مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

حول الأقلام المتحاملة على المثقفين

ضياء مهدي عباس

ان اي تفكير لايخدم قضايا الامة والوطن ويسىء الى قيمها وأفكارها ومقدراتها الروحية في جادة السعي الى تخليد الذات في طموحاتها وتطلعاتها الارتقائية في المجالات الفكرية لهو طموح وتطلع غير مشروع بالمرة مادام يتنكر الى جذر الانسان والامة فكرياً وثقافياً وادبياً... ونعتقد ان تفكير الاستاذ كريم عاشور هو من هذا النمط حيث نراه يتجاهل طبيعة الترابط الجدلي بين البنية التحتية والبنية الفوقية حين تسلح بروح الاقصاء ونفس التهميش الذي تمثل في قسوة المطالبة بالغاء الاخيرة وهو يوجه دعوته للقراء مستهدفاً مناصرته للوقوف بوجه المثقفين من خلال مقاله(خارطة ثقافية للسياسة العراقية).. المنشور في صفحة 7 من جريدة (المنتدى) الغراء- العدد72..

 والذي جاء فيه (فما هو رأي القراء الاعزاء في ان نلغي الثقافة والمثقفين ودورهم مثلما فعل افلاطون الذي طرد خارج جمهوريته الفاضلة كل الشعراء لانهم بعيدون عن الحقيقة صناع للافك مزورون للوقائع ومهلكون للشعوب) وحتى لانبتعد عن الجادة الرئيسة للموضوع ونتوه في ازقة حوارية فرعية نقول للاستاذ العاشور:الا يشترط اكتمال البنية التحتية بنية فوقية جديدة تتناسب وطبيعة القاعدة الاقتصادية التي يتم تشييدها في وضع سياسي جديد؟ وهل يحق الفصل بينهما؟ او الغاء احدهما؟ وهل يصح ان تعمم الاخطاء الفردية التي قد ارتكبها البعض من الشعراء ايام النظام السابق على جميع الشعراء وبالاخص أصحاب المواقف النبيلة والاقلام النظيفة وهم كثر؟! وهل يصح المطالبة بالغاء دور الشعراء ونسيان دور الشعر في مناصرة قضايا الحق والعدل وعبر تاريخنا العربي الحافل بصورمشرفة توضحت لنا منذ فجر الاسلام... مروراً بواقعة الطف التاريخية التي تحكي ثورة الامام الحسين (ع) ضد سلطة الباطل المتمثلة بيزيد اللعين زعيم جهابذة التفاهة والضلالة والانحراف.
وهل نسى كاتبنا العاشور كيف كانت وقفة الشعراء ومازالت -عبر اجيال متعاقبة- في نصرة قضية الحق والعدل والسلام التي قادتها الثورة المستمرة للامام الحسين (ع)...؟ وهل يمكن لاحد ان ينسى مواقف الشعراء... دعبل الخزاعي والسيد الحميري (اسماعيل بن محمد) والكميت الاسدي وغيرهم الكثير من شعراء اهل البيت (ع).. ومروراً بالشاعر المتمرد المتصوف الحلاج...؟ ثم اذا ماتخطينا المراحل التاريخية باسماء شعرائها الكبار ومواقفهم الوطنية المشرفة العظيمة وصولاً الى الراهن الثقافي والذي يشهد منذ فترة الثورة الشعرية الدائمة للشاعرين -احمد مطر ومظفر النواب- التي سعت وتسعى الى تغيير الواقع العربي المزري... الا ترى معي -ايها الصديق- ان مثل هذه الاصوات وغيرها هي التي اوقدت في دواخلنا جذوة الوعي بعد ان ازاحت العمى الساذج!.. اذن هل يصح ان تتغافل عن كل ذلك وتواصل شتم الشعراء والثقافة والمثقفين؟!.
ورغم قساوة لغة الاستاذ العاشور بأحكامها الانفعالية السريعة فاننا نذكّر العاشور -عسى ان تنفع الذكرى- بان الثقافة هي انجاز ذهن ابداعي نتيجة مخاض عسير لجملة من المعاناة والتصورات التي تندلق خارج كيان المبدع على هيئة عطاءات فكرية -ثقافية -ادبية- فنية بعدما تنبثق من ضفة فكرية جوانية لصاحب الانجاز معتمدة في ذلك على ادواته التعبيرية بمجساتها الدقيقة في اصطياد اللحظات الهاربة وفي القدرة على سبراغوار حركة الظواهر والاحداث والخروج من كل ذلك بتصورات ومعالجات.. بل بطروحات جديدة جذورها في الارض واغصان ثمارها في الفضاءات الواسعة الرحيبة.. ومثلما هي كذلك فانها بالمقابل الدواء الشافي للفقر الروحي معرفياً حيث بها دون غيرها يتم ازالة العمى الساذج  وتسليح من يشكو مثل تلك العلة بمستلزمات الوعي اولاُ ومن ثم ارتقاء سلم الوعي وبما يتماهى والطبيعة الانسانية -الاجتماعية التي تتطلب ذلك وصولاً الى فهم اهمية فنون المعارف والعلوم والاداب والفنون الخارجة عن البنية الفوقية وهذا سيقود بالضرورة الى ازالة الغشاوة الذهنية مابين الفكر والواقع وتمكن الانسان من اعادة ترميم ذاته وصياغة نفسه وفق متطلبات الحياة الجديدة وذلك عن طريق زج النفس في معترك ورش عمل قادرة على صناعة حياته من خلال صناعة مجتمعه المتطلع الى مستقبل افضل... مســتقبل مغاير للحياة التي يحياها ونحياها هذه الايام... ولما كانت هذه هي احدى مهمات الثقافة والتي يقوم بها أولئك المثقفون الفاعلون المهمشون... نرى ان من واجبنا القول انه لايمكن ان تنهض الامة وتقف على قدميها وهي بكامل قواها وعنفوانها مالم تتسلح باليقظة المعرفية التي تمنح قدرة تشخيص الاعداء ومواجهتهم الحاسمة بالنصر لصالحها... اي لصالح الامة التي تعتزم بكل قوة انتهاج طريق صناعة الحياة الجديدة لابنائها ومن خلال ازالة جميع المتناقضات بجميع مكوناتها ومظاهرها واثارها اما قناديل اطفاء الظلام واشاعة النور والمعرفة لحث الامة على القيام بمثل تلك المهمات الآنية التي تقود بلا شك الى جادة المهمات المستقبلية والسعي المخلص الى انجازها وبهدف صناعة الحياة الرغيدة..
 هذه وغيرها من المهمات النبيلة هي التي يفكر ويعمل بها المثقف بصمت حكيم رغم شظف العيش والاخطار المحدقة به من كل حدب وصوب.. ورغم الاقصاء والتهميش من لدن الجهات الرسمية والاقلام المريضة المتحاملة على المثقفين بدون وجه حق فيا ترى هل يتحقق حلم انصاف الثقافة والمثقف في عراقنا الجديد في الوقت الذي يتعالى فيه صوت (العاشور) عالياً مطالباً بوأد الثقافة ومواصلة اقصاء المثقفين؟!.. ونتيجة للالم البالغ الذي سببه لنا العاشور نقول له: ان جرح السكين يطيب لكن جرح المشاعر لاتطيب بسهولة مع ذلك فان للمثقفين الحقيقيين قدرة على تناسي احقاد الاخرين ازاءهم وان لديهم ارواح قوية لاتصغي بالمرة الى نصيحة خوف.. ولغرض ان تتم الفائدة نذكّر العاشور مرة اخرى بما ان الثقافة هي مجموعة من الافكار والمفاهيم والاداب والعلوم والفنون والمعتقدات والعادات والقيم والاعراف... وكل ماينتجه صناعها لصالح المجتمع فان انسجام كل ذلك مع رغبات وطموحات الكيان الاجتماعي يعتمد فيما يعتمدعلى ركائز تربية الاوطان الصغيرة (البيوت).. وكما نرى ان الثقافة هي النتائج الطبيعية للكيان الاجتماعي شريطة ان لاننسى تاثير قيمه ومثله الاخلاقية الموروثة والمعاصرة.. وبموجب كل ذلك ياسيدي ينتج نمط حياة يشير الى وعي اجتماعي قادر بالضرورة على تحديد سلوك الفرد.. وليس اي فرد. ومثل هذا الجهد المبذول والمنسكب في ارض الواقع كي يحييها هو بفضل ارهاصات ومخاضات ثم ولادات عقول المثقفين وبالاخص اصحاب الادوات التعبيرية وبراعة يراعاتهم... وهو الذي يقود بالنتيجة الى صناعة الحياة من خلال الحراك الفكري والثقافي الذي يحفز الشعب ويجعله ينهــض بقوة في جادة ارساء الاسس المفاهيمية والفكرية والقيمية للبنية الفوقية الجديدة بما يتناسب وطبيعة التغيرات الجذرية في القاعدة الاقتصادية والتي تصب في خدمة المجتمع بعدما يكتمل مشهد تشييد البنية التحــتية والبنية الفوقية كما يعرف ذلك كل من يتوفر على ابسط مستلزمات الوعي الابتدائي..
ولكي نوضح اكثر للسيد (العاشور) نقول ان في مستقبل الايام القادمة سيشهد العراق ثورة ثقافية قادرة على اضاءة كل الدروب المظلمة والدهاليز المعتمة في الحياة وليس هذا فحسب بل وسيحقق رجالات تلك الثورة حصاد اغلب الجوائز ان لم يكن جميعها وفي كل المهرجانات والمسابقات الادبية العربية والعالمية اتعلم لماذا ياصديقي العزيز؟ ذلك يعود لكون العراقيين اولاً احفاد ارث حضاري جذوره امتدت في تربة ستة الاف سنة مضت بل اكثر.. اما ثانياً فان تاريخ اوجاعنا واحزاننا وهو النتيجة الطبيعية لظلم الحكام واستبدادهم كثيراً ما تنفس فينا فكراً وادباُ وفناً.. اما ثالثاً وهو الامر غير الهين ان العراقي عبر تاريخه الطويل وحتى وهو في ضنك اقتصادي يفضل شراء الكتاب مكتفياً بوجبة طعام واحدة في اليوم..كل ذلك قد أهل المبدع العراقي نيل استحقاقه الادبي وبتفوق كبير في اغلب المحافل والمهرجانات التي تقام في المسابقات المحلية والعربية والعالمية حتى ان في عام 2009 تحديداً فاز بالجوائز العربية والعالمية اربعون نجماً في سماء الثقافة العراقية وان اكثر الجوائز كانت من نصيب ميدان الشعر ثم بعد ذلك القصة والرواية والمسرح والنقد الادبي وانماط الفنون الاخرى.. ألا يشكل ذلك للعاشور انتصاراً للثقافة العراقية الجديدة التي يطالب بالقضاء عليها؟!!.. لا اعتقد ان العاشور يتفق معنا مادام واقع الحياة الاقتصادية المتردي قد دفع به مثلما دفع بغيره الى الاقتراب من السياسي بل ومغازلته بطرق شتى وعلى حساب القيم والنتاجات الفكرية والثقافية والادبية ومن ثم الاساءة اليها... ولكن لوتيسر للسيد العاشور ان يقرأ سيرة كل سياسي ومن ساستنا الافاضل ووجد عدداً غير قليل منهم شعراء وكتاب لما شن مثل هذا الهجوم الشرس على الثقافة والمثقفين... وقديماً قيل: من يفكر بوضوح يدرك الاشياء بوضوح... وان من يستوعب الفكر يتحدد السلوك لديه بما ينسجم وقيم الفكر اما دون ذلك فالامر مختلف تماماً..
وختاماً.. ورقتنا هذه هي بمثابة احتجاج على عقلية اتسمت كما يبدو بالجمود والتعصـــب والتقوقع داخل كهوف الانسان القديم لذلك لانستغرب ماصدر منها بل ونتوقع في الغد القريب ان تدمغ رجالات الثقافة بما ليس فيهم وتطالب بالقصاص غير العادل منهم.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home قضايا قضايا حول الأقلام المتحاملة على المثقفين
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة