مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

تاريخ العراق الحديث في البحوث الأميركية

لمياء مهدي

من يعرف مؤرخي تاريخ العراق الحديث الاميركيين؟ انهم موجودون بالفعل ولكن لا اثر لهم في الاعلام الجماهيري الاميركي. وعندما كانت الحرب الثانية في العراق تلوح في الافق اعتقدنا لوهلة ان هؤلاء المؤرخين سيكونون محاصرين باجهزة الاعلام لاعطاء وجهة نظر مطلعة وفاحصة للبلد الذي كنا سنذهب اليه، ومجددا لم يحدث شيء من هذا فبقي كل هؤلاء المعنيين غير مسموعي الصوت وفي دائرة الاهمال برغم كل الجدل الذي كان يجري.

كان الاعلام الاميركي عموما وساعات البث التلفزيوني الطويلة بالاخص مليئة بسرد لوجهات النظر عن العراق في حوارات ابعد ما تكون عن المثاقفة واعطاء صورة واضحة عما يمكن ان يجري، واقصى ما قد تفعله قناة محلية هو استضافة احد العقداء المتقاعدين. ولكن عمليا لم يكن اي من هؤلاء يعرف اللغة العربية او كتب شيئا يخص البلاد التي نحن ذاهبون اليها. وعندما ادارت شبكة اخبار التاريخ الحديث حوارا مع العالم باري روبن ادعى الاخير ان لا وجود لمؤرخين تناولوا تاريخ العراق الحديث في الولايات المتحدة الاميركية. وبالتاكيد فانه قصد وجود عدد قليل منهم خاصة في الحقبة التي حكم فيها البعث العراق منذ العام 1968 وبالرغم من ان مؤرخي تاريخ العراق الحديث الاميركان يمكن ان يعدوا على اصابع اليدين الا انهم ليسوا شخصيات مغمورة او غير معروفة في حقل الدراسات الشرق اوسطية.

 

هناك اسباب كثيرة لندرة الكتاب في هذا المجال اولها انه لا يوجد مؤرخون  للشرق الاوسط عموما في اميركا فهناك حوالي 328 مؤرخا مسجلين كاعضاء في جمعية الدراسات الشرق اوسطية في اميركا الشمالية. ويستقر البعض من هؤلاء خارج الولايات المتحدة او انهم ليسوا اميركيين اصلا. ومن جهة ثانية فاغلب معلومات هذا الفريق قديمة ولا تواكب ما يجري في هذه المنطقة المتغيرة المشحونة وبالتالي فان شهاداتهم قد تكون غير ذات جدوى او غير عادلة في حالتنا هذه. ومعظم هؤلاء قد يعرف العربية او اية لغة ذات صلة في المنطقة. ومن 14 الف مؤرخ مسجل في الجمعية التاريخية الاميركية هناك فقط 300 مطلوب منهم ان يغطوا احداث العراق والشرق الاوسط منذ فجر الاسلام وحتى الان ومن المغرب الى اندونيسيا. ولهذا غالبا ما نجد ان معلوماتهم قديمة وضحلة وبلا فائدة.اعتمد المؤرخون في دراساتهم غالبا على الوثائق والارشيفات الوطنية لكل دولة. وبما ان علاقة الولايات المتحدة بنظام البعث الذي كان يحكم العراق من الستينيات كانت متوترة اغلب الاحيان فقد اصبح وصول المؤرخين والباحثين الاميركان لهذه الارشيفات والوثائق امرا متعذرا او بالغ الصعوبة. وضمن حقل التاريخ ترتبط سمعة اية دراسة او ثقلها الاكاديمي بالارشيفات التي تعتمد عليها وعليه سيكون من غير المقبول اطلاقا الكتابة عن تاريخ العراق الحديث خارج الارشيفات البريطانية فترة احتلالها العراق كما كان يجري قبل جيل مضى عندما كان الباحث يرجع بسهولة الى الوثائق التركية العربية منها والعثمانية. وعمليا فان صعوبة الذهاب الى بلد ما او قلة فرص العمل المثمر هناك تجعل من عملية الدراسة الميدانية اقل جاذبية للباحثين وهذا ما حدث مع راغبي الدراسة والبحث في تاريخ العراق الحديث.وبالمقابل فقد تنافست دول عربية عديدة لاثارة اهتمام الباحثين والاميركان خصوصا، وفي هذا المجال كانت الارشيفات المصرية الغنية مفتوحة لدارسي تاريخ مصر الحديث حتى قبل 1940. وهكذا احتلت مصر موقعا مميزا في الكتابات التاريخية الحديثة الاكثر اهمية من قبل علماء الشرق اوسطيات الاميركان. وعلى الرغم من العلاقات الديبلوماسية السيئة بين الولايات المتحدة وسوريا الا ان العلماء الاميركان مازالوا يستطيعون البحث في الارشيفات السورية في دمشق وخصوصا في حقل التاريخ الاجتماعي.تميل اغلب اقسام الدراسات الشرق اوسطية الى التركيز على خط واحد من البحوث التي يعتبرونها انواعا مركزية من الخبرة عند الاستعانة باحد الباحثين في هذا الخصوص. فالعلماء او الباحثون الذين يكتبون عن مصر وسوريا ك (دول مواجهة) في النزاع العربي الاسرائيلي كان لهم الفرص الاكبر في سوق العمل لانهم الاكثر اهمية. وعلى العكس فان البحوث التاريخية عن دول اصغر واقل مركزية مثل تونس او اليمن يمكن ان تكون سببا للبطالة المبكرة. وهذا ما جعل الكتابات عن العراق قليلة او معدومة لانه لا يعد من دول المواجهة.وفي الفترات التي لا تكون فيها الولايات المتحدة في حالة حرب مع العراق لا يشتري الجمهور الاميركي اي كتاب يتحدث عن العراق وتاريخه. ومنذ اصبحت كلفة الدراسة الاكاديمية المنشورة اكثر من اربعين الف دولار بات من المخاطرة الحقيقية محاولة نشر مثل هذا الكتاب. وعندما اقترحت في العام 1993 نشردراسة حول العراق الحديث على ناشر مهم في نيويورك تجنب المشروع تماما واصفا اياه ب (الخطر جدا) واخبرني انه ان كانت هناك حرب قادمة فربما نستطيع تفادي الخسارة اما ان لم تكن فهي اربعون الف قنبلة.واذا اردنا الحديث عن المؤرخين الاميركان ( واقصد المستقرين في اميركا) اي غير العراقيين والمصريين او من مقره في اوروبا او اسرائيل. وكذلك المؤرخين العاملون اي ليس السياسيين او محللي الامن نرى اولا رجل التاريخ الاميركي الكبير ماجد خدوري (مواليد الموصل 1908) الذي عين استاذا فخريا في مدرسة جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة. وكان الاستاذ خدوري ضمن الوفد العراقي المشارك في مباحثات تشكيل الامم المتحدة عام 1945 وبعد ذلك اصبح اكاديميا في مدرسة جون هوبكنز لمدة ثلاثين سنة. ومن بين مجموعة كتبه البالغة 29 كتابا هناك ثلاثية العراق المستقل والعراق الجمهوري ثم العراق الاشتراكي الذي نشر بين عامي 1951 - 1972 والتي دونت تاريخ العراق الحديث. ثم لاحقا شارك في عمل متاخر عام 1997 بتاليف كتاب عن حرب الخليج.ويعد بيتر سلوغليت البريطاني المولد والمدير السابق لمركز الدراسات الشرق اوسطية في جامعة يوتا بين المؤرخين الاوائل للعراق حيث كان كتابه (بريطانيا في العراق , 1914 - 1932) والذي نشر في لندن عام 1976 بين المعالجات الافضل للمرحلة الاستعمارية البريطانية للعراق في عشرينيات القرن الماضي.اما حنا بطاطو الاستاذ في جامعة جورج تاون حيث درس من الفترة 1982 - 1994 فيعد كتابه (العراق، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية) من التحقيقات الهائلة في الاصول الاجتماعية لاعضاء حزب البعث والحزب الشيوعي العراقي. فعندما كان يدرّس في الجامعة الاميركية في بيروت استطاع الحصول على وثائق من ارشيف الشرطة العراقية استخدمها لاحقا ببراعة في كتبه التي اصبح لها تاثير بالغ على كل الكتابات اللاحقة في تاريخ العراق الحديث.اما ريفا سايمون المدير الشريك في معهد الشرق الاوسط في جامعة كولومبيا فقد نشرت كتاب (العراق بين الحربين العالميتين: نشوء وتنفيذ الايديولوجيا الوطنية) والذي نشر عام 1986 في مطبعة جامعة كولومبيا فقد بني كتابها على اساس من عمل سلوغليت خصوصا في التاريخ السياسي للعراق في الثلاثينيات من القرن الماضي. اما المحاولة الاميركية الوحيدة لمسح تاريخ العراق الحديث فهي (التاريخ الحديث للعراق) التي الفها المؤرخ المتدرب في هارفارد فيب مار والتي نشرت عام 1985 والتي اعتمدت بشكل كبير على المصادر الغربية وقد جعلته بين خبراء الشان العراقي الاكثر اهمية في اميركا.

وقد سببت الحرب العراقية الايرانية اهتماما كبيرا بشيعة العراق . فقد نشر اسحاق نقاش (شيعة العراق) في مطبعة جامعة برينستون عام 1994 والتي استندت بشكل كبير الى القواميس المتعلقة بالسيرة. وقد اطلع جيدا على الارشيفات البريطانية (وبضمنها السجلات المخزونة في الارشيف الوطني الهندي في دلهي) والتي جعلت من كتابه المعالجة الاصيلة الاولى هنا لتاريخ الاغلبية العراقية .

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home قضايا قضايا تاريخ العراق الحديث في البحوث الأميركية
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة