مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

قيود العراق.... مَـنْ يكســــرها؟

د. عبد الجبارالبياتي

عذابات الروح العراقي بلا حدود. وتكاد اوجاع والام العراق ان تصبح سمة مميزة لمعاش اهله وطريقة تعاطيهم مع شؤون حياتهم. ومن العجب ان يصنع العراقيون التاريخ في الابجدية والزراعة والاستقرار ثم لا يقطفون ثماره في حياة مستقرة هانئة، وقد ذهب المؤرخون والمثقفون والمهتمون مذاهب شتى في تفسير قوانين الوجع العراقي. ومهما تتعدد التفسيرات والمذاهب فان خللا يسكن إيقاع التنظيم في الحياة العراقية يجعلها نهبا في كل مرة لغزاة او طامعين يجدون في تخلف البلاد واهلها قدرا يتيح لهم إمكانية الاستحواذ والسيطرة.

 

لكن السؤال يبقى معلقا وبحاجة الى إجابة دائمة، فالشعوب المبدعة والمنتجة يعني انها تعمل بعقلانية تتوفر على الحد الادنى من التماسك، واذا كانت الامة العراقية كما يخبرنا التاريخ منتجة فكيف ينفرط عقد هذه العقلانية كل مرة لصالح قوانين الفوضى والتسلط والعشوائية في كل شيء؟ولاجل الوقوف على منابع عذابات الروح العراقية سوف نورد بعض المنظورات التي حاول بعض المهتمين من مؤرخين ومثقفين من خلالها تفسير تفرد الالم العراقي:1- نظرية الحتمية الجغرافية.2- نظرية الشخصية العراقية.3- نظرية الخمول البنائي.4- نظرية الاقتصاد الزراعي الريعي المرتبط بنظم الري.ولابد من الإشارة والتنويه الى ان هذه الفرضيات تمثل الوانا من التفكير يصعب اعتبارها قوانين الا ان اتصال هذه النظريات ببعضها بالشرح والتقريب يمكن ان يجعل في يد الباحث او السياسي او المتصل عضويا بنظم المعلومات طرفا من الحقيقة تعينه ان يكون مواطنا صالحا يبحث عن مصلحته داخل كيان المجتمع والدولة. 1- نظرية الحتمية الجغرافية:يذهب علماء الاستراتيجيا كما يذهب المؤرخون انه اذا اردت ان تفهم التاريخ جيدا فانظر الى الخارطة. اذ ان الموقع الجغرافي كثيرا ما يحدد مصائر الدول والشعوب والحضارات، فان للدول التي تملك مواقع على البحار والمحيطات مناعة غير الدول المحصورة بين الوديان والهضاب المنخفضة، كما ان وجود الانهار الداخلية او الثروات الطبيعية “والمعادن خاصة” تحدد الى درجة كبيرة مواطن القوة في هذه الدولة والضعف في دولة اخرى، والناظر الى خارطة العراق يلاحظ القهر الذي تمارسه الجغرافيا على التاريخ العراقي وعلى المدنية العراقية. فالعراق ليس له اطلالة هامه على محيط او بحر. كما ان اطلالته البسيطة على الخليج العربي قد سببت له حروبا وحصارات وما تزال حتى الان. اذ يراوح مشروع ميناء البصرة الكبير في دهاليز من العتمة “ونظرية المؤامرة” لا لشيء الا لان إنجازه يجعل من العراق دولة “شبه بحرية”. ويتمتع جوار العراق بموانع طبيعية تجعله في موقع السيطرة والمبادءة سواء في عمليات القتال او في موجات الهجرة. ان امتداد الصحراء من الجزيرة العربية يخدم السعوديين اكثر من الدولة العراقية اذ ان المسافة بين الصحراء والمدن السعودية بعيدة جدا عكس المدن العراقية التي شهدت خرابا على ايدي الوهابيين معروفة تفاصيله ومأسيه المريرة. ان هذه الفواصل الصحراوية تتيح اولا مجالا للمبادءة بالهجوم وإمكانية لهجرات مكثفة بحثا عن المياه وسبل العيش وقد حصل الامران كلاهما وطبعا تاريخ العراق القديم والمعاصر بطابعهما، واذا استثنينا جيوش الفتح الإسلامي التي ادخلت العراق نور التوحيد فان مسيرة القبائل العربية من اليمن والجزيرة الى العراق قد لعبت دورا قويا ومؤثرا في الفتن السياسية والطائفية وما تزال، والتي تجعل من الساحة العراقية مازومة وكئيبة. وتشكل جبال زاكروس في ايران نفس الوظيفة التي تشكلها الصحراء السعودية اضافة الى المنطقة الجبلية العازلة بين تركيا والعراق اذ ان مواقع المدن التركية بعيدة جدا عن الحدود عكس المدن العراقية بما فيها المركز والعاصمة “بغداد”.ويؤكد انصار نظرية “الجبر الجغرافي” ان الماساة العراقية ناتجة عن هذا البؤس الجغرافي الذي حتم على العراق موقعا لا يستطيع التنفس بسهولة ولا المبادءة وغالبا ما تتعرض مدنياته الى التخريب والغزو الامر الذي افقده بالتراكم والتعود القدرة على حماية النسيج الوطني والتمركز حول نظم الدولة لحمايتها وحماية منجزاتها. 2- نظرية الشخصية العراقية:من الخطر الركون الى اغلب النظريات التي تتناول الشخصية الوطنية في هذه الدولة او تلك وتبني على اثرها نتائج حاسمة او يقينية، اذ ان اغلب نظريات الشخصية لابد ان تنحو منحى عنصريا او في اغلب الاحيان متحيزا يخفي في طياته هروبا من الازدراء الثقافي او القيمي للشخصية المراد بحثها. ويكاد هذا الامر ان يتوزع في كل شعوب العالم فنجده في اميركا موجها ضد المكسيكيين والملونين وفي بريطانيا ضد الايرلنديين وفي مصر ضد الصعايدة والشمال “كونيا” ضد الجنوب اضافة الى التحيزات المحلية الطائفية منها والاثنية والقومية.هل في الشخصية العراقية ما يميزها عن بقية خلق الله تعالى الى الدرجة التي يمكن ان نقول ان هذه الشخصية هي سبب الام وعذابات المجتمع العراقي في تخلخله وضعفه؟. اذا كان الجواب بالإيجاب فان هذه الشخصية هي نفسها التي مارست الزراعة قبل الاخرين بالاف السنين وشقت الانهار وتعاملت بالجبر والرياضيات واعتنقت سعيدة الدين الإسلامي وابدعت من خلاله حضارة زاهية جعلت من بغداد مركز العالم في التمدن والثقافة. حتى اصبح مثلا كونيا وصف التنعم والنعيم الذي يتمثل في الاشخاص بانه “يتبغدد” دليل الرفاه والوفرة والسعة. فكيف تكون هذه الشخصية هي سبب كل هذه الماسي؟ يذهب اصحاب هذا الراي الى الماساة التي احاطت بالوجود العلوي المقدس وبالذات في خلافة امير المؤمنين (عليه السلام) وسادة اهل البيت الحسن والحسين (عليهما السلام) وما جرى لهم والاوصاف التي اطلقوها على العراقيين، ولا يمكن للمرء الركون الى هذا التبرير والمسوغ اذ ان الامام علي (عليه السلام) نفسه قد اختار الكوفة لقوة شعبيته ومحبة العراقيين لهذه الشخصية الفريدة والنادرة في تاريخ الظاهرة الانسانية وحكمتها في كل التاريخ البشري. كما ان ثورة التوابين ومسيرة اهل البصرة الناقصة قبل استشهاد الامام الحسين وثورة المختار الثقفي كلها تنهض دليلا على محبة العراقيين لاهل البيت (عليهم السلام) حتى اصبحت مراقد الائمة الاطهار مراكز علم احتفظت بسر وعبقرية اللغة العربية في اسوا عصور انحدارها.لقد مارس علي الوردي اثرا ضارا وتخريبيا عندما حاول ان يستعرض معلوماته التغريبية المستنسخة ويذم الشخصية العراقية من دون ان يسمي من هو الظالم ومن هو المظلوم. ان تناول الشخصية العراقية بالمنظور “الوردي” يعني الاكتفاء بتوزيع السيئات على الجميع ووصف المجتمع بنظرة تدعي الحيادية لكنها متحيزة الى الغرب ومناهجه التي تصلح لدراسة المجتمعات الغربية والتي وضح فيها حدود القانون والدستور والفرد بصورة جلية يمكن معها للمؤرخ والباحث ان يكون “حياديا”. وحتى هذا الحياد الاخير فانه ليس ممكنا في الغرب نفسه كما يعترف بذلك علماء الاجتماع الغربيون انفسهم.ان دراسة شخصية المهاجرين الاوائل للولايات المتحدة الاميركية والذين صنعوا بعد ذلك حضارة اميركا المعروفة وكذلك دراسة الشخصية الفرنسية في القرن الحادي عشر والانكليزية في القرن الثاني عشر لا يمكن جميعها ان تنبئ بان هذه شخصيات وشعوب يمكن ان تنشئ حضارات كالتي نراها.ان التعويل على مفهوم الشخصية لن يكون كافيا اذا لم يرتبط بالتطور التاريخي والظروف التي الجات هذه الشخصية الى ضعفها وحزنها وقصورها. ان دراسة الضعف العراقي في النتاجات الفنية والاغاني “والابوذيات والسويحلي!” كما هو شائع الان في الدراسات الاجتماعية يمثل برايي قصورا فاضحا في دراسة الشخصية العراقية. صحيح ان الاداب والفنون تمثل مداخل هامه في دراسة نظام الشخصية صعودا وهبوطا الا ان التركيز على هذا الجانب لا يفضي الى نتائج يمكن تعميمها او الوثوق بصحتها. ان التعويل دائما هو على إنتاجية شخصية الفرد وارتباطها بنظام للتبادل والتعامل يستند الى التنظيم “العقلانية” والاخلاق “الدين”. وفي فترات الازدهار والاستقرار البسيطة التي مر بها العراق استطاع العراقيون ان ينتجوا ماديا ومعنويا ما يؤهلهم ان يكونوا شعبا راقيا ومتحضرا. وقدابدع العراقيون في ظل العقيدة الإسلامية من الالهامات الفكرية والفلسفية والادبية ما يدحض نظرية الشخصية العراقية “المضطربة”. الا ان نظام الإنتاج المادي لم يشهد هذه الفترة ازدهارا مماثلا وعند هذه النقطة يمكن ان نعزوا سببب الخوف الذي يسكن الروح العراقي من الفقر والمستقبل.

من الواضح ان نظام الشخصية ليس مستقلا في الواقع والممارسة ولا ينبغي ان يكون مستقلا في البحث العلمي ايضا. وفي مقالة قادمة ان شاء الله نواصل البحث عن ظروف “الانتكاس” العراقي والماعات النور العراقي الكامن في الشخصية والتاريخ والعقيدة الإسلامية والذي ينتظر التفعيل والممارسة.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home قضايا قضايا قيود العراق.... مَـنْ يكســــرها؟
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة