية وفي متناول الناس.
أضع هذه الصور رغم كآبتها وما يبدو عليها من مسحة إحباط أمام جميع من يهمهم الأمر.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home عراقيات العقلانية العراقية
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة