| ســوســــيولوجـيا الرياضــة العراقــية |
|
|
|
|
عامر محمد لم تعد الرياضة والالعاب الرياضية نشاطا معزولا تمارسه جماعة من الهواة او المحترفين. صحيح ان الدافع الى الرياضة يبقى حاسما في اطار اختيارات الفرد وشغفه بهذا النشاط. الا ان التنظيم الاجتماعي والاستثمار الاقتصادي قد زحف على كل مناشط الحياة ومنها المجال الرياضي. فالاموال التي تصرف او يتم تداولها في اطار الملاعب الرياضية كبيرة جدا وتعتبر جزء من الموازنة العامة للكثير من الدول. ولم يقتصر الامر على رياضة واحدة في مجال الصرف الا ان بعض الالعاب قد استاثرت بالاموال نظرا لشعبيتها او للتركيز عليها لاسباب سياسية او اجتماعية. فالرياضات الرئيسة في استثمار الاموال هي كرة القدم والتنس وتاتي بعد ذلك بنسب مختلفة العاب كرة السلة والعاب القوى والبيسبول “كرة القدم الاميركية”. ولا يخلو الامر من صراعات سياسية وحتى مافيوية تقف خلف استار الملاعب الرياضية. فقد اطلقت صحيفة ليبراسيون الفرنسية على رياضة التنس والتركيز عليها بانها “لعبة الماسونية”. وعلى صعيد اخر يعتبر جوزيف بلاتر من الشخصيات المهمة والمؤثرة على صعيد توجيه كرة القدم اجتماعيا وواحدا من اغنى رجال العالم. ومن جانب اخر فقد اصبحت برامج التخطيط الرياضي لدى اغلب دول العالم جزء من التخطيط التربوي والاداري العام.ودخل التنافس الرياضي مراحل الاستثمار السياسي وما يرافقه من تصعيد او دعوة الى السلام والمحبة. لقد كانت لعبة “البينغ بونغ” أي المنضدة اولى علامات التقارب بين الولايات المتحدة والصين. فقد اقترح علماء النفس الاميركان على الرئيس نيكسون النفاذ على المجتمع الصيني وتحقيق اختراق “ايجابي” في العلاقات عن طريق احب الاشياء الى الصينيين واقترحوا عليه ان يرسل فريقا لكرة المنضدة كي يكون فاتحة لعلاقات ايجابية جديدة مع الصين. وقد حدث ذلك بالفعل اذ مثل هذا الفريق ورحلته الى بكين الطريق الى اقامة علاقات سياسية وايجابية بين الطرفين. وقد حاول الاصلاحيون في ايران وادراة كلينتون تحقيق تقارب عن طريق كرة القدم في اللقاء الذي حدث بين فريقي البلدين في كاس العالم عام 1996. وقد كسب الايرانيون اللقاء حينها ولم تياس الولايات المتحدة من محاولة استثمار الرياضة في تحسين علاقتها مع ايران اذ بعثت بعد سنتين من هذه المباراة فريقا للمصارعة الى طهران وقد غطت الصحافة الاميركية بطريقة مبالغة رحلة الفريق الى العاصمة الايرانية. لقد اصبح حلم اغلب الشباب ان يكونوا من الرياضيين المشهورين. فقد نافس الرياضيون السياسيين على الشهرة والمال وتميزوا عنهم بانهم “أي الرياضيين” الاكثر وداعة وانسانية. كما اصبحت الرياضة مصدر دخل ممتاز بعد التخصيصات الهائلة التي تصرفها الدول. وقد اهتمت مراكز البحوث الاجتماعية والنفسية بالاثار التي تتركها ممارسة الرياضة على الفرد والمجتمع. فبالاضافة الى الصحة العامة والشعور بالسعادة وتحقيق الذات فان الرياضة تساعد الشباب وخاصة في المجتمعات الاسلامية على التحكم بالغريزة الجنسية خاصة لغير المتزوجين. لقد اصبح سجل الاوسمة في الدورات الاوليمبية والاقليمية معيارا من معايير التقدم والرقي مثله مثل انتشار صالات الالعاب الرياضية والمسابح وميادين السباق. -2- لم يكن الاهتمام بالنشاط الرياضي في العراق ياخذ حيزا يناسب تاريخ البلاد العراقية القديم والذي عرف النشاط الرياضي منذ اقدم الازمنة. فقد اكدت البحوث التاريخية ممارسة العراقيين القدماء لاصناف مختلفة من الرياضة. وبعد الفتح الاسلامي انتشرت توجيهات الاسلام للشباب بالفروسية والسباحة وقد رصدت كتابات الجاحظ اقامة نزالات المصارعة والسباق. واعتبر اخوان الصفا الرياضة البدنية قوة للعقل ودافعا له على التمكن من “الاحاطة والتدبر”. وعند بدايات الدولة العراقية الحديثة مارس العراقيون في مراكز المدن بعض الرياضات التي تعبر عن محدودية البيئة الاجتماعية وتحكم تقاليد الامبراطوريات التي حكمت العراق فيها. فقد مارس العراقيون رياضة الزورخانة وكانوا يتلذذون بمسابقات صراع الديكة ويقيمون حلبات لها. وبعد ان تدمي الديكة بعضها بعضا وسط حفلة مازوشية من الناظرين يعود المتسابقون الى بيوتهم مع البطل الخاسر او الرابح وهو الديك. ويعود هذا الامر الى همينة التقاليد الريفية التقليدية على البيئة العراقية. وبعد ان تنفست المدينة العراقية هواء الحداثة دخلت الرياضة العراق من اوسع ابوابه. لقد عبرت المدنية في العراق والحداثة عن نفسها باقامة اشكال من النشاط الرياضي مثل الساحة والميدان والسباحة وكرة القدم والمصارعة. وبسرعة قياسية تم انشاء فريق وطني لكرة القدم في العراق وبرز نجوم افذاذ عبروا عن اصالة الروح العراقي وقدراته على التعامل مع فنون الحياة الحديثة. وبعد انشاء ملعب الكشافة واقامة بطولة كاس العرب فيه شهد النشاط الرياضي في العراق توسعا افقيا شمل المدارس المتوسطة والثانوية وانشات بعد ذلك كلية مختصة هي التربية الرياضية. ومنذ بداية الستينيات دخل العراق بقوة ميدان التنافس الرياضي العربي فقد احرز الفريق العراقي الوطني لكرة القدم كاس العرب مرتين. وكذلك وصل فريق اليات الشرطة الى نهائيات كاس الاندية الاسيوية وانسحب من خوض المباراة النهائية لوجود فريق اسرائيلي طرفا في هذه المباراة. وقد حازت الرياضة في هذه الاثناء اهتمام الشعب العراقي وطفق الشباب يمارسونها “فتية وفتيات” حتى اصبحت جزء من الترويح والنشاط وتعبيرا عن اندماج المجتمع والدولة العراقيين في انظمة الحداثة. وفي عام 1966 افتتح ملعب الشعب الذي ما يزال حتى الان رئة العراق الرياضية الوحيدة بلقاء الفريق العراقي مع نادي بنفيكا البرتغالي الذي كان يلعب اللاعب الشهير اوزيبيو في صفوفه. وكان اوزيبيو يعد من اشهر لاعبي العالم حينها. ومنذ السبعينات دخل العراق بقوة المضمار الاسيوي حتى استطاعت العاب الساحة وميدان وكرة السلة ان تنافس اسيويا. لقد حقق ابطال العراق المراتب الاولى في سباقات مائة متر و 800 متر وسباقات التتابع الاوسمة الذهبية في البطولات الاسيوية واحتكروها فترة طويلة. وفي كرة السلة استطاعت الفرق العراقية ان تنافس اسيويا حتى حاز فريق الشباب العراقي على المرتبة الثالثة اسيويا حينها. اضافة الى التقدم في رياضة كرة القدم الشعبية الاولى. -3- نتيجة للتراكم الطبيعي فان تطورا في الحس الشعبي تجاه الرياضة بدا يعبر عن نفسه في المجتمع العراقي حتى اصبحت الرياضة جزء من يوميات العراقيين حتى برز متغير اطاح بكل هذه الانجازات. فقد وصل صدام الى سدة الرئاسة وبعد فترة قريبة برز اولاده “كقادة رياضيين” تمهيدا لاحلالهم مناصب قيادية سياسية. لقد تم على ايدي هؤلاء تقويض المضمون الاجتماعي للرياضة وتم بنفس الوقت تقويض الابنية الرياضية لصالح كرة القدم وذهبت هذه الابنية مع الاحساس النفسي بجمالياتها عند اعتاب اللجنة الاوليمبية التي تراسها ابن الطاغية “عدي”. لقد غدا الخوف من الطاغية وابنه الشغل الشاغل لمجتمع الرياضة وافراده مثلهم في ذلك مثل بقية المجتمع. -4- بعد سقوط النظام لم يعد للعراقيين متسع من الوقت للاهتمام والاستمتاع باجواء الرياضة بدنيا ونفسيا واتجه الشباب بدلا عن ذلك الى تشجيع الفرق الاجنبية “الاسبانية تحديدا” اعتمادا على التاثير الاعلامي. اما ممارسو الرياضة من الشباب فان التفكير في المال والمقابل المادي هيمن بشكل حاسم على تفكيرهم دون ان يرتبط بالوطن او بالتهذيب كما تقضي الاعراف الرياضية. وقد اختفت تقريبا الملاعب الرياضية العفوية والساحات المفتوحة عندما سيطرت عليها الابنية العشوائية مشكلة عبئا جديدا على المدينة وخناقا للرياضة الشعبية العفوية. وفي الاشهر الاخيرة برز نوع من الاهتمام الشعبي والرسمي بالرياضة العراقية خاصة بعد الفوز العراقي بكاس امم اسيا لكرة القدم. وتبدو الحاجة ملحة اليوم اكثر من أي وقت مضى في وضع الرياضة العراقية على خارطة الاهتمام والتنظيم اذ تعتبر الرياضة عامل توحيد راينا مفاعيله في خروج كل اطياف الشعب العراقي للتعبير عن الابتهاج بالفوز. وان مفاعيل الرياضة اصبحت جزء من السياسة فمثلما تفعل دول الخليج وغيرها على منع زيادة كمية تصدير النفط العراقي او اقامة ميناء البصرة الكبير فانها ايضا مارست تاثيرا على اللاعبين العراقيين الذين فازوا بكاس اسيا ونكستهم في البطولتين الاخيرتين “كاس الخليج العربي وتصفيات كاس العالم”. |