| شخصيات عراقية.. د. حاتم الكعبي |
|
|
|
|
لا أظن ان جيلا من القراء العراقيين المعاصرين وكذلك المهتمين تحديدا بعلم الاجتماع لايتذكر علما بارزا من أعلام العراق في هذا العلم وهو الدكتور حاتم الكعبي. وقبل فترة وجيزة من الآن حضرت مؤتمرا في العاصمة الأردنية عمان يخص محاولة العلماء تأسيس مدرسة عربية في هذا العلم استنادا الى ما أسموه بـ”المدرسة الخلدونية”. وأثناء المؤتمر أسر لي أحد أساتذة جامعة اليرموك الأردنية بأنهم قد اكتشفوا في الجامعة تزويرا علميا عندما قدم أحد الطلبة رسالة لنيل شهادة الماجستير هناك. يقول الأستاذ انهم قد صعقوا! للمستوى الذي كتبت به هذه الرسالة. ثم تداول الأمر بينهم وقبل مناقشتها استدعوا الطالب لمناقشته في بعض أفكار الرسالة. وقد لاحظوا على الطالب الارتباك وضعف الدفاع عن آرائه الواردة في الرسالة اضافة الى بساطة التماسك المعرفي لعباراته بخصوص الموضوع. وبعد التحقيق والتدقيق تبين ان هذه الرسالة هي تلخيص لأحد كتب عالم الاجتماع العراقي المرموق “والمنسي في بلاده” الدكتور حاتم الكعبي.ثم يضيف الأستاذ: انهم قد اكتشفوا هذا الرجل استنادا الى هذه “السرقة” الطريفة التي فتحت الباب امامهم لمعرفة رموز علماء الاجتماع العراقيين الذين غطى عليهم العلامة الدكتور علي الوردي. وقد أوردت موسوعة لعلماء الاجتماع العراقيين اسم الدكتور الكعبي ضمن عشرات غيره دون ان تقدم قائمة تفصيلية بأعماله. كما ان أقسام علم الاجتماع في الجامعات العراقية تفتقر للأسف الشديد الى روح الوفاء والتراكم العلميين باهمالها هذه الرموز العلمية التي أسست ونحتت في الصخر لتكون القاعدة العلمية لمختلف الفنون الابداعية. ففي مجال التاريخ والكتابة التاريخية والفنون التشكيلية فالمسرح والسينما واللغة والأدب وعلوم الاجتماع والأنثربولوجيا شهدت بروز أقلام عراقية وعلماء بارزين استطاعوا ان يؤسسوا لمدارس عراقية حقيقية. وعندما أصاب العراق الجدب العلمي والسياسي عند احتلال البعثيين للعراق منذ عام 1963 حتى سقوطهم افتقدت هذه المدارس العلمية والفنية والأدبية امكانات تأصيلها والتأسيس لقوانين عراقيتها وتجذرها. برز اسم الأستاذ الدكتور حاتم الكعبي مذ كان طالبا في الاعدادية ومرحلة البكالوريوس حتى نيله شهادة الدكتوراه من الولايات المتحدة الاميركية جامعة شيكاغو عام 1954. لم يتسن للدكتور الكعبي اكمال منهجه العلمي في دراسة المجتمع العراقي اذ عاجلته المنية مبكرا عندما فارق الحياة عام 1975 ولم يكمل الستين من العمر. وبالمقارنة مع الدكتور علي الوردي فان اسلوب الكعبي لم يكن شعبيا ولا تبسيطيا. على ان ذلك لا يعد انتقاصا من انجازات العلامة الوردي الكبيرة. الا ان الطريقة التي كتب بها الاثنان كانت مختلفة فقد كتب العلامة الوردي بطريقة علم الاجتماع الأفقية أي دراسة تتابع الظواهر وامكان استخلاص قوانينها الداخلية او محركاتها الرئيسة. أما منهجية الدكتور الكعبي فقد كانت تعتمد الطريقة الرأسية “العمودية” وذلك بدراسة المشكلات الاجتماعية وتمظهرها في المجتمع العراقي. وهذا هو السبب الذي قلل من شعبية الدكتور الكعبي لدى عموم القراء وارتفع بها عند نظيره الدكتور الوردي. فقد كتب الدكتور حاتم الكعبي عن الظواهر الاجتماعية التي حكمت مسيرة العراق والتحولات التي طرأت على هذا المجتمع من خلال محددات اعتقدها الدكتور الكعبي صالحة لدراسة هذا المجتمع. فقد درس السلوك الحشدي من خلال كتابه علم اجتماع الثورة وكذلك علم اجتماع الحركات القومية. كما حاول ان يفسر اجتماعيا تعلق الناس بالبطل المخلص واسقاط الفكرة في التاريخ وعلى الواقع المعاصر. لقد كتب هذا الكتاب الأخير بعد الأحداث التي أودت بالزعيم الراحل عبد الكريم قاسم وما رافق ذلك من أخبار وأساطير راجت في أوساط الشعب العراقي حول شخصية الزعيم. وهكذا تتابعت دراسات الدكتور الكعبي مستندة الى أزمات المجتمع العراقي وتحولاته الصعبة. ومثل الدكتور الوردي كانت ولادة حاتم الكعبي في مدينة الكاظمية المقدسة عام 1917 والمعروف عن هذه البيئة الاهتمام بالعلم والنقد الاجتماعي والالتزام الديني بحكم الجوار المقدس للإمامين الجوادين عليهما السلام. ومن ناحية اخرى حاول الدكتور الكعبي ان يؤصل المفاهيم النظرية لعلم الاجتماع في البيئة العراقية وكذلك للمثقف العام فترجم كتبا مهمة بهذا الاطار فقد ترجم في العام 1948 “المدرسة الاقتصادية في علم الاجتماع” وكتاب علم الاجتماع الشهير لهيوز عام 1961. وخلال كل ذلك كان يخوض “باجتهاده” مشكلات المجتمع العراقي من منظور بدا مرتبكا وغير مستقر وهذه نقطة لابد من استجلائها في حياة وشخصية الدكتور الكعبي. لقد كتب بهذا الاتجاه عن “نظام الطوائف الاجتماعي” و”حركات المودة”. وفي دراسته للحركات الاجتماعية والأفكار السائدة حينها كتب عام 1964 عن الطبقية وماركس. لقد حالت اللغة الأكاديمية الرصينة و”الاحصائية المعقدة أحيانا” بين كتابات الكعبي وجمهور القراء. لكن من الغريب ان يعزف أساتذة ومختصو علم الاجتماع عن قراءة هذه الكتب حاليا واعادة طباعتها وكذلك المترجمة منها. كما ان للدكتور الكعبي بحوثا عديدة غير منشورة وقد سمعت من مصادر مختلفة انها بحوزة أحد أقربائه. ويبدو “والله أعلم” ان احساسه بضعف التواصل مع القراء بسبب منهجياته المركبة قد دفعته الى نظم الشعر. فقد أصدر أواخر أيامه ديوانا صغيرا وكذلك دراسة في نقد الشعر وهذا الكتاب الأخير ألفه وهو على فراش الموت. وحتى لا يبدو الزمن العراقي تائها وغير متماسك فلابد من وصل أجزاء الثقافة العراقية واعادة التماسك الى بنائها الداخلي الذي مزقته تقلبات السياسة وظروفها الصعبة. لقد اختلف الكثيرون مع الدكتور الكعبي وطروحاته وأنا واحد منهم فان لي عشرات الملاحظات على مواقفه هنا وهناك لكنني أؤمن تمام الايمان بضرورة ان يكون العقل العراقي والثقافة العراقية متوفرة على الحد الأدنى من القبول بالاختلاف بل ورعاية هذا الاختلاف اذ ان ذلك وحده يرسم طريق الخلاص من شرور الاستبداد والعيش في منطقة التخلف او المنطقة الرمادية للعقل والتي لا يستطيع فيها تحديد البوصلة والوجهة. أغتنم مناسبة هذه الكلمات عن الدكتور الكعبي لاقترح انشاء قاعة باسمه من قاعات جامعة بغداد واعادة طبع كتبه وترجماته وان يؤلف الطلبة في هذه الأقسام “البائسة” لجامعاتنا أطاريحهم عن أعمال الدكتور الكعبي حتى من موقع النقد والتقويم. لقد جاءت هذه الكلمات للسبب الذي ذكرته في بداية المقال وهو قصة الطالب الاردني وشهادة الماجستير التي “لفقها” اعتمادا على كتب الدكتور الكعبي. وهي مناسبة اليمة ومحبطة ان نتذكر كتابنا ومبدعينا عندما يهتم الآخرون بهم فقط حتى ولو كان هذا الاهتمام من باب... السرقة!. |