| الزمن الثقافي والزمن الإعلامي |
|
عامر جاسم تدريجيا يزحف الاعلام ليحتل مواقع الثقافة. تعاني كل الثقافات العالمية من هذا الزحف الاعلامي "المنظم" الذي اخذ يغزو بطريقة عفوية ومنهجية ومخططة ايضا مواقع الثقافة. اهم حصون الثقافة وفي كل ثقافات العالم خاصة الثقافة العربية الإسلامية هي اللغة. ففي اللغة العربية نزل القرآن الكريم وانبثقت حضارة الامة منذ ما يقرب من 1400 عام. ومنذ ذلك التاريخ عبرت هذه اللغة عن قدرة مدهشة في استيعاب المتغيرات والتعبير عنها. نجح اليهود في احياء لغة ميتة تتكلم بها اقلية يهودية معزولة في بولندا ووضعوها لغة للعلم في الجامعات الاسرائيلية. لكن ذلك الفعل لم يتحول الى ظاهرة تملك الاغراء والقوة التي تملكها اللغة العربية المستمرة. لم يكتب احد بهذه اللغة ولم يخرج ادب مهم على الرغم من التحيزات التي جعلت نوبل تعطي احدى جوائزها للاداب لكاتب يكتب بهذه اللغة لاسباب معروفة.
تعيش الثقافة العربية اليوم واقعا صعبا ومقلقا فإحدى علامات هذا الخوف هو الزحف الاعلامي على كل شيء. واهم مظاهر هذا الزحف المقلق هي: 1- ضعف التاليف الفلسفي والاجتماعي. منذ زمن بعيد شهدت الثقافة العربية ضمورا في هذا التاليف بعد "الضربة" التي وجهها التفكير السلجوقي وعرابه الغزالي. لكن ومع بداية النهضة العربية الاسلامية برز جيل المجددين "الافغاني - عبده" متوسلين بالمناهج الحكمية والفلسفية. واستمرت هذه الجهود تتعثر وتنهض حتى ربع القرن الماضي عندما انتعشت بعض مناهج النقد الفسلفي على الرغم من تاثرها بالنظريات الغربية. اما هذه الايام فقد شهدت انتكاسة لهذه المناهج. ومظاهر هذه الانتكاسة اتقوض المستمر لمجتمع المعرفة الذي يكتفي في غالب الاحيان بقراءة ملخصات في اجهزة الاعلام او مشاهدة لقاءات مع الكتاب انفسهم فلا يكلف المرء نفسه عناء المتابعة والاهتمام والتواصل الحي مع التفكير. 2- شيوع اللغة الاعلامية على البحث الاكاديمي في الدراسات الانسانية. ان القارئ لا يفرق كثيرا بين رسائل الدراسات العليا وبين كتاب تم تاليفه دون الضوابط المنهجية للبحوث الاكاديمية. تزداد العزلة باستمرار بين المنطق الاكاديمي وبين انتاج ما يوثق ويرصن هذا المنطق في الحياة الثقافية والفكرية العربية والاسلامية. ظلت الجامعات العربية لاكثر من ثلاثة ارباع القرن حصنا حقيقيا للثقافة واللغة العربية قبل ان يزحف اخطبوط الاعلام الجديد. 3- ظهور المنابر الاعلامية الدعوية التي تعتني بالشكل والاناقة وكمية "البزنس" على حساب الموضوع والموقف. فقد سحب الاعلام الكثير من الدعاة الى منطق المنافسة المالية والمنافسة على النجومية. صحيح ان بعض الدعاة قد استثمر المنبر بطريقة حديثة ومفيدة وجذابة الا ان الكثير منهم تحول الى ما يسمى بظاهرة "الدعاة النجوم". 4- في السنوات الاخيرة غزت المنظومة الثقافية الاسلامية المسلسلات المدبلجة. وعلى الرغم من خطورة هذه الظاهرة والتي حذر منها الدعاة والمثقفون الا ان فضيلتها الوحيدة "ان كانت لها فضيلة" هي في اللغة الفصحى السلسة التي تقدمها مع بعض الفضائيات التي تعرب افلام الكرتون. وفي السنوات القليلة الماضية تم تعريب هذه المسلسلات ودبلجتها باللغات المحكية. وهو الامر الذي درجت عليه بعض القنوات التي تدبلج افلام الكرتون. ان تقديم اعمال تراجيدية وكرتونية ودرامية باللهجات الدارجة والمحكية تعتبر "ضربة" بليغة ليس للذائقة الفنية بل وللغة العربية المنتجة ايضا لمنظومة القيم الاخلاقية العربية والاسلامية. بعيدا عن نظرية المؤامرة لابد من معرفة من يقف وراء هذه المدبلجات "باللغتين الفصحى والدارجة". فليس معقولا ان تكون هذه المسلسلات ضعيفة الانتشار في تركيا مثلا وتلقى هذا الرواج في البلاد العربية. ان ذلك الامر ليس عفويا على الاطلاق ولا يتعلق بقوانين السوق ايضا.
ان خسارة الثقافات الغربية من الزحف الاعلامي لا يوازي خسارة العربية "ثقافة ولغة". ولهذا السبب يركز اعداء العرب والاسلام على النفاذ من باب اللغة للسيطرة على المنطقة استراتيجيا بالاستمكان من عقول ابنائها. والطامة الكبرى ان هؤلاء الابناء لم يدركوا لحد الان عظيم الخطر الذي يحيق بهم وغالبا ما يعتبرون ذلك امرا عابرا لا يتعلق باستراتيجيات "ممنهجة" واهداف بعيدة الامد. لا يتحمل الامر عفوية التفكير واعتزال التخطيط فهو امر جسيم يتعلق بوجود الامة نفسها. لقد توارى دور المجامع اللغوية حتى اصبحت وكانها من ذكريات الماضي. المفروض ان تتحول قواعد الاستخدام الاعلامي واللغة والمفردات الى ضوابط تمنع الاختراق الاعلامي للثقافة خاصة اذا كان اختراقا مخططا وممنهجا. |