مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

العزلة العراقية PDF طباعة أرسل لصديقك

قيس عبد الامير

هل صحيح ان العراقي منفي داخل ذاته ومعزول عن الآخرين؟ وهل ان المقصود بالآخرين هنا هو المجتمع العراقي نفسه الذي ينعزل افراده عن بعضهم البعض ولا يستطيعون تكوين روابط تسمح بالانعتاق من التنظيمات القديمة لصالح التنظيمات الحديثة؟. ان هذه الاسئلة مستوحاة من الكتابات الحديثة التي تناولت ازمة المجتمع العراقي من خلال الشخصية العراقية. والملاحظ ان هذه الدراسات قد انبعثت وزادت في سنوات القهر الدامي عندما بدا ان الناس قانعون بمصائرهم العدمية وانهم يتماهون مع جلادهم في رقصة الموت الكبرى خاصة في حقبة الثمانينات.

الا ان دراسات اخرى كانت قد نحت منحى مغايرا عندما وصفت الشخصية العراقية بالايجابية والتعلق الشديد بالحياة ومحبة الاستمتاع بجمالياتها وفنونها. ويستشهد أصحاب الرأي الأخير بازدهار الشعر وفنون القول والمحاكاة التي توفر باعتقادهم الدليل على محبة العراقيين للحياة.
ان سجل التاريخ وعصف الحاضر لا يسمح لهذه الدراسات الانسانية ان تقرر بصورة حاسمة اشكال وافانين التفكير والفعل العراقيين وتستخرج اثر ذلك نتائج يمكن الركون اليها. لقد شهد المجتمع العراقي قبل تكون الدولة الكثير من الاحداث التي عبرت عن نفسها بصور حضارية متمدنة واخرى متخلفة متحاربة متهرأة. ان هذا الامر يشكل ديدنا للشعوب والحضارات الاخرى على اتساع خارطة العالم. وان “الاستثناء العراقي” قد يكون مسوغا بالنظر الى طبيعة تفاعل الانسان مع البيئة الطبيعية والاحداث التاريخية وهو الامر الذي سوف نبحثه في هذه العجالة.
-2-
أعتقد ان وصف العزلة قد يكون من المفاهيم الدالة ليس على الشخصية العراقية بالذات بل على البيئة الجغرافية العراقية. ومن المعلوم ان البيئة الجغرافية تحدد وبنسبة كبيرة جدا اشكال التطور الحضاري والاجتماعي. حتى ان نظريات “الحتم الجغرافي” كانت قد ذهبت الى ان البيئة الجغرافية هي التي تحدد بصورة حاسمة ونهائية تكون الحضارات واسباب الاستقواء ونشوء الدول والمدنيات. ورغم ما في هذا المنظور من مغالاة واحادية الا ان النظرة الى تاريخ الانسان والدولة توضح هذا الاثر. فالشعوب “المحمية” بالبحار والمحيطات يصعب غزوها كما تشكل هذه الفضاءات المائية ميدانا للتلاقح والتبادل التجاري واتساع افق الانسان...الخ. كما ان البيئة الجبلية تحمي سكانها ايضا من الغزوات اضافة الى ثوابت الثروات الطبيعية والمياه العذبة والاراضي الصالحة للزراعة. ومن هذا المنظور تبدو البيئة الجغرافية العراقية وكانها عبء على التكوينات الاجتماعية والحضارية العراقية.

العزلة الداخلية
يعاني التركيب الديموغرافي العراقي من عزلة واضحة بين مكونات الشعب اثرت على طريقة التفكير والقدرة على العمل الجماعي المنتج. فالكثير من سكان العراق يعيشون عزلة في الجبال شمال البلاد وقد وفرت لهم هذه البيئة منذ تكون الدولة العراقية وقبلها نوعة “استقلالية” لا ترتبط بالشعور القومي فقط وانما ايضا باغراء العزلة والاحتماء بالجغرافيا وموانعها. كما ان اطيافا من الشعب العراقي والامة العراقية منفية داخل ثقافتها البدوية غرب البلاد. ان حصار الصحراء قد ابقى القيم البدوية فاعلة في هذه المنطقة وشجع على نشوء واحتراف نزعة التمرد والعصيان على النظام المركزي حتى بدت هذه النزعة وكانها جزء من التكوين النفسي الذي لا يبارح الافراد والجماعات هناك. اضافة الى العزلة التي يعيشها سكان الاهوار والكثير من مناطق الجنوب العراقي وسط اسوا انواع الاقطاع الذي عرفه العالم في كل التاريخ البشري. فقد سام هذا الاقطاع الذل للناس وافرز علاقات واخلاق غاية في التحدر والخسة واستعباد الناس ونشات اجيال على هذه الاخلاق المعزولة عن قيم الدين الاسلامي وعن الحضارة الحديثة وعن كل ما يمت الى الاحساس بالكرامة ولا اقول الحرية. ولا اعتقد ان ظاهرة الاقطاع في الجنوب العراقي قد أخذت حقها من الدراسة والبحث ولا بالمسارات التي يمكن ان يتسرب اليها الفعل التربوي الذي تركه هذا الاقطاع على مسار المدنية العراقية وقوة او ضعف الدولة المركزية في العراق.
لقد شهدت البلاد العراقية في العصر الحديث “نوعا” من كسر العزلة بفعل جهود الدولة التنموية وكذلك وسائل الاتصال الحديثة. لكن الغريب ان انظمة القيم التي تنمي هذه العزلة وتحث عليها بقيت فاعلة ومحددة للسلوك الانساني وبقيت بنفس الوقت تمس خيارات وقناعات الفرد الداخلية السياسية والاجتماعية.

العزلة الخارجية
من بين بلدان معدودة وقليلة جدا في العالم يمثل العراق بيئة جغرافية “مختنقة” بحريا. فالعراق هو الدولة العربية الوحيدة التي تفتقد اطلالة بحرية او الوقوع على ضفة احد المحيطات. كما ان الهضبة العراقية منخفضة من جهة الشمال والشمال الشرقي الامر الذي سهل على الغزاة دائما اجتياح الاراضي العراقية من الطريقين البحر “الخليج” والهضبة. كما ان اتصال الصحراء العراقية بالسعودية قد اثر على مسيرة الدولة العراقية الحديثة باكثر من علامة سلبية اولها المد الوهابي ورسوخ الثقافة البدوية والعشائرية والتدين المرتبط بالقبيلة.
كما ان مجاري الانهار العراقية التي يعتمد عليها السكان في شربهم وسقي مزروعاتهم تنبع ايضا من خارج الحدود العراقية. وليست ازمة المياه و”التعطيش السياسي” وليدة الظروف الحالية بل هي قديمة لكنها اخذت الان ابعادا اخرى بعد تفكك الدولة العراقية وعدم وجود قوة تستطيع ان تفرض على الدول المتحكمة بمنابع الانهر العراقية استيفاء حصة العراق منها. ومن الخطر الشديد ان تتحول الحضارات الزراعية العريقة في العراق الى بوار يستورد غلاله من دول الجوار. انه تاكيد اخر لمعنى العزلة الجغرافية للبلاد. فالعراق لا يستطيع التحكم بموارد المياه ولا يستطيع تصدير منتوجاته “النفط تحديدا” بطريقة مباشرة الا عبر “الجيران” الذين يطل جميعهم على بحار او خلجان دون استثناء.

العزلة الثقافية
يميل التعبير العراقي في مختلف مناحيه الى الحزن والبكائية والاغراق في الذاتية.
لقد منع هذا المناخ الطاغي بروز حركة نقد فلسفية او اجتماعية وسمحت بتضخم الشعر والادب تضخما هائلا بطريقة لا يمكن مقارنتها باي بلد في العالم بل وفي التاريخ ايضا. ان طغيان المد الشعري الذي يحد من التفلسف وعلوم المنطق والكلام يعزل العقل العراقي عن التفكير في مشكلات الدولة والمجتمع والاقتصاد والثروة.
وعندما كان العراق جزء من الامبراطورية الاسلامية شهد ازدهارا في فنون الفلسفة والاجتماع والنقد الحضاري.
 فقد كتب الكندي والفارابي وابو حيان التوحيدي والجاحظ ومسكويه وعشرات غيرهم كتاباتهم النظرية والتاصيلية في مختلف انحاء العراق عندما كانوا في اجواء وحاضنات الحضارة العربية الاسلامية.
لا اريد ان اخصص عنوانا مستقلا للعزلة السياسية اذ ان عنوانها الرئيس هو العثمانيون. لقد فرض هؤلاء منطقهم الاجتماعي والطائفي والقيمي على البلاد فترة مخيفة من الزمن. فقد انشات هذه الفترة اشكال الاقصاء الطائفي الذي عمل من خلال قوانين العزلة التي تكلمنا عنها الى تكوين انظمة الطوائف داخل الشخصية والانظمة الاجتماعية للبلاد. واتضحت ان غاية هذه الانظمة التي انشاها العثمانيون هي اقصاء الاغلبية العربية عن مراكز السلطة والقرار في البلاد. لقد اتضح حجم الخراب الهائل في هذه الانظمة العثمانية فترة حكم صدام حسين وما تلاه وما سببه من سقوط الدولة العراقية وتفتتها.

خلاصة واستنتاجات
تتميز الانظمة الاجتماعية الحديثة بقدرتها على اختزال ظروف العطالة والتشوه وذلك باستفادتها من الانظمة العالمية الناجحة وامكان “تخصيب” التجربة الوطنية بهذه النماذج.
كما ان سجل الاسلام يحوي كل مفاخر وامكانات التحقق وعبور مناطق التخلف والضعة الحضارية والهوان.
ان صورة العراق اليوم والبؤس الذي يطبعها حيث لا مياه تسقي الزرع ولا زرع يفئ بغلاله على الناس ولا نفط تصل موارده الى مرضى واطفال العراق ومواطنيه وحيث تعيش البلاد وكانها ما تزال تحت ظل الحكم العثماني البغيض.
 ان التغلب على ظروف قوانين العزلة المولدة والمنتجة للاغتراب والشعور بالقحط والتصحر السايكولوجي ينبع اولا من ارادة الحياة وترجمتها في برامج عمل من خلال التربية الاجتماعية والدينية.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home عراقيات العزلة العراقية
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة