مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

الدكتور صفاء خلوصي، رمز ثقافي كبير مات غريباً! PDF طباعة أرسل لصديقك

مير البصري

الأستاذ الجامعي الأديب القصاص الدكتور صفاء خلوصي ولد ببغداد في (17) آب  1917 والذي تمر هذه الايام الذكرى الرابعة عشر لوفاته، لقد أبوه عبد العزيز خلوصي من رجال القضاء خدمه أعواما طويلة وكان حاكم صلح سامراء وحاكم السليمانية المنفرد. أما عم صفاء فهو الأديب المعروف عبد المجيد لطفي.

درس صفاء في مسقط رأسه. وأوفد سنة 1935 للدراسة في جامعة لندن فنال شهادة البكالوريوس، وعاد الى بغداد فعين مدرسا في تشرين الثاني 1941. وأعيد ايفاده الى جامعة لندن سنة 1945، فحاز على شهادة الدكتوراه في الأدب 1947. وتولى في الوقت نفسه التدريس في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية. وعين على اثر عودته الى بغداد أستاذا في دار المعلمين العالية في كانون الأول 1952، وقد أصبحت الدار بعد تأسيس جامعة بغداد تعرف بكلية التربية. ورحل سنة 1953 الى الولايات المتحدة للتدريس والبحث في جامعة بيل وجامعة شيكاغو.
أصبح صفاء خلوصي أستاذا متفرغا في جامعة بغداد (1972). ثم مضى الى انكلترا واخذ مقامه في مدينة اكسفورد.
وضع مجموعات قصصية: نفوس مريضة (1941)، بنت السراج، او رحلة الى اسبانيا (1952)، أبو نؤاس في أمريكا (1956)، أحببت أميرة عباسية (بالانكليزية).
ومن مؤلفاته الكثيرة الأخرى: معروف الرصافي (1953)، الترجمة التحليلية (1957)، دراسات في الأدب المقارن والمذاهب الأدبية (1958)، شواعر العراق المعاصرات، فن الترجمة في ضوء الدراسات المقاربة (1956)، النافذة المفتوحة: صور من الشرق والغرب (1958)، فن التقطيع الشعري والقافية جزءان (1963) الخ.
وقد حقق ونشر: تاريخ بغداد او حديقة الزوراء في سيرة الخلفاء لعبد الرحمن السويدي (1962)، ومن مترجماته الى العربية: البحث عن السعادة من تأليف رم مايك آيفر (1960)، تاريخ الأدب العباسي من تأليف رينولد أنيكولسن (1967*، الساعة العجيبة قصة من تأليف هاورد بايل- القسم الثاني (1963)، صورة إمرأة لهنري جيمس.
نشر بحوثا في المجلة الاسلامية (اسلاميك ريفيو) ومجلة الجمعية الآسيوية الملكية في لندن. ومن مؤلفاته بالانكليزية: الاسلام والخيار (1961)، الأدب العربي المعاصر، تحليل وتقييم لنهج البلاغة، رحلة الى الشرق الأوسط، القصة العربية الحديثة، معروف الرصافي (1950)، نادر شاه في مخطوطات القرن الثامن عشر العربية.
عمل صفاء كثيرا في تعريف الأدب العراقي الحديث الى الانكليز، وكان من رواد القصة العراقية، وتوسع في اختيار ابطال قصصه من المجتمع الأوربي، وعني بالتحليل النفسي. قال: ان القصة لم تعد في العصر الحاضر مجرد اثبات وقائع وسرد مفاجآت، بل هي أداة لمعالجة الأمراض والمشاكل الاجتماعية. وقد أصبح الارتباط بين فن القصة والسايكولوجية وثيقا محكما. فالقصة العظيمة هي التي يحلل الكاتب فيها نفسيات أبطالها تحليلا سايكولوجيا (نفسانيا) دقيقا.
قال خليل ابراهيم عبد اللطيف في كتابه “أدباء العراق المعاصرون”: ان “نفوس مريضة” تضم صورا لأناس عاشوا ومازالوا يعيشون على نمط غريب شاذ بعقولهم ونفسياتهم ورغباتهم لأنهم مرضى، مرضى بنفوسهم، ومرضى بأفكارهم ومبادئهم: واختار خليل ابراهيم عبد اللطيف انموذجا قصة “تلك كانت خطيئتي” من مجموعة “نفوس مريضة” وهي قصة غريبة في بابها.
هي قصة فتاة تتألم وتبكي. يسألها صاحبها عن سبب بكائها فتجيب: لأنك لم تعد تحبني. ذكرت سعيها للحصول على رضاه وما ضحت به في سبيله، فلم تجد فيه سوى رجل يسطو على قلوب العذارى ويسرقها ويحنث بوعوده في الزواج. لكن الفتى يقول لها انه أصبح بين نارين: التضحية بها او التضحية بوطنه، فحار فيما يختاره لأنه ملزم بحكم قانون بلاده بعدم الزواج بأجنبية.
فكرت الفتاة بنفسها بعد هجرة حبيبها فارتأت ان وقت النزق والطيش قد فات، وقررت ان توقف بقية حياتها لخدمة البشر. وعادت الى دارها فوجدت رسالة من صديقها الذي عاد الى بلده يسألها ان تصفح عنه، ويعرب عن حبه الشديد لها، ذلك الحب الذي لم يستطع الوفاء به، ولذلك قرر ان يختتم سفر حياته بطلقة مسدس واحدة.
فماذا فعلت الفتاة؟ لقد ابتسمت مرة أخرى للحياة وتأبطت كتبها وعادت الى الجامعة لمواصلة الدرس.
وفي قصة أخرى لصفاء خلوصي “مسودة رسالة” يروي حكاية حب لصاحب له شغف بأسبانية حسناء “أحبها بعقله وروحه وقلبه معا” فتاة لم يرها انسان الا أعجب بصوتها الموسيقي العذب، تعلوها إمارات البراءة، براءة الطفولة. وكان من الصعب جدا أن يصدق الانسان ان مثل هذه المرأة تستطيع ان ترتكب أصغر الآثام وأقلها شأنا. لكن كانت مجرمة حقا، فما من إثم الا ارتكبته، وما من خطيئة الا اجترمتها، فقد كانت لها شخصية مزدوجة، شخصية بريئة تحب الخير، وأخرى شريرة مدمرة، وأنت لا تعلم متى تظهر الواحدة وتختفي الأخرى. وبعد ان يروي الكاتب قصة الحب الطويلة المثيرة يجد المحب لصاحبته أحبة كثيرين فينبذها ويقول: ان الانسان ليستطيع ان يشارك غيره في كل شيء الا المرأة!
اختير خلوصي سنة 1978 رئيسا للمجلس الاسلامي الأعلى للتربية والتعليم في المملكة المتحدة وايرلندا. ودعي لالقاء محاضرات في الرباط والدار البيضاء وطنجة، وألف كتبا باللغة الانكليزية عن النبي محمد (ص) والخلفاء الراشدين. وهو لا يدخن ولا يشرب الخمرة، وقد قال: سكرة الشعر أروع من سكرة الخمر. وقال مؤتسيا بالفيلسوف الفرنسي فولتير: التفكير محنتي. واتخذ شعارا له قول فولتير: أنا لا أوافق على رأيك، لكنني أبذل آخر قطرة من دمي للدفاع عن حرية رأيك. وهو ينتمي الى عشيرة البيات وهي عشيرة ذات جذور عربية وكردية وتركمانية، وينسب الى ذلك تسامحه وتآلفه مع مختلف الأقوام والفئات.
لقد اهتم بالشعر ودرس العروض وألف في ذلك كتابه عن فن التقطيع الشعري والقافية. ووجد الفرصة بين مشاغله الكثيرة المتشعبة لنظم الشعر فقال يخاطب صلاح الدين الأيوبي:
يا قاهر الغرب جبار السلاطين
توج تأريخنا في يوم حطين
مزقت خارطة كانت مزيفة
حققت نصرك في شتى الميادين
خضدت شوكة أوربا وقادتها
مرغت تيجانها في حمأة الطين
خلعت عاتق أرناط لقالته:
هاتوا محمدكم إن شاء يفنيني
وجاء جي مليك القدس منخذلا
من ذا رأى ملكا في زي مسكين؟
وقال في شهيد برقة عمر المختار:
أكالإعصار أم شعل اللهيب
يمر معانق الفرس النجيب؟
عن المختار يسأل كل ركب
صبيحة يومه او في الغروب
بعزم الفاتح الجبار جئنا
نحيي ذكر ذياك الحبيب
شهيد شق للعليا دروبا
ولقن بأسه خصم الشعوب
مضى صوب المطامح باتئاد
وما هدف المطامح بالقريب
وجاهد ما استطاع فما توانى
وناضل في الجبال وفي السهوب
وكر مصاولا شرقا وغربا
وما عزم الأشاوس بالكذوب
وقال:
ولا خير في حلم إذا لم يكن به
بوادر تحمي صفوه ان يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
أقول: ربطتني بالدكتور صفاء خلوصي روابط ود وأدب تزيد على نصف قرن. وقد أخذ مآخذ على كتابي “اعلام الأدب في العراق الحديث” وقدر شعري تقدير طيبا في مقالات له في جريدة “العرب” اللندنية في كانون الثاني وشباط 1995. وقد انتقدت رأيه في عروبة وليم شكسبير التي دعا اليها وقال: انه “الشيخ زبير”، ولم أقتنع بالأدلة التي سردها من مسرحيات كبير أدباء المسرح الانكليزي ومقطعاته الشعرية.
اتصلت المراسلة بيننا في الأمد الأخير بين أكفسورد ولندن. وقد قلت فيه:
لي صديق ألمعي
كاسمه صافي الصفاء
له في العلم سموق
وسمو في الوفاء
وهو بالفضل سبوق
لجموع الشرفاء
مجد الاسلام دينا
واقتدى بالأتقياء
في أكسفورد مقيم
موقر للأدباء
نشر الآداب فيضا
في جلاء ورواء
نظم الشعر بديعا
رافعا فيه اللواء
في معان باهرات
كالدراري في البهاء
وبحور الشعر وفى
حقها في الازدهاء
فبه أنعم وأكرم
جل بين القرناء
وله مني سلام
زانه صدق الولاء
دام في صفو وعز
وأمان وهناء
أرسلت اليه بهذه الأدبيات فأجابني في 27 نيسان 1995 قائلا: “وشكرا للرسالة الكريمة والقصيدة العصماء التي أرجو ان أوفق لمعارضتها يوما بعد ان أتحرر من الشواغل المتراكمة التي لا أكاد أجد مخرجا منها”.
كانت تلك آخر رسائله إليّ من أكسفورد، فقد اصابه مرض شديد فنقل الى المستشفى في لندن للعلاج، وأدركته الوفاة في العاصمة البريطانية في 8 أيلول 1995، خسرناه أستاذا عالما وأديبا ألمعيا متشعب النشاطات والهوايات، وخسره أصدقاؤه الكثيرون أخا كريما وفيا.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home عراقيات الدكتور صفاء خلوصي، رمز ثقافي كبير مات غريباً!
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة