| العراقي المناسب في المكان الشاغر |
|
سرحان محنه إذا كانت الديمقراطية تعطي للإنسان حريته في كل شيء إلا في إحداث الضرر بالقيم الإنسانية والآخرين فلابد أن معاداتها تبحث عن شيء آخر!!، إننا معنيون الآن أن نستلهم من أعظم ما في إرثنا ونتعظ من تجارب الشعوب و مرارة الصراعات على السلطة لنقضي على أية نزعة تقف ضد الحوار وتكرس لغة القتل، ربما يدخل مثل هذا الكلام في حيز التمني لكن ما وصلت اليه الشعوب المتقدمة كان مجرد أمنيات تداعب الناس لم تحققها لهم غير عقول فذة وإرادات مخلصة وإصرار لا يلين على الحياة الحرة الكريمة. كلنا نتحدث عن مبدأ وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب فهو المبدأ الأكثر حضوراً على ألسن جميع المسؤولين والكتاب الباحثين عن أنجع السبل للنهوض بالعراق، لكن أحداً ربما لم يغفل عن أن هذا المبدأ ولد مشلولاً مع الإعلان عن تأسيس مجلس الحكم، فالحقيقة التي لا أحد ينكرها حتى الآن أن تركيبة السلطة السياسية في عراق ما بعد 2003 كانت قد بنيت على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية التي لم يكن ثمة بديل موضوعي عنها بسبب ضعف أو عدم وجود أحزاب وحركات تضم بداخلها مختلف أعراق وأديان ومذاهب الشعب العراقي، ولا يُشفع لتركيبة مجلس النواب الحالية إلا بكونه ممثلاً لجميع الأعراق والقوميات والطوائف والكتل السياسية. واقع المحاصصة بعد أكثر من عامين على الانتخابات كانت له مؤثرات سلبية لم يكن من السهل تجاوزها فقد بات يذمه أغلب السياسيين لأنه أحدث إرباكاً في مختلف مفاصل المجتمع، وجعل لكل طيف وزاراته الخاصة به، لكن السؤال هنا:هل انتهى الأمر بالوزير -أي وزير- إلى اختيار نوابه أو مدراء دوائر وزارته على أساس اختيار الرجل المناسب؟، أم أن تعيينه في منصبه فرض عليه خضوعه لإرادة كتلته أو حزبه أو ربما رغباته أحياناً؟ لا أظن أن مثل هذا السؤال تنقصه إجابة واضحة في الواقع الذي نعيشه أو لدى أي مهتم بالوضع السياسي للعراق، فواقع الحال عبر السنوات القليلة الماضية يشير إلى أن الغالبية العظمى من دوائر ومؤسسات الدولة قد خضعت لهذا الأمر ، فأغلب الوزراء جيروا أغلب الوظائف الهامة فيها طبقاً لتبعياتهم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل إن بعضاً منها أسندت لشخصيات لا علاقة قوية لها بمهام عملها الذي كلفت به سوى أنها من حزب الوزير أو كتلته أو طائفته أو قوميته، وكان من نتيجة ذلك أيضاً أن الوضع تفاقم كلما صغرت الدائرة الفرعية التي ترتبط بالأعلى منها، فقد بقيت قضية الانتماء أو التبعية لهذه الجهة أو تلك هي الحاكمة في إشغال بعض الوظائف بعيداً عن مبدأ البحث عن الرجل المناسب، ربما تدخلت قضية الإصرار على عناصر التكنوقراط لكنها لم تخرج عن إطار الاختيار الحزبي أو العرقي أو الطائفي فالتكنوقراط المستقلون يتحملون أعباء هائلة فيما يرتاح المتكؤون وينعمون بالامتيازات والمكافئات والسفريات، لكن الاختيار أحياناً يخضع أيضاً لمسألة شكلية تعتمد(التنسيق) بما تعنيه المفردة شعبياً و التأييد - وهو قابل للتغير وتتحكم به العلاقات والمزاجية كما تتحكم الريح بأشرعة السفن، والأخطر من ذلك كله أن المصالح في بعض مؤسسات الدولة باتت وحدها هي التي تحكم الإتيان بهذا أو إبعاد ذاك! وغير بعيد عنها النفس المؤامراتي الذي غالباً ما يستهدف العناصر المخلصة من أجل إبعادها عن الوظائف التي تدر ذهبا. ربما تكون هذه القضية بالذات عند البحث عنها بعمق واحدة من أبرز مسببات إشتعال جذوة الفساد الإداري والمالي الذي خلفه نظام صدام في المجتمع العراقي، فإن كان غطاؤه قبل السقوط بعثياً أو أمنياً أو عشائرياً من جهة السلطة فقد أصبحت له الآن أغطية شتى!!، فإذا كانت سلطة البعث قد انتهت سياسياً فهل انتهت سلطة فساده عبر من بقي من المنتفعين الذين تسللوا إلى العملية الاقتصادية ولم يسعوا للتخلص من الاستئثار بثروات الناس؟ لقد كان ((أولئك)) كمن ينطبق عليهم قول الشاعر العربي: (لا تربط الجرباء قرب صحيحة....) فكانت النتيجة أنهم نقلوا ما في نفوسهم وسلوكهم من الفساد إلى عناصر جديدة كان يمكن أن تكون نظيفة ووطنية لأنها عانت من بطش النظام وحرمانه لكنها وجدت من هيأ لها أرضية مناسبة للسلوك الفاسد، خاصة وأن من أولئك الفاسدين من خبروا أقصر الطرق وأكثرها سرية للسطوة على المال العام وتهميش أي وطني شريف يسشعرون خطورته عليهم بل وتصفيته وظيفياً أو جسدياً عندما تتهدد مصالحهم، فالسنوات الأربع التي مضت تشهد أن الفساد المالي والإداري لم يتسبب في سرقة المال العام فقط بل في تخريب خطط الحكومة في التأسيس للبنى التحتية في البلاد. ثمة صراع رهيب يعيشه (الرجل المناسب) لأجل أن يرى نفسه في المكان المناسب فالمؤكد أنه وطني مخلص و إداري جيد ونزيه يريد ضبط شؤون دائرته من خلال اختياره لمعاونين ومستشارين أكفاء ونزهاء لضبط الشؤون الإدارية والمالية وبمتابعة يومية لا تقبل التهاون والمهادنة.. لكن مثل هذا الرجل يحتاج دوماً إلى إسناد قوي من الأعلى وحماية من الداخل لأن احتمال استهدافه أو تخوينه أمر وارد جداً، إن قضية النزاهة في اختيار الرجل المناسب لا يمكن أن يؤسس لها على أسس السمعة والتاريخ والاتجاه والتكنوقراط بل في إصرار الدولة على وجود نظام صارم للرقابة المالية والتدقيق في الأموال والميزانيات والموجودات من قبل لجان مستقلة تمارس عملها بحيادية لا تعرف بها غير الحرص على المال العام ولا تتحرك بناء على إخبار مسبق لأن هذا من شأن دوائر أخرى، ولا يعني هذا في كل الأحوال أن الرقابة تشكك بهذا المسؤول أو ذاك بل هي عملية إدارية مستمرة ومنضبطة من أجل حفظ المال العام وتدقيق المستخدم من الميزانيات المقررة، فبغير صب هذه الإجراءات في قالب قانوني فاعل وصارم لا يمكن للرجل المناسب أن يجد له مكاناً يطبق فيه نزاهته أولاً ثم إختصاصه ففي الولايات المتحدة تخضع جميع المؤسسات لنظام تدقيق الكتروني صارم، لكنه لا يدل على إنعدام الثقة بل يحرص على ما يشبه مبدأ (أن المال السائب يعلم السرقة). |