| النظرية الصراعية والعائلة العراقية |
|
|
|
|
تتلخص فلسفة النظرية الصراعية في النظر إلى الحياة الإنسانية باعتبارها امتدادا “نوعيا” للطبيعة. ولا فضل ولا شرف “للإنسان” في وصوله إلى مرحلة العقل والتنظيم الاجتماعي فحتى هذه المرحلة تمثل نتاجا لتطور المادة في قانون التحولات من الكم إلى الكيف. ومن الطبيعي إلا تعترف هذه النظرية بالديانات والوحي وتعتبر كل ذلك ينتمي إلى تاريخ القصور البشري عن فهم الطبيعة وقانون العلل والأسباب والمسببات. وحياة الإنسان وفق هذه النظرية حيوانية ليست من الناحية البايولوجية فقط إذ تمتد هذه النزعة بحسب رأي النظرية إلى الحياة الاجتماعية فالصراع بين الإنسان وأخيه الإنسان وبين الإنسان ونفسه يتجه نحو الموارد والجنس فقط. وكل ما في الحياة من إبداع وأدب وحتى ديانات رهن بثنائية الصراع والموارد. لقد تضافرت عدة نظريات أفرزت بمجموعها وتشابكها ما يمكن ان نطلق عليه النظرية الصراعية في الحياة. وقد تسربت مفاعيل هذه الفلسفة إلى اغلب مفاصل الحياة الغربية خاصة بعد الفصل “النهائي” بين الدين وشؤون الدولة والمجتمع. واهم الفلسفات التي كونت هذه المعاني الضاغطة هي النيتشوية والفرويدية والماركسية والداروينية. ولكل هذه الفلسفات صلة من نوع ما “بمؤسسيها أو مروجيها” باليهودية العالمية. ولا يعني ذلك اتهام اليهودية كديانة توحيدية لكن من الواضح ان الأثر اليهودي في هذه الفلسفات وكذلك المضامين الإباحية في المجتمع الحديث واضحة ولا تترك مجالا للتأويل أو اللبس. وفيما يخص العائلة والأسرة فان نظرية الصراع تفترض ان الحرية الفردية لابد ان تكون غاية النظام الاجتماعي برمته. وهذه الحرية الفردية تعني ان سلطان الأسرة على الفرد يجب ان يصل إلى أدنى معدلاته وإذا أمكن ان تلغى كل هذه المعدلات فان ذلك أفضل وأحسن حسب النظرية. ويتضمن الإلغاء ان تحمل النساء خارج النظام الاسروي وان ينسب الطفل إلى أمه أو إلى الدولة أو إلى أبيه من الزنا. فلا وجود لكلمة الزنا في الثقافة الغربية إذ يعتبر من الحريات “المقدسة”. وهنا لابد من وقفة تفسيرية تحاول معرفة الطرق التي وصل إليها التفكير الغربي كي يسعى إلى تقويض النظام الأسري بهذه الطريقة. وفي البداية يجب ان يعلم القارئ الكريم انه وحتى ستينيات القرن الماضي لم يكن للمرأة في الغرب حق التعاقد قانونيا على تجارة أو عمل دون استشارة أو رضا الزوج. بينما تنطق الأرقام اليوم بمعدلات هائلة وفي اتجاهات شتى فعشر الجرائم المسجلة في الغرب هي بين الأزواج. وحتى بداية الثمانينيات فقد أكدت الإحصائيات ان سبعة ملايين زوج أو زوجة يحاولون إنزال الأذى بالآخر قتلا أو ضربا في الولايات المتحدة. كما ان مليوني طفل في الولايات المتحدة نفسها يحاولون سنويا الاعتداء على أقرانهم أما بسلاح ناري أو بتصميم على جريمة القتل. وبنفس السياق وفي نفس المكان فان أكثر من مليوني مراهق يتركون أسرهم دون علمها. وإذا شئنا المضي مع الأرقام فان هذه الصفحات لن تكفي لكن يجب التنويه وقبل قراءة دلالات هذه الأرقام التأكيد على حيوية المجتمع الأميركي وثقته بنفسه. فهذا المجتمع لا يستحي ولا يخاف ان يظهر كل المعلومات الايجابية أو السلبية المتعلقة بالتطور الاجتماعي والأخلاقي ويترك تفاصيل الحل أو الحكم للناس والمؤسسات والدين. الطريق الرأسـمالي الصعب قد لا يصدق البعض من القراء أو المتابعين ان الديانة اليهودية وبعض المذاهب المسيحية “المورمن” تبيح تعدد الزوجات. وان سبب عدم تشريع هذا التعدد يعود إلى النظام الرأسمالي الذي استند إلى نظرية الصراع التي تحدثنا عنها قبل قليل. فالرأسمالية تعتمد في فلسفتها على الفرد وتعتبر هذا الاعتماد سر نجاحها الاقتصادي وهيمنتها على العالم. لقد أصبحت الرأسمالية دين يدان به وهي ليست عقيدة أو إيديولوجيا بل نظرة فلسفية للحياة تدعي الركون إلى الحرية وتستقي مصاديقها من كل ما يمكن ان يؤكد هذا الطريق والذهاب به حتى نهاياته القصوى. ومن هذه النهايات إباحة الشذوذ الجنسي على مصراعيه واعتباره حقا من الحقوق لا جريمة ولا عيبا. ليس ذلك فقط فقد انبثقت الظاهرة الاستعمارية عن هذه النظرة الرأسمالية للحياة بالنظر لحاجة الدول الغربية إلى موارد أولية. ولان هذه الموارد موجودة لدى شعوب لا تستطيع استخراجها أو حتى معرفة قيمتها وبما ان مضمون الحياة هو الصراع فان دور الرأسمالية هو في جلب هذه الثروات إلى بلدانها مع إعطاء الشعوب بعض الحقوق التي لا تسمن ولا تغني. لقد دافع زعيم الشيوعية كارل ماركس بهذا المنطق وان كان بطريقة “مغايرة” عن الاستعمار الفرنسي للجزائر والبريطاني للهند. فقد اعتبر ماركس ان هذه الشعوب لا توجد لديها طبقة عاملة وحتى توجد هذه الطبقة فلابد من وجود برجوازية قادرة على التحول إلى رأسمالية. ومن مهام الاستعمار في كلا البلدين وغيرهما ان ينشئ هذه الطبقة البرجوازية التي تتحول إلى رأسمالية. أما كيف تتصنع الطبقة العاملة عن نظام رأسمالي تابع يقيمه الاستعمار فذلك أمر لم يفكر فيه كارل ماركس ولم يفكر به أيضا إتباعه الشرقيون الذي هللوا للنظرية ولم يفقهوا ما يمكن ان تؤدي إليه من تدمير وخراب كالذي حصل فعلا في الشعوب الشرقية التي حكمتها أحزاب شيوعية أو قريبة منها ومنها العراق. العائلة العراقية يعيش المجتمع الرأسمالي الغربي في السنوات القليلة الماضية اشد أزماته البنيوية على الإطلاق. ويتوقع أكثر الخبراء تفاؤلا ان يشتد أوار هذه الأزمة في القعد القادم بطريقة “كارثية” كما يصفها الكثير من هؤلاء الخبراء. ومثلما استطاع المجتمع الصناعي الرأسمالي ان يديم زخم ماكينته الرأسمالية بموارد الشرق والعالم الثالث فانه يعيش اليوم على موضوعات قريبة من ذلك قد يطلق عليها مرة اسم العولمة وأخرى محاربة الإرهاب وثالثة اتفاقيات الجات الاقتصادية وغيرها. لكن ما يهمنا اليوم هو الطريقة التي تتعامل بها الثقافة العراقية والعقل العراقي مع الأخلاق الغربية التي تحاول ان تغزو مجتمعاتنا من أكثر الأبواب دقة وحساسية مثل الأسرة والجنس والدين. أعتقد ان الغرب الذي استفاد من الموارد الأولية قبل قرن وأكثر يحاول الاستفادة من كسل العراقيين “والعرب والمسلمين” من قدرتهم على تجديد حياتهم بالاستناد إلى دينهم وثقافتهم الروحية وتقاليدهم. ورغم عدم توفر الإحصاءات في بلادنا فان انفجار البغاء والشذوذ الجنسي والتسرب من العائلة قد وصل إلى نسب كارثية يمكن ملاحظتها بالعين المجردة. وعلى سبيل المثال كان التهرب من العائلة مقتصرا على المدن الكبرى وخاصة العاصمة بغداد. أما اليوم فقد تعمم هذا الوضع في جميع المحافظات العراقية تقريبا حتى أظهرت لنا الفضائيات عصابات من الأطفال التي تقوم بالخطف والقتل وطلب الفدية وجلهم من المتسربين من عوائلهم. وقبل أيام قليلة نشرت إحدى المجلات العراقية تحقيقا “كارثيا هو الآخر” عن إحدى الجامعات العراقية. اظهر التحقيق الصحفي طبيعة النظرة إلى العلاقات الجنسية في هذه الجامعة التي امتنع عن تسميتها إلا ان التحقيق منشور في العدد (21) من مجلة المشهد العراقية. أكد التحقيق ان الطلبة يتبارزون فيما بينهم ويراهنون على هذه الفتاة أو تلك للزواج منها أو للاختلاء بها خلوة غير شرعية. ويكون الرهان على كارت موبايل أو وجبة غداء. ليس الموضوع هنا أو هناك يخص المسألة الجنسية إلا باعتبارها ذات حساسية خاصة ويمكن ان تكون معيارا في قياس الاستجابة لدى الفرد المسلم إزاء بقية القضايا. إن سياسة النعامة التي تمارسها القوى الاجتماعية والدينية والأسرية يمكن ان تفتك بنظام الأسرة العراقية حتى يصحا الجميع على وضع لا قبل لهم بعلاجه أو حتى بمعرفة مكوناته. وأول عوامل العلاج هي الاعتراف بفداحة المشكلة وصعوبة السيطرة عليها. والمشكلة في العمق تتضمن وجود أعداد كبيرة “جدا” من الشباب اللامنتمي. وهذا الشباب لم يحسم خياراته إزاء قضايا مثل الدين والوطنية وما يتبعها من قضايا مثل الفساد والرشوة والزنا وغيرها. لقد ازدادت نسبة هؤلاء من نسبة مقلقة إلى كارثية والذي يتجول في أسواقنا وحتى الشعبية منها يلاحظ غلبة هذه النسبة من الشباب “والشابات” بطريقة مؤثرة وواضحة. وإذا كان المجتمع بعمومه هو المتضرر الأكبر من الظاهرة والنسبة فان الأسرة تمثل الحلقة الأولى التي يصيبها التدمير من هذا الوضع. فهذه الأسرة لم تعد تستطيع ان توجه أبناءها روحيا ودينيا واجتماعيا بحكم سطوة وسائل الإعلام. وان توجيه هذه الوسائل للفرد لا يتناسب والقيم الإسلامية الرئيسة المعروفة والبديهية. وأما المنظومة التربوية الرسمية فتعاني هي الأخرى نزعات التغريب وضعف الدفاعات القادرة على الوقوف بوجه الثقافة الغربية. ان تشبيها يكاد يكون مطابقا بين العصابات التي أصبحت من حقائق الواقع العراقي الاجتماعي اليوم وبين الجنود المرتزقة الذين يعملون في شركات الحماية الخاصة. لقد أثيرت قضية بلاك ووتر في العراق باعتبارهم جنوداً مرتزقة يحمون الشخصيات بأجر “مغر” لكن الإعلام العراقي الذي أدمن الكلام عن بلاك ووتر لم يتطرق بنفس الحماسة إلى جذور وأعماق “عشرات بلاك ووتر عراقية”. |