| انهيار التعليم الجامعي في العراق |
|
|
|
|
ميثم الشرع في عام 1908 بدات مسيرة التعليم الجامعي العالية في العراق. وان ذلك يعني ان هذه المسيرة قد جاوزت القرن من عمرها دون الحاصل الضروري والمامول منها. وقبل كل شيء اجد من الضروري الاشارة الى ان مسيرة التعليم “العالي او النخبوي” مستمرة في العراق ولم تنقطع منذ العصر العباسي. فبعد سقوط الدولة العربية الاسلامية على ايدي المغول “656 للهجرة” وبالذات العاصمة بغداد استمرت مسيرة التعليم في العراق عن طريق الحوزة العلمية في النجف الاشرف. واقل ما يمكن ان توصف به هذه البيئة العلمية الفريدة هو حفظها للغة العربية وعلومها الرئيسة اضافة الى التجديد في الفقه والاصول وسط بحار من الكساد العثماني وما قبله. بيد ان بقاء الحال على ما هو عليه في جامعة النجف الاشرف الدينية “الحوزة” قد جعل من امكان امتدادها عضويا في مجتمع المعرفة العراقي ناقصا وليس عضويا بالدرجة الكافية. ان المراقب لواقع التعليم الجامعي “العالي” في وطننا العراق لابد ان يلاحظ الحال البائس الذي وصل اليه. فالبيئة الجامعية العراقية كما تبدو هذه الايام وكانها بيئة عشائرية وليست علمية. وصحيح ان الجامعات العراقية قد رفدت المجتمع بالاطباء والمهندسين والمدرسين والمحامين فيما يشكل قوام الدولة والمجتمع الا ان ذلك يبقى ناقصا ما لم يتم تطويره باتجاه علاقة تكاملية بين نظم التعليم والانظمة الاجتماعية المتحولة. وعلى سبيل المثال لا الحصر فان هم الجامعات العراقية الرئيس هو التدريس وتخريج الكفاءات والتي ما عادت في السنوات الاخيرة تنطبق عليها صفة الكفاءات بدرجة كافية. ان ما يفترض وظيفة اساسية للتعليم الجامعي هذه الايام هو مشاركة الجامعة في البحث عن حلول للمستقبل. ان ذلك ينطبق على الدراسات الانسانية والعلمية بالدرجة نفسها.فعلى عكس الراي الذي يحصر الاهتمام بالمستقبل بالدراسات الانسانية فقط فان فلسفة التعليم ومضمونه في البلدان المتطورة تؤكد دوره في رسم ملامح المستقبل حتى عن طريق العلوم الصرفة “الطبيعية”. بل وزيادة على ذلك فان هذه العلوم تعتبر اداة التحول التي لا غنى عنها لاي مجتمع كي يبلغ مراتب الرقي والتطور. ان اقامة مجتمع المعلومات العراقي والمرتبط باساسيات التكنولوجيا يعتبر رافعة من رافعات المستقبل العراقي المامول. وذلك ليس ممكنا دون وجود فلسفة ومضمون للتعليم الجامعي في العراق يحدد المسارات والطرق التي تؤدي الى هذه الغاية. ان رسم هذه الطرق هو ما يطلق عليه بمضمون وفلسفة التعليم الجامعي. وان هذه المهمة تعتبر في صلب التخطيط لمؤسسات التعليم العالي ويمكن الاستفادة من تجارب الدول المتطورة في ذلك. تعتبر العشوائية السمة المميزة لنشاطات التعليم الجامعي العالي في العراق. وتتبدى العشوائية في عدة مظاهر اهمها: 1. انعدام الترابط بين المراحل الدراسية. 2. سياسة القبول الكمي في الجامعات. 3. ضعف استثمار القطاع الخاص في التعليم العالي. 4. انعدام وسائل ربط التعليم العالي بسوق العمل. وبالنسبة للنقطة الاولى فانها تبدو واضحة في مجال المناهج اكثر من أي شيء اخر. فالملاحظ على المناهج الدراسية العراقية انها ليست خاضعة لمبدا التخطيط الشامل الذي يجعل من التكامل العلمي والانساني في اساسياتها وجزئياتها محصلة يقطفها الطالب والباحث ثمرة في مراحل الدراسة النهائية العليا. ومنذ ايام النظام السابق اتسعت الفجوة بين المناهج بسبب طريقة تاليف اللجان وضعف اغلب العاملين فيها عن استيعاب طرق التدريس الحديثة وربط المناهج الدراسية المختلفة بمضمون علمي وعملي ديناميكي مرن. لقد طبقت دول حديثة عهد بالتعليم الجامعي مثل الاردن وتونس هذه المناهج في التدريس وبقي العراق خارج هذه المنهجيات الضرورية. ان الفارق بين التعليم الجامعي في العراق وتونس يقارب اكثر من اربعة عقود ونصف حيث تاسست الجامعة التونسية عام 1960 ومع ذلك يلمس المختص الطريقة التي تتكامل فيها المناهج الدراسية هناك والتي تخضع لاشراف اجهزة مختصة تعمل بدقة وتخصيصات مالية تناسب خطر هذه المهمة ومردودها. 2. ان اعتماد الجامعات على نتائج القبول المركزي يضحي بالمستوى العلمي قبل كل شيء. لقد تم تصنيف بعض مراكز العلم العراقية العالية على انها مجال للدرجات المنخفضة في التوزيع المركزي مثل معاهد الادراة وبعض اقسام العلوم الانسانية. ان هذه السياسة الخاطئة تعطي الانطباع على ان جوانب من الجامعات العلمية ليست بذات قيمة وانها مجرد “باب للرزق” يلجه الفاشلون او ذوو المعدلات الواطئة. ان هذا التفكير يضر بالعملية التعليمية العليا جاعلا منها مفككة وليست قادرة على الاجابة عن اسئلة المجتمع والدولة الكبيرة والمهمة. وعلى سبيل المثال فان ازمة الادارة في المؤسسات العراقية مزمنة وتسبب الكثير من الاذى للمواطنين ومصالحهم ومع ذلك فان النظرة الى معاهد الادراة وبدل ان تكون متطابقة مع الحاجة الى خريجيها فانهم يعتبرون “نصف” خريجين. وكذا الحال مع الكثير من اقسام العلوم الانسانية وبعض العلمية. ولابد ان يعاد النظر بسياسة القبول الكمي الجماعي لخريجي الثانوية كي يتم تنمية التعليم الخاص عن طريق الاستثمار ورفع العبء والترهل عن الدولة في ان تلتزم كل جوانب التعليم وبكل تفاصيله. 3. شهد قطاع التعليم العربي استثمارا للقطاع الخاص وخاصة التعليم العالي بما قيمته سبعة مليارات دولار حسب احصائيات عام 1997. ويعد هذا الرقم جيدا ومرتفعا بالقياس الى الفترة التي سبقتها. الا ان نصيب العراق من الاستثمار في مجال التعليم العالي يبقى واطئا بسبب الظروف السياسية الصعبة التي مرت ابان حكم النظام السابق المقبور. وكذلك ما رافق عملية تحرير العراق من ارهاب طيلة السنوات التي اعقبت سقوط واندثار النظام المباد. يعد الاستثمار في التعليم الجامعي اغناء للمجتمع والتعليم ولمستقبل الدولة. اذ يتخلص التعليم في هذا القطاع من ترهل الاجهزة البيروقراطية للدولة ويتم خلاله اكتشاف المواهب التي يمكن ان تطمرها هذه الاجراءات. اضافة الى ما يمكن ان ينتج عن زيادة الاستثمار من اقامة نظام الجامعة المفتوحة التي تمثل ارقى انظمة التعليم الجامعي العالي في العصر الحديث. ومن الضروري هنا الاشارة الى ان جامعة النجف الاشرف الدينية “الحوزة العلمية” طبقت نظام الجامعة المفتوحة منذ اكثر من الف سنة. واعتقد اليوم ان تطوير الدراسة في حوزة النجف لتشمل العلوم الطبيعية والطب يعتبر ضرورة ليس للجامعة وتاريخها فقط وانما لمستقبل المجتمع العراقي الذي تتعلق اكثريته بما تمثله هذه الحوزة وميراثها من ثروة روحية وعلمية لاغلبية الشعب العراقي. ان التكامل في دروس الحوزة العلمية بين العلوم الشرعية والاصولية من جهة والطبيعية ينتج مجتمعا معرفيا فريدا اعتقد ان العراق في امس الحاجة الى ثمراته من البحث والتركيب والخروج باجابة عن اسئلة الواقع والمستقبل. 4. اعلى مراحل العشوائية في التعليم العالي في العراق هو انقطاع الصلة بين التعليم العالي وسوق العمل. بما يجعل من الشهادة العليا عبئا على المجتمع وعلى صاحبها. فقد استنزفت هذه الشهادة من المجتمع والدولة الكثير من الجهد والمال. واما على صاحبها فانه يعاني اغترابا والما نفسيا في ان يجلس عاطلا او ان يعمل في غير تخصصه. ولذلك فقد اصبح حلم الكثير من اصحاب الشهادات الجامعية والمبدعين منهم على الاخص السفر والخروج من اوطانهم. وتقدم احصاءات وزارة التعليم العالي العراقي احصاءات صعبة عن عدد العراقيين “الفارين” بجلودهم وبشهاداتهم خارج البلاد. ان ربط التعليم الجامعي بسوق العمل معناه وجود خطط استراتيجية للدولة تراعي امكاناتها وخططها على صعيد تحسين الاداء الاقتصادي للبلاد عن طريق تهيئة الكوادر البشرية وحسن استثمارها على مدى زمني يجاوز السنة والسنتين الى مستوى التخطيط الى عشر سنوات واكثر. ان ثمرة التعليم الجامعي لن تكون هيئة وطيبة دون ان ترتبط مع فعاليات الدولة الاقتصادية والاجتماعية لتنتج بعد ذلك نسقا عاما من الاداء يلبي حاجات البلاد بالخبرة الانسانية والعلمية. ان وجود هذا النسق يمثل تحديا للتعليم الجامعي العالي في العراق كي تخرج جامعاتنا من وجودها المتخشب المهلهل الى الوجود الذي يناسب عراق الحرية الجديد وتساهم المساهمة التي تليق باخلاق العلم وامكاناته في صياغة عراق الحرية والايمان والتقدم. |