مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

مـــــــائـدة العراقــــــيين الفقـــــيرة PDF طباعة أرسل لصديقك

د.علاء الموسوي

لم يعد في عالم اليوم مجال للمجانية والنسيان والاهمال. فكل شيء خاضع للقياس والتحليل والنسب الاحصائية. وبحسبة بسيطة فان المهدور من الطاقات والموارد والثروات في بلادنا العزيزة يعادل ميزانيات دول باكملها استطاعت ان تعتمد التخطيط والترشيد والنسب الاحصائية في كل شيء. وفي العالم اجمع وبدرجات مختلفة تنحو جميع الدول منحى الضبط في تقدير نسب الاشياء وتناسبها حتى لا تهدر الموارد والجهود والطاقات.

وفي تقارير التنمية الانسانية التي تصدر عن ارفع المنظمات الدولية يعتبر حساب التخطيط والترشيد احدى علامات النمو والتحضر.
ومن المعروف ان الصفة التي تكاد تلازم البيئة العراقية هي للاسف الشديد الهدر المستمر. فابتداء من مياه شط العرب التي تذهب هدرا في مياه البحر المالحة الى الثروة النفطية التي لم يستفد العراقيون منها واصبحت وبالا عليهم والى النخيل رمز العراق التاريخي اضافة الى الغاز الطبيعي والكبريت والاهم من كل ذلك... الانسان.
بيد اني احاول في هذه المقالة دراسة جانب من جوانب الهدر ذلك الذي يتعلق بصحة العراقيين واجسامهم. لقد اكد القرآن الكريم والنبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) واهل البيت (عليهم السلام) على الصحة والعناية بها واغتنامها قبل الهرم والمرض حتى يكون الانسان منتجا في بيئته ونافعا لغيره فـ”خير الناس من نفع الناس”. وعلى الرغم من عدم توفر احصاءات دقيقة حول امراض العراقيين التي اصبحت وبائية فان الواضح الجلي هو ازدحام عيادات الاطباء بعشرات او مئات المرضى في كل المحافظات العراقية. واكاد اجزم ان عدد الاطباء في العراق كبير جدا قياسا الى عدد السكان وذلك واضح من عدد اليافطات المعلقة على شوارع المدن العراقية قاطبة. ان ذلك دليل على تردي الصحة العامة للعراقيين وما يتبعه من تداعيات تؤثر على المعنى الذي اشرنا اليه قبل قليل وهو الهدر.
ان قاعدة العقل السليم في الجسم السليم ليست عبارة انشائية مرسلة بل هي تقنين للواقع ومحاولة ترشيد الجهد البشري. وقد وصل الغرب الى اعلى مراحل هذا الترشيد فلكل مواطن هناك بطاقة تتضمن امراض العائلة الوراثية وصنف الدم للمواطن وكذلك عدد مرات مراجعته للمستشفى وعدد السعرات الحرارية التي يتناولها وحالة اسنانه حيث مراجعة طبيب الاسنان الزامية على كل المواطنين كل ستة اشهر تقريبا.. الخ. ان الحسابات التي يبغيها المشرع الغربي من هذا الاهتمام بصحة الناس لا تتعلق فقط بالناحية الاخلاقية في رعاية حقوق المواطنين وبضمنها الرعاية الصحية بل تتعلق بانتاجية الفرد وكمية ما يصرف عليه من الدواء في حال تعرضه للامراض. وقد اصبح الزاميا في جميع المدارس الغربية تقريبا تقديم وجبات غذائية خاصة ومركزة تعوض عن ما يمكن ان تغفل او تسهو عنه العائلة في تغذيتها لابنائها. لم يعد هناك مجال في هذا العالم للاعتباط والهدر واللامسؤولية. اذ ان حساب المصاريف لهذا الطفل في الروضة او المدرسة الابتدائية عندما يمرض موجود في اذهان المشرعين وفي ضمير المجتمع فاذا اضيف اليه قلة انتاجيته فان الحاصل يكون اوطانا عليلة مثل علل مواطنيها.
وليست الدولة فقط وتشريعاتها هي التي تحمي صحة المواطن هناك فان منظمات المجتمع المدني تمثل عينا ورقيبا لهذا المواطن على ما قد يبدر من الدولة من اخطاء. فقد تكون الدولة مجبرة على التوسع في الانتاج الصناعي مع ما يجره ذلك من تلوث الهواء الذي يعني امراضا مؤجلة للناس. وفي هذا تدخل هذه المنظمات في صراع مع الحكومات من اجل الحفاظ على نقاء الهواء والتربة واشهر هذه المنظمات منظمة السلام الاخضر وعشرات غيرها. كما ان التوعية الصحية تعتبر درسا الزاميا ومهما في كل المراحل الدراسية تقريبا وبالذات الاولية منها. ان الناظر لاحوال المجتمع والفرد العراقي يشعر بالحزن الشديد والقلق على صحة العراقيين وفتك الامراض باجسامهم فمن النادر ان تجد عراقيا معافى بمقاييس الصحة العامة. تحولت الامراض المزمنة مثل الضغط والسكري الى وباء لا تتوفر نسب احصائية تدل على هوله وحصاره للفرد العراقي. كما ان تلوث الهواء الناتج عن استخدام المصانع داخل المدن زمن النظام السابق وكذلك المولدات الكهربائية حاليا مع ما تسببه من امراض خبيثة للناس دون ان تتحرك المنظمات المعنية او المثقفون او علماء الدين للتنبه الى هذه الكارثة المتحققة.
لقد انتشرت بين الشباب العراقي في السنوات العشر الماضية عادات التدخين و”الكبسلة” واستخدام الاراجيل بطريقة واسعة جدا. ويحفل المجتمع العراقي بنسب عالية جدا من حالات العقم بين الازواج وذلك بسبب ما يضاف الى المزروعات من اسمدة كيمائية بنسب ليست صحية وغير خاضعة للرقابة.
لقد سبق النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) علم التغذية الحيوي الحديث في تاكيده على تناول منتجات البيئة المحلية وقاية وقوة. لقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينصح دائما بتناول التمر واللبن والرمان. ان علم التغذية الحيوي احد فروع علم الاجتماع الطبي قد توصل الى نتائج مؤكدة تتعلق بضرورة ان يتناول الانسان المحاصيل والخضروات التي تزرع في بيئته وارضه. ان العلاقة بين هذه المحاصيل والتركيب البايوكيميائي للانسان تتضمن علاقة من التكامل لم يستطع العلم تحديد ماهيتها لكنه قد اكد نتائجها بصورة حاسمة. واليوم لم يعد التمر غذاءً رئيسا للعراقيين على مائدتهم كما ان السمك قد عز عليهم او بالاحرى على غالبيتهم العظمى رغم الانهار والشطوط العديدة في البلاد. اليس مستغربا ان يستورد العراق اسماكا مجمدة من دول بعيدة تصل بعد طول رحلة في البحار بارخص من ثمن السمك العراقي اضعافا مضاعفة.  لقد حلت الحلويات الحديثة مثل البقلاوة والزلابية محل التمر على المائدة العراقية. ان ذلك ياتي في سياق ضعف المائدة العراقية بتزويد الانسان بحاجته التي تكفل له مقاومة الامراض والشيخوية وملازمة التعب والاجهاد. فتركز المائدة العراقية على النشويات والدهون بنسبة كبيرة تحرم الجسم من العناصر الغذائية الاكثر اهمية من الفواكه والخضر وبالذات من التمور. ان تقاليد المائدة لدى اي شعب من الشعوب او حضارة من الحضارات ليست امرا اعتباطيا يخص الاسرة او ربة البيت فهو يمثل جزءا من ثقافة هذا الشعب واحساسه بطريقة اعداده للافراد في الانتاج والدفاع. ان مجتمعات اسبارطة العسكرية واثينا الفلسفية وبغداد العباسية كانت في موقع تحديد نوع المائدة الضرورية بحسب الظروف الطبيعية والحاجة الى اعداد الفرد جسميا وعقليا. لقد كتب ابن سينا طبيا “فسلجيا” ومسكويه والرازي وعشرات غيرهم عن “دفع مضار الاغذية” وجلب النافع منها في عنفوان الحضارة الاسلامية. واليوم لا احد يشير من المثقفين الى معنى ان تتحول مياه الشرب العراقية الى ملوثة وان يصاب ثلث العراقيين بالتيفوئيد. ان قضية مياه الشرب تعد هي الاخرى من نكسات الصحة العامة العراقية وضررها البالغ على الفرد وانتاجيته ومزاجه. ان المقاييس العالمية تجعل من مدن مثل البصرة والعمارة “على الاخص” واطراف بغداد الشرقية مدن اوبئة لابد ان تعلن فيها حالات الطوارئ بعد ان اصبح المرض احد افراد الاسرة اذا لم يكن اكثرهم حضورا وتاثيرا.
ان الشخصية العراقية حزينة ومنكسرة وان فتك الامراض بهذه الاسرة جعل من العراق واحدا من اكبر محاجر العصر الحديث الصحية استعصاء وألما. كل هذا والادوية التي تدخل البلاد من مناشيء مزورة او ضعيفة في الصناعات الطبية. وفي قمة التراجيديا المضحكة المبكية العراقية يسرق بعضهم مياه الكلور المخصصة لتحلية وتنقية مياه الشرب ليبيعها الى الارهابيين والتكفيريين ليستخدموها في اعمالهم المعادية لله ولرسوله ولدين الحق.
ان منظر الشابات والشباب العراقي على ابواب الاطباء يحزن القلب ويدمي العين اذ لم يعرف العراق وخاصة مدنه الجنوبية كارثة كالتي احدثها المجنون الناقص صدام وعصابته بتجريف البيئة وتجفيف الاهوار وتقطيع الاشجار اضافة الى سياسة الافقار التي اضنت الشحم واللحم والعراقيين.
لقد كانت الخيبة كبيرة فبعد ان عاد العراق الى اهله وناسه بعد طول غربة واغتراب لم يجد الفقير العراقي مائدة غنية. لقد شحت عليه حتى الفواكه العراقية والخضر التي اصبح استيرادها من دول الجوار يشكل غصة في قلوب العراقيين قبل اقتصادياتهم. ومن الغريب ان يزداد الفقر وتتوسع قاعدته رغم الزيادة الحاصلة في اسعار النفط بصورة مضاعفة. لم تغتن المائدة العراقية بعد سقوط اللص وعشيرته الا ان الطعام نفسه قد شح على الكثير من هذه المدن التي لا تعرف ما يخبئ لها المستقبل.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home عراقيات مـــــــائـدة العراقــــــيين الفقـــــيرة
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة