| خطاب النهايات: “نهاية التربية” على غرار “نهاية التاريخ” |
|
قراءة: عبد الله المطيري الخطاب (التربوي) العربي وأعني به الخطاب المعني بقضايا التربية وفلسفاتها المنتشر في العالم العربي بغض النظر عن مصادره وخلفياته المعرفية، خطاب يعاني، ككل الخطابات العربية، من مشاكل متعددة على مستوياته المعرفية والمنهجية تجعل منه سببا من أسباب حالة العرقلة التي تعانيها طموحات التنمية للإنسان العربي. الخطاب التربوي كما يذهب الفرنسي أوليفييي روبول في كتابه “لغة التربية... تحليل الخطاب البيداغوجي” هو بإيجاز “مجموعة من الأقوال المتلقاة عن التربية” ومن هنا فهو يتميز عن أنماط أخرى للخطاب: ديني، سياسي، قانوني، فلسفي، إلخ. وللإيضاح نقول: ينصب الخطاب (التربوي) على التربية وهو بهذا المعنى، يتميز عن الخطاب التربوي البسيط. فالأب الذي “ينصح” ابنه، والمعلم الذي يلقي درسه، لا يعبران عن الخطاب البيداغوجي، إنهما يعبران عنه إذا كانا يهدفان إلى إعطاء مشروعية للطريقة التي يربيان بها: “إذا كنا نرغمك على فعل هذا، فذلك من أجل...”. ومن هنا أيضا، فالخطاب البيداغوجي، كيفما كان محتواه يطمح إلى الحقيقة. ولذا فقرار وزاري يضاعف الأقسام إلى أكثر من (25) طالبا ليس خطابا، لأنه إنجازي محض. يمكن أن يكون شرعيا أو غير شرعي، نافعا أو غير نافع، غير أنه لا يمكن أن يكون صادقا لأنه لا يمكن أن يكون كاذبا. وعلى العكس، فالتبريرات والحيثيات التي تصلح مقدمة للقرار يمكن أن تكون صادقة أو كاذبة، فهي تنتمي إذن إلى الخطاب البيداغوجي. أيضا الحقيقة التي يهدف إليها هذا الخطاب هي ذات نظام عملي، يعني أنها موجهة إلى تبرير أو إدانة هذا النشاط أو ذاك الراغب في أن يكون تربويا. ومن هنا أيضا، فالمؤلف عن تاريخ التربية أو اقتصادها، لا ينتمي إلى الخطاب البيداغوجي، إلا إذا توصل إلى ملاحظات عملية، إذا حمل معه أحكاما قيمة. باختصار، إن الخطاب التربوي هو ذلك الذي نتلقاه عن التربية بغرض إعطاء مشروعية لسمات معينة وإدانة للأخرى. وهو يهدف إلى الحقيقة، ذات النظام العملي. يمكن أن أسجل هنا بعض الملاحظات السريعة على الخطاب التربوي العربي. أولا: هو خطاب منفصل عن الواقع. بمعنى أنه ليس خطابا نقديا. كما أنه خطاب فقير من ناحية التأسيس الفلسفي والمعرفي فهو عاجز عن التأسيس الجديد لفلسفة تربوية حديثة، ممكنة ومنافسة. كما أن تراثه التربوي “التربية الإسلامية” منقطعة عن الواقع بسبب توقف هذه التربية عن النمو منذ قرون طويلة. كما أن هذا الخطاب يقف مأزوما أمام الخطاب التربوي الغربي، فهو من جهة الخطاب المقنع الوحيد المنتمي للعصر ولكنه في ذات الوقت منقطع الصلة مع الواقع العربي الذي يعاني من مشاكله المعروفة في كل النواحي. كل هذا جعل من الواقع التربوي العربي يستعير الشكل الغربي للتربية بينما يضمنه تقليديته الخاصة والضنينة على قلبه. ولذا يبقى النتاج التربوي العربي مجرد عرض للنظريات التربوية الغربية أو الإسلامية بطريقة مدرسية بحتة تختفي من العقول ومن الفعل بمجرد الانتقال للواقع سواء على المستوى الفردي أو الأسري أو الرسمي (المدرسة). أيضا لا يفترض بنا أن ننسى أن الخطاب التربوي هو خطاب مؤدلج بشكل عال وهذا يعني أن الأيديولوجيا العربية البائسة قد نخرت الخطاب التربوي حتى أفسدته. على سبيل المثال من المعروف أن الأيديولوجيات العربية يمكن أن تشترك في سمات رئيسة: الاستئثار بالحقيقة للذات وحرمان الآخر منها. تقديس الصوت الواحد والرأي الواحد. الضيق بالاختلاف، الحث على التنميط والفكر العسكري. لو انتقلنا لأحد الفصول في إحدى المدارس العربية لوجدنا كل هذه السمات واضحة بكل جلاء فالمعلم في داخلها هو ممثل السلطة الخارجية وبيده كل الأدوات التي تكفل له القيام بالدور الأيديولوجي سواء كان واعيا به أم لا هو ملك الحقيقة وهو الذي جاء ليستمع له ولم يأت ليسمع من أحد، كما يقوم الطلاب بدور الخاضعين للسلطة بجدارة فهم صامتون دائما وموافقون دائما، لا يفكرون ولا ينتقدون طلبا للسلامة والعبور. الكتاب: كتابنا اليوم هو أحدث أعمال عالم الاجتماع والتربية المغربي مصطفى محسن وهو كتاب يحمل في داخله خطابا تربويا جادا يكاد يتخلص من كثير من آفات الخطاب التربوي العربي آنفة الذكر. خصوصا ينطلق من قضايا الواقع الحية ولعل قضية العولمة من هذه القضايا التي تفرض نفسها على المفكر التربوي فهي لم تعد قضية غربية يمكن الابتعاد عنها أو التنحي من مسارها. ليس هذا ممكنا فهي قضية عالمية ظاهرة الآثار والحيثيات. يبدأ المؤلف كتابه بالحديث عن خطاب النهايات المتمثل في مقولات من نوع، “نهاية التاريخ”، “نهاية الدولة أو السيادة الوطنية”، “نهاية الأيديولوجيا”، “نهاية التربية أو المدرسة الوطنية”. هذا الخطاب كما يراه مصطفى محسن هو خطاب تبشيري بالعولمة تلك التي تعني سيادة النظام العالمي القائم على التحرير المتنامي للأسواق والفضاءات الاقتصادية والتبادلات التجارية والمالية والخدماتية وعلى الاختراق المتواتر للخصوصيات والحدود الثقافية والقيمية والجغرافية والسياسية. ولكن على ماذا يتأسس خطاب النهايات؟ من أهم ما يتأسس عليه هذا الخطاب، كما يرى محسن، هو التحول الكوني الأخير المتمثل في انهيار المعسكر الشرقي، سواء كمرجعية أيديولوجية “الماركسية” أو كمنظومة دولية “الاتحاد السوفيتي” المتفكك والدول الدائرة في فلكه. إذن لم يبق إلا المعسكر الرأسمالي وقطبه الأوحد “الولايات المتحدة الأمريكية”. هذا التفرد شبه الكامل هو ما يعطي مقولة نهاية التاريخ ونهاية الأيديولوجيا مشروعيتها، فإن كان التاريخ والأيديولوجيا قد قامت على فكرة الصراع “هيجل” فإنه مع القطب الواحد لم يعد الصراع، بمعناه المتكافئ، موجودا. وبالتالي فإن التاريخ والأيديولوجيا... الخ تصل إلى مرحلتها الأخيرة وتنتهي. يقدم هنا مصطفى محسن بعض الملاحظات أو الإضاءات النقدية حول مفهوم “النهاية”، منطلقا في فعله هذا من منظور “سوسيوتاريخي” (اجتماعي تاريخي). يمارس المؤلف هذه الإضاءات عن طريق كشف كثير من المفاهيم القابعة خلف مفهوم النهايات ويعنونها بالعنوان التالي “المعقول واللامعقول في مدلول النهاية في الخطاب العولمي الجديد” وسأعرض هنا باختصار لهذه الإضاءات: “مفهوم النهايات مفهوم ستاتيكي” يرى محسن أن فكرة النهاية تنطلق من منظور ستاتيكي (ثابت وساكن) للمجتمع والأفراد والتاريخ كما لو كانت مقولات أو وقائع جامدة قارّة لا يشكل التغير سوى عامل طارئ على طبيعتها الأساسية ألا وهي الثبات والاستقرار. في إطار هذه النظرية تبقى فكرة “التوقف” و”النهاية” ممكنة وطبيعية. في المقابل من خلال المنظور “الديناميكي” (المتحرك المتحول) تبدو نفس المقولات، الفرد والمجتمع والتاريخ متحركة ومتغيرة في الزمان والمكان، وفق جدلية ينتظمها تداخل وتبادل تكاملي بين السابق واللاحق، وبين الماضي والحاضر والمستقبل، وبين الثابت والمتغيّر. المؤلف متبن للموقف الثاني وهو بتقديره، أقرب إلى الموضوعية العلمية المتزنة وأكثر تحصنا من الانزلاق نحو المواقف الاختزالية الضيقة والتوظيفات الأيديولوجية المتطرفة. “مفهوم النهايات مفهوم ميتافيزيقي” لأنه مفهوم إطلاقي فـ”النهاية” التي تؤول إليها “الأيديولوجيا، التاريخ، التربية... إلخ” هي نهاية تامة ومكتملة ونهائية أو حد فاصل بين زمنين أو مرحلتين تاريخيتين أو ظاهرتين...، بين ماض أو تاريخ انتهى كليّة وكفّ تماما عن الحركة والتطور والتغيّر، وبين واقع جديد لم يعد له بالماضي الغابر أية صلة من أي نوع. لماذا ؟ لأنه “مات” بعد أن انتهى أو أنهى دوره أو “صلاحيته” ولم يعد بالتالي قادرا على الاستمرار والبقاء والتطور. “المثالية في النظر إلى مفهوم القطيعة” مفهوم القطيعة مفهوم علمي رائج على الساحة الفكرية ويعني أنه في لحظة معرفية وتاريخية معيّنة يحدث نوع من التطور في مسار من المسارات، علمية، ثقافية، حضارية، لا يعتبر امتدادا لما قبله بل يعتبر قطيعة معه بوصفه تجاوزا لمفاهيمه وآلياته. النظرة المثالية لهذا المفهوم كما يرى محسن تعتبر هذه القطيعة التي تحصل بين الظواهر والأحداث والنظم المعرفية والقيمية والأزمنة التاريخية باعتبارها “انفصالا” كليا وقطعيا يتم عبره الانتقال التام أو “الطفرة النقية” من واقع إلى واقع أو نظام إلى نظام أو فترة إلى فترة أخرى بعد التخلص من كل ما يتعلق بالماضي. إلا أن القراءة السوسيولوجية والأبستمولوجية (المعرفية) والنقدية تختلف مع هذه النظرة المثالية فهي تتبنى فهما تاريخيا نسبيا لمفهوم القطيعة ذلك أن القطيعة حين تحدث ويتم الانتقال من نسق إلى نسق فإن هذا الانتقال لا يعني الإلغاء المطلق للنسق القديم، بل يعني كون النسق المعرفي الجديد تقوم قطيعته مع سابقه على استيعاب واحتواء عناصره الإيجابية وتجاوزها في آن . كل ذلك ضمن ديناميكية جدلية مسترسلة متقدمة إلى الأمام تتناظم وتتناغم وتتكامل فيها مختلف عناصر ومعطيات القديم والجديد. القطيعة هنا “نسبية” لا “مطلقة” مثالية. “مفهوم النهايات مفهوم أيديولوجي” ليس مفهوم النهاية بريئاً من الدور الأيديولوجي حيث أن الترويج له كما هو معروف داخل في الجدل السياسي ويدعم وجهة النظر التي ترى النصر المحتم والنهائي للأمركة العالمية. ومن المعلوم أن الأدلجة حين تسيطر على منهج فكري معين فإنها تفسده بالتأكيد وتدخله في تخبطات تنكشف مع العمل النقدي الرصين. ولكن ماذا عن التربية وسط هذا الجدل خصوصا أنها الموضوع الرئيس للكتاب؟ يشمل خطاب النهايات “التربية” ويبشر بنهايتها. طبعا الحديث هنا عن “التربية الوطنية” وليس عن التربية بشكل عام كعملية تنشئة. مفهوم نهاية التربية يعني أن التربية الخاصة داخل إطارات ثقافية محددة وخاصة ستنتهي تحت وطأة التربية العالمية التي يشترك فيها كل البشر والتي هي نتيجة طبيعة للانفتاح الكامل والتداخل وانكسار الحواجز والحدود. هذه التربية التي تهدف إلى الحصول على جيل “معولم” يشترك في القيم التي هي طبعا قيم العولمة والاقتصاد الحر. يرى محسن أن تأثير العولمة على التربية تأثير متعدد ومتشعب ولكن هناك عاملين أساسيين هما: أولا: ذيوع ما يدعى بـ”ثقافة السوق الكونية” وهو ذيوع متسارع الهيمنة ويعني، في ما يعني، إدخال التربية إلى السوق بحيث يصبح التعليم سلعة تقدم وفقا لمفاهيم السوق والاقتصاد العالمي. وهذا يعني أيضا أن المقاييس المحلية والخاصة لن تبقى مقنعة ولا جذابة بل ستتوارى بسرعة أمام المواصفات العالمية. ثانيا: الانفجار المذهل لما أصبح يعرف بالثورة المعرفية والتكنولوجية الجديدة. وبحكم أن المجتمعات الغربية المتقدمة هي التي تمتلك ناصية هذه التقنيات المعرفية وأصبحت هي بالتالي الموجهة لها فإن تأثيرها سيكون الأكبر والأشد أثرا نظرا لعدم قدرة السوق المعلوماتية المحلية على المنافسة. ما الحل؟ إن كان مفهوم النهاية، بمعناه النسبي، قد أصبح حقيقة لا يمكن الهروب منها ولا تجاهلها فماذا أمام المؤسسات التربوية العربية والعالم الثالثية عموما أن تعمل؟ يقترح الدكتور مصطفى محسن صيغة لـ”تربية أو مدرسة المستقبل” التي أصبحت ضرورة ماسة ولكنها تحتاج إلى تأسيس كثير من المطالب لإصلاح أنظمتنا التعليمية والتي منها: ضرورة بناء فلسفة تربوية واجتماعية واضحة الأهداف والمعالم بحيث تبنى عليها سياسات المشاريع التربوية القادمة، هذا المطلب برأيي هو أهم المطالب وأصعبها وأول عقباته مسألة الفقر الفلسفي الذي يعانيه الفكر التربوي العربي كما استعرضنا في مقدمة القراءة. أيضا من مطالب الإصلاح أهمية المراجعة النقدية الشمولية لمضامين ومناهج التربية والتعليم والتكوين. وفق المرجعية الفكرية آنفة الذكر . واقع المؤسسة التربوية العربية كما يقرر المؤلف أنها مؤسسة متدهورة، مأزومة، ومتخلفة على أكثر من صعيد. ومن اشتراطات إصلاح المؤسسة التعليمية العربية دعم المزيد من انفتاحها على محيطها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي العام. يمكن استخلاص التالي من هذه المقاربة وهو أن “خطاب النهايات” يتطلب المزيد من القراءة الممنهجة ومن التفكيك والنقد وكشف الأواليات الفكرية والإيديولوجية. كما أن أطروحة “نهاية التربية أو المدرسة الوطنية” لا تعني، ضمن منظور سوسيوتاريخي نقدي، موت المؤسسة التربوية ونهايتها بقدر ما تعني ما أصبحت تعيشه هذه المؤسسة مما يمكن توصيفه بـ”أزمة أسس” أي أزمة في التوجهات والأهداف والقيم والمعايير وآليات التنظيم والتدبير والتشغيل... الخ. وهي أزمة أصبحت تستلزم إعادة تأهيل جذري لهذه المؤسسة، وتحديثها وتجديد شروط عملها. وذلك انطلاقا من مشروع إصلاحي تربوي مندمج في مشروع مجتمعي شمولي متكامل. السؤال التربوي سؤال ملح الآن ربما أكثر من أي وقت آخر، وربما الإشكال الكبير فيه أنه غير مطروح حتى الآن بجدية وبقدر يتوازى مع أهميته. إنه سؤال لم يسأل كما ينبغي بعد، فما بالكم أن يجاب عليه. إلا أن هذه الكتاب المهم هو خطوة في الطريق لعله يأخذ طريقه إلى المؤسسات التربوية بدلا من الكتب المدرسية المسيطرة التي هي إحد أسباب حالة العقم والتخلف. |