|
كيف دجنـت الدولـــة العراقيـــة مواطــنيها؟ |
|
|
|
|
عبد الحسن الركابي دخلت الدولة العراقية في صراع مع مواطنيها منذ نشوئها في عشرينيات القرن الماضي. وحتى تكون هذه العبارة واضحة يجب اولا ان نميز بين الدولة والمجتمع. فالدولة هي الكيان القانوني او هي عقل المجتمع الذي يوجه مصالحه في كل اتجاه.
من حماية الحدود الى الاهتمام بالانشطة الاقتصادية الى حفظ الامن والنظام بين افراد المجتمع وتنمية الموارد عن طريق التعليم والاستثمار...الخ. واما المجتمع فهو الافراد في وجودهم وبتكويناتهم الدينية والطائفية والحرفية في الارض التي وجدوا انفسهم عليها. وان العلاقة بين الدولة والمجتمع تتمثل “تاريخيا” برابطين الاول موجود وفاعل في الدولة العراقية والثاني ميت او مجمد. يتمثل الاول بالسلطة او الحكومة والثاني بالثقافة. والمقصود بالثقافة ان نمط الاخلاق الاجتماعية هو الذي حدد توجهات السلطة كي لا تستاثر بالدولة ويكون الرقيب عليها في كل شاردة وواردة. ان ذلك يعني قدرة ثقافة هذا المجتمع او ذاك على ان تكون فاعلة وحساسة ازاء قضية السلطة والحكم في البلاد المعنية. ويمكن تعريف بعض اسرار تقدم الغرب بوجود هذه الثقافة التي اصبحت عامة للفرد والجماعة بعد نجاح الثورة الفرنسية. الا انه وفي كل الاحوال لابد من وجدود السلطة كرابطة بين الدولة والمجتمع. واذا كان من الصحيح ان الدولة وتنظيماتها امر حديث على المجتمعات الشرقية ومنها العراق الا ان التنظيم والادارة والتقسيمات المهنية موجودة منذ الفتح الاسلامي المبارك للعراق ثم شهدت البلاد بعد ذلك دخول انظمة الدولة الغربية الحديثة وما تزال حتى الان تحاول الجمع بين نظم الدولة الحديثة واساسيات الدين المتضمنة ايضا مواصفات معينة للحكم والسياسة. -2- التدجين كالية لعمل الدولة مع المجتمع يتضمن عدة وسائل وطرق تقررها طبيعة السلطة الحاكمة من جهة وقوة او ضعف المجتمع من جهة اخرى. وفي كل الاحوال وابتداء من حكم الامويين فان المجتمع العراقي ضعيف جدا ازاء السلطة. وعندما تم تبني الدولة الحديثة بعد السقوط العثماني بقي هذا المجتمع ضعيفا وما يزال ولم يستشعر قوة في داخله الا في اجواء الديموقراطية “الصعبة” التي يعيشها هذه الايام. كانت اولى علامات التدجين التي مارستها الدولة هو قانون الاراضي والملكية والطريقة التي اقر بها النظام الاقطاعي في سيطرته على الفلاحين. لقد تحول الفلاحون الى اجراء يمكن وصفهم دون ادنى حرج بالرقيق. واذا علمنا ان الزراعة كانت مهنة الغالبية العظمى من الشعب العراقي لادركنا حجم الكارثة التي آل اليها مصير المجتمع. لقد ارتبطت طبقة الاقطاع بالسلطة فكانت احدى وسائل تدجين المجتمع. لقد كان الاقطاعي يستلم حاصل جهود الفلاحين الارقاء ويدفع الضريبة للدولة ثم يعود ليبحث عن وقود لجيش الدولة من افراد القبائل الفلاحية ضمن الارض التي “يستعبدهم فيها”. لقد كان الاقطاعي العراقي فظا غليظ القلب قاسيا يندر مثيله. كما ان نظام التجنيد الاجباري كان احدى الوسائل التي لجات اليها السلطة في عملية التطويع والسيطرة على المجتمع. ولا خلاف حول ضرورة دفاع الناس والمواطنين عن بلادهم وانخراطهم في الجيش. الا ان ذلك لا يعني ان يتحول هذا الجيش الى مصيدة للارقاء الذين انهكهم الاقطاع ثم تلقفهم الجيش في حروب لا تمثل في معظمها دفاعا عن المصالح الحقيقية للدولة. ان نظام التجنيد الاجباري كما مارسته الدولة العراقية حتى ساعة سقوط النظام يعد عملا من اعمال السخرة وقد ارتبطت هذه السخرة بالرق الاقطاعي فانتجت مجتمعا مشلولا. وقد اضيفت الى عوامل الشلل بعد ذلك الكابة والحزب ومشاعر الاحباط التي تغلغلت عميقا في نفوس الناس وظهرت في ادابهم وكتاباتهم وشخصياتهم المسكونة بالفجيعة. ولان كانت الدولة العراقية في زمن المملكة والجمهورية الاولى رحيمة في عوامل التدجين بحكم شخوص اخلاقيين مثل الملك فيصل وعبد الكريم قاسم فانها بعد ذلك طلقت الاخلاق وافترست المجتمع بلا رحمة. وكما في كل شيء مثل البعثيون وصدام حسين اعلى مراحل السوء في نظام التدجين. واول مراحل التدجين واخطرها كان في تاميم الدولة للعمل السياسي وللنشاط الاقتصادي وللحركة الثقافية. اذ لم يعد المجتمع يمارس هذه النشاطات الا عن طريق الدولة. ولما كانت الدولة هي السلطة والسلطة هي صدام فقد اصبح هذا الاخير هو الاديب الاول والمهندس الاول وطبيب المجتمع والحكيم والفيلسوف..الخ. لقد عاش العراق في هذه الفترة تشبه الاجواء التي وصفها جورج اورويل في روايته الشهيرة “1984”. لقد وضعت السلطة حارسا غير امين على عمليات تعقيم وتاميم المجتمع من التفكير الحر اسمه حزب البعث. لقد تحول هذا الحزب الى واحدة من اكبر المنظمات الامنية في التاريخ. ونجح الحزب وصدام شخصيا في اختراق المجتمع العراقي وتدجينه بصورة عنيفة وغير مسبوقة في التاريخ. لقد وصل الامر ان يتجسس الاخ على اخيه والزوجة على زوجها والدولة تعتبر ذلك فعلا بطوليا يستحق التكريم والتمجيد من على شاشات التلفزة. ولم يحتكر البعثيون العمل السياسي فقط وانما تحولوا به الى فعل خسيس ومنحط في اهانة الناس ومساومتهم على ارزاقهم وتعليمهم. وكانت هذه المساومة هي ايضا من وسائل التدجين المشهورة. فلو اخذنا على سبيل المثال قطاع التعليم فقد “اخترع” نظام صدام فكرة التعليم الكمي وخاصة في المراحل العليا من الدراسة “وقرر” ادخال جميع خريجي الدراسة الاعدادية في جامعات لا تملك من التعليم الحديث الا اسمه. وبعد ان يتخرج هؤلاء بدون عدة ولا علم ولا وعي فانهم يوظفون في دوائر الدولة المختلفة الامر الذي يضرب عصفورين بحجر واحد. اما العصفور الاول فهو استيعاب المزيد من الناس في جهاز الدولة حتى يسهل استيعابهم وتدجينهم اذ انهم يعتمدون في معاشهم ورزق اطفالهم على جهاز الدولة. ولان اغلبهم لا يمتلك المهارات او المعارف الضرورية خارج هذه المؤسسات المتضخمة فانه يصبح “عبدا” للدولة يشبه اباه الذي كان رقا للاقطاع. واما العصفور الثاني الذي تضربه السلطة في هذه العملية فهو تقليص دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني اذ ان هذا التقليص يخدم برامجها في السيطرة على المجتمع كليا. فما دام هناك اموال تتحرك خارج سيطرة السلطة فانها لابد ان تتوجه الى تكوين حريات فردية والسؤال عن الشرعية السياسية والحقوق والاخلاقيات الدينية. ولكل ذلك اصبح في العراق جهاز بيروقراطي جدا يستهلك اضافة الى المؤسسة العسكرية واردات الدولة واموالها حارما القطاعات الانتاجية من الصرف والعمل. اما قطاع الثقافة والاعلام فقد كان من اخطر القطاعات التي حاول النظام السابق تدجين المجتمع من خلالها. فقد الغى نهائيا بعض مظاهر الحرية التي سمحت باصدار الصحف وحرية الكتابة والتاليف في العهد الملكي والجمهوري الاول ثم عمل على وضع “الخطوط الحمراء” التي لا يمكن تجاوزها من قبل العامة والخاصة. ولا تمثل هذه الخطوط فقط شخصيات النظام او توجهاته بل طالت ايضا التاريخ والثقافة العربيين وما يجوز للباحثين تناوله وما لا يجوز. والاغرب من كل ذلك وتاكيدا له بالوقت نفسه فقد انشا النظام لجنة اسماها السلامة الفكرية مهمتها مراقبة الالفاظ والاساليب اللغوية التي يعبر بها الاساتذة والطلبة عن افكارهم في قاعات الدرس او في كتابة الاطاريح الجامعية. لم يبق في ساحة المجتمع العراقي من قوى حية تعبر عنه الا القيم الدينية التي استشعر النظام خطرها. لم يكن الاسلام السياسي زمن النظام الملكي والجمهوري الاول يحظى بقاعدة شعبية كبيرة وكان يجنح نحو التدين المعتدل ويؤكد على المشاركة في السياسة حتى جاء اخطبوط البعث وقلب كل شيء. فبدأ تاميم المجتمع من كل شيء بقي الدين الاسلامي وقيمه ممثلا لما تبقى من عنفوان واخلاق المجتمع فالتفت اليه النظام السياسي البعثي بالتقتيل والتشريد ولكل الطوائف الاسلامية وغير الاسلامية على السواء. لقد كان النظام الصدامي طائفيا بحدود السيطرة على المجتمع وتدجينه وليس انتصارا لهذه الطائفة او تلك. الا ان الاسلام قد اثبت مرة اخرى قدرته على مقارعة الظالمين ورد كيدهم الى نحورهم فقد اصطدم النظام بهذه الصخرة وقد هلك دون ان يستطيع تقويضها وقد ضمخت ادريتها بدماء الشهداء. والباقي ان تحول قوى الاسلام السياسي جهودها نحو بناء هذا المجتمع وكسر الاطواق التي حاول النظام الساقط ان يدجنه في سجونها ومعسكراتها ولغتها ومدارسها!. |