| أنثروبولوجيا الجوع العراقي |
|
|
|
|
جواد كاظم التميمي دأبت بعض الفضائيات العراقية، في ليالي شهر رمضان المبارك من كل عام، على تقديم برامج ولائم الافطار في عدد من المنازل العراقية المختارة بعناية، وهي نوع من البرامج الدعائية المتلبسة بالمعاني الانسانية، وقد اسستها فضائية عراقية واحدة، وعملت فضائيات اخرى على تقديم نسخ باهته منها. ما هذه الهدية؟ يا ترى ما الموجود في الحافظة الكارتونية؟ وماذا تتوقعونه؟ وهل يعرف ضيفنا الفنان ما هي الهدية؟ وهل تستطيع الحاجة ام حسين معرفة ذلك؟ وهل يستطيع عمودي او حسوني او حمودي او اي احد آخر معرفة محتوى الحافظة الكارتونية؟... ويقوم الحاملون من فريق العمل بازاحة النقاب عن الهدية الاولى، ليشعر افراد العائلة بالنشوة، ومقدمة البرنامج بالمنة، والمشاهدون الفقراء بالحسرة، والمسكونون بقضية الانسان العراقي بالذلة والانكسار!. ثم تأتي الجائزة الثانية والثالثة والرابعة ليتكرر مشهد الاذلال الانساني بفنطازيا عراقية راسخة! وتأتي اخيرا لحظة النفاق المضحكة المبكية، التي تقدم فيها “الجائزة الكبرى” بوصفها مفاجئة سارة جدا، وهي كتاب الله العزيز العظيم، الذي يستثمر استثمارا مؤسفا، من حيث كونه جزءً من حملة التسويق الايماني للبرنامج؟! فكأن بيوت العراقيين تخلو من المصاحف!! وكأن المطابع الالمانية لم تجعل من الحصول على نسخة من القرآن الكريم، ايسر من الحصول على لحظة صدق في الحياة العراقية! وفي حلقة من حلقات هذا البرنامج سألت احدى المقدمات -وبسذاجة منقطعة النظير- ارملة عراقية مستضافة، هي واولادها، قتل زوجها بحادث تفجير ارهابي: كيف قتل زوجك؟ احكي لنا ذلك؟! ليتحول الافطار اللذيذ والهدايا الكثيرة -بطلب كهذا- الى اهانة مغلفة بفنطازيا الجوع العراقي، وتمسي اللقمة التي تاكلها المرأة المنكوبة مغموسة بدموع الفقر والعوز والتصحر الروحي المتسارع في بلد الانبياء والائمة والصالحين! هكذا يجري اذلال الانسان العراقي على مستوى العرض الفضائي المسوق الى العالم العربي من خلال تقديم مجموعة من الهدايا المهمة، لعائلة عراقية واحدة، واستغلال معاناتها وحاجتها الفعلية، استغلالا يرفع من عدد مشاهدي الفضائية المعنية بالامر، ويزيد من “صدقية” الجهة الممولة لها!. ان المشاهد العربي الذي يتفرج على شاشات “النيل سات” يصاب بالدهشة، عندما يمر -عرضا- بالفضائيات العراقية، التي تحكي عن حضارات وادي الرافدين وخيراته الوفيرة، ويحتار كثيرا عندما يربط القادة العراقيون الجدد تفشي ظاهرة الفقر بمغامرات صدام حسين، فكيف يستمر الجوع العراقي في غياب الرئيس السابق، وانتهاء عصر الحروب، التي كان يشنها على الاخرين؟؟! ان اجتماع النفط والفقر في العراق، جعل مسرحيات العطف على الفقراء قليلة الكلفة، وسهلة الاخراج، ومكن الفضائيات البائسة من الحصول على اعداد غفيرة من المشاهدين، فما اكثر الفقراء الحالمين المتحسرين على الهدايا، التي تقدم الى “المحظوظين” فقط، من فقراء الضواحي والصرائف واكواخ الطين المبنية على الطريقة السومرية. وفي وضع غرائبي كهذا يصعب التكهن بمشاعر “المسؤول العراقي” الذي كان هو نفسه وقودا لانثروبولوجيا الجوع والبحث عن الطعام، عندما حرم الرئيس صدام حسين العراقيين من منافع النفط الوفيرة، وما ينتج عنها من مباهج الحياة. واذا كان الفساد نسقا في بنية اجتماعية ونفسية وثقافية، فان كثير من مصادر المال العراقي كالنفط والخمس والزكاة والسياحة الدينية تحتم وجود فائض ما يزيد عن الطاقة الاستيعابية لـ”لصوص” الليل والنهار، يستطيع -والحال كذلك- التسرب الى ايدي كثير من المنكوبين بالجوع المزمن، حتى لا يصبح الذكور الفقراء وقودا لموجات الخراب القادمة، والاناث الفقيرات مشروعا دائما للكدية او المتعة او الدعارة، وبذلك يبقى الشرف العربي او العراقي او الشيعي او السني او العشائري محفوظا سليما معلبا، حتى أوان رد الامانة الى اهلها، وبذلك تكتسب العروبة، وكتب النسب القبلي، والمؤتمرات العشائرية وحماسة الجدل المذهبي شيئا من الصدق والاحترام. وبعد هذا يحق لنا السؤال: أليس الشرف هو ما يبقى بعد امتحان المال والسلطة؟ ان تخلي الجميع عن الجميع نوع مخيف من العدمية المربكة، وتغييب متعمد للعلاقة العضوية بين افراد “المجتمع العراقي” وهو تغييب يمكننا النظر اليه، بوصفه طقسا انتحاريا جماعيا، على طريقة الجماعات السرية، التي تعلن يأسها من هذا العالم، وإنه لأمر مؤسف حقا ان يظل العراقيون سائرين في انماط معيشتهم على طريق كهذا على الرغم من خطابهم الشعري الجميل، المعبأ بالروح الاخوية الملائكية الزائفة، التي تنبعث من اكاذيب الجميع على الجميع، امام شاشات الفضائيات، وفي مؤتمرات الصلح المفتقر الى الصلح مع الذات، قبل أي صلح آخر... |