| خارطة ثقافية للسياسة العراقية |
|
كريم عاشور يوصف الفعل السياسي العراقي بغير المثقف. فيما توصف الثقافة العراقية بأنها مسيسة حتى النخاع. ومن الطبيعي ألا تكون هذه المعادلة بمثابة قانون مطرد يصح القياس على قوانينه في كل الحالات. لكن على العموم يمكن النظر إلى طرفي المعادلة بهذه الصفات كحقيقة يمكن ان نلمسها في اغلب لحظات التحول العراقي عندما فشلت النخب السياسية في استثمار الزمن والظروف الدولية وعندما عبرت الثقافة عن “هياجها” السياسي غير المعقلن. وما نقصده بلحظات التحول تلك الفراغات التي يتيحها الاستقطاب الدولي أو احد متغيرات الإقليم أو أمور تخص الداخل العراقي. وإذا أردنا ان نحصر هذه اللحظات يمكن ان نلخصها بالآتي: 1. ظروف الحرب العالمية الأولى وتشكل الدولة العراقية. 2. الاحتياط النفطي العراقي. 3. موجة الديمقراطية العالمية. فكل هذه العوامل منفردة ومجتمعة مثلت فرصا للفشل السياسي وللضعف الثقافي العراقيين. وسوف نمر عليها مرورا توضيحيا سريعا كي نتبين مقدار الخلل محاولين الوصول إلى أسباب الفشل المتتالي والذي أصبح وكأنه سمة من السمات الوظيفية للعراقيين في العصر الحديث. وقبل استيفاء هذه النقاط الثلاث أود إيضاح مسالة تتعلق بتقصدي عدم التعرض إلى الماضي العراقي القريب والبعيد. وسوف اقتصر “بحكم طبيعة الموضوع” على القرن العشرين وأحداثه باعتباره يمثل حقيقة الفرص “المضاعة” والتي تمتلك “إلى حد ما” شروطا ذاتية قد ترتبط بالتاريخ بطريقة ما لكنها ومن ناحية البحث المنهجي تمتلك شروطا ذاتية والدليل على ذلك التجارب العالمية المشابهة التي أفلحت في استثمار هذه الفرص والتي حولتها بعد ذلك إلى واقع تنموي وسياسي واقتصادي يمتلك رسوخا معقولا وقوة من الاستمرار تبعده عن صفة الطارئ والمؤقت. 1. ظروف الحرب العالمية الأولى وتشكل الدولة العراقية شكلت ظروف الحرب العالمية الأولى فرصة نادرة لبروز “أمة” عراقية تقترب من حدود اكتمال شرائط الأمة. ورغم التبسيط اليساري الذي ينظر فقط إلى الشروط المادية في بناء الأمة فان مجموعة الشروط الدولية التي تميز بها عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى كان يسمح ببروز الدولة العراقية وسهولة ارتباطها بالأمة. وبنظرة فاحصة للقوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة على الساحة العراقية يمكن معرفة أسباب التعثر الذي أصاب البلاد في الوصول إلى هذه المرحلة. لم تكن هذه القوى “السياسية والدينية والثقافية” ترى حدود العراق الحالي إلا استنادا إلى مرجعيات تاريخية أو إلى قوى كبرى. واكبر الأدلة على ذلك المعركة التي دارت حول المشروطة والمستبدة والتي كان محيطها وبؤرة التأثير فيها المراكز الدينية المقدسة في النجف الاشرف وسامراء. ففي هذه المعركة دافع الميرزا النائيني بقوة عن فكرة المشروطة وتعني الدستور ومسؤولية الحاكم إمام الأمة ضد المستبدة والتي تعني من عنوانها الحكم المطلق. لقد كان محيط المعركة في إيران وقيادتها ممثلة بالنائيني في العراق ولكن لا اثر لأجواء المعركة في إقامة تفاهم تاريخي بين الثقافة والسياسة في العراق. فقد كان “الأفندية” من طبقة المثقفين العراقيين منبهرين بالراقصات التركيات والمخنثين الذين يرقصون مثل النساء وبقريض الشعر و”الجالغي”. فلم تدخل أجواء هذه المعركة قناعاتهم حتى تؤسس لثقافة عراقية تعتبر الري العام والسياسة من مرجعياتها الكبرى والرئيسة. لقد افلح الإيرانيون في تثبيت أركان ثقافتهم على أساس صلتها بالرأي العام وقد غذت معركة المشروطة والمستبدة هذه الثقافة بكل عوامل القوة التي استمرت حتى انتصار الثورة الإسلامية في إيران. من جهة أخرى كانت ظروف “السيولة” التي آلت إليها أحداث الحرب تسمح بتشكل الأمم على أسس جديدة. وكان يمكن للأمة العربية “أو العراقية” ان تتشكل وتتبلور وتنمو على أسس صلبة من المشاركة والتعاقدية تتيح لها ان تصبح قوة حقيقية أمام نفسها أولا وأمام العالم من جهة أخرى. لقد تفسخت الإمبراطورية العثمانية وكان لابد للمظلومين الذين اكتووا بنيران هذا الاستعمار الأسود قرونا ان يبلوروا لأنفسهم صيغة كيسة وعقلانية للحكم والإدارة. لكن رياح الثقافة والسياسة العراقية لم تحرك سفينة البلاد إلى شواطئ التحقق والمنعة والاستمرار فاكتفت هذه الرياح بالتهليل لإقرار الأمم المتحدة الموصل محافظة عراقية بعد ان طالبت تركيا اثر مغادرتها العثمانية بالمحافظة. ولا يعود ذلك إلى جهود عراقية بالأساس بل لقوة الإمبراطورية البريطانية والتي لم تزل حينذاك قادرة على “رسم الخرائط” أو إعادة رسمها كما احترفت ذلك قرونا. لم تكن المصالح الاستعمارية قد تصلبت في هذه الفترة عند الدرجة التي وصلت إليها بعد الحرب العالمية الثانية. كان المجال مفتوحا وبقوة ان تمتزج الثقافة بالسياسة في النظر إلى عراق جديد يخرج من ركامات الليل العثماني الطويل والتخلف والفقر لكن شيئا من ذلك لم يحدث للأسباب التي ذكرناها قبلا وأخرى بحاجة إلى وقفات قد تطول. 2. الاحتياط النفطي العراقي تعلمنا التجربة البشرية ان لكل بلد من بلدان العالم “دون استثناء” ميزة أو وفرة في مورد أو موقع جغرافي أو شيء من هذا القبيل يبني عليه أساسا لتطوره ويعتمده حبلا ينتظم تطوره الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فمن الخبرة البشرية الصينية إلى التسامح الهندي إلى الشاي السيلاني وغيرها كلها علامات على عناية الله تعالى بالشعوب وأرزاقها. لكن ما ينطبق على النخب العراقية بالضبط ما جاء في القران الكريم “الذين بدلوا نعمة الله واحلوا قومهم دار البوار” وكان هذه الآية المقدسة قد جاءت لتصف الغالبية العظمى من القيادات السياسية والثقافية وحتى الدينية التي وجهت العقل العراقي والحياة العراقية في المائة سنة الأخيرة. والدليل على ذلك بسيط وبديهي فالعراق اليوم مجاميع من فقراء متقاتلين يحتاجون الأجنبي حكما بينهم ولا يستطيعون إطعام فقرائهم الحد الأدنى من العيش الكريم واللائق. إن جردة حساب بسيطة بإمكانها ان تقدم أرقاما مهولة حول عائدات النفط التي دخلت البلاد العراقية والإمكانات التي تنظوي عليها لتغيير وجه الحياة في العراق. ان حاصل السياسيين العراقيين في المائة سنة الأخيرة قبض ريح وهواء في شبك بل وأتعس من ذلك عندما وصلت الأمور إلى هذه الدرجة من التكاره بين العراقيين وقدرة السلفية التكفيرية ان تدخل وتخرب في العراق كما فعلت أواخر القرن قبل الماضي وبدايات القرن الذي تلاه. ان دخول الثروة النفطية في تنظيم الحياة بكل مرافقها يعتبر من الناحية الشرعية والوطنية هدفا تتجه إليه كل نظم التفكير السياسية والثقافية والدينية ان هي تبغي وتريد الخير للبلاد والعباد. ان الناس قد يختلفون “بل ويتقاتلون” على الأديان والعقائد والطوائف والإيديولوجيات لكن المصلحة والفائدة هي اقرب الطرق للتآلف بين الجماعات طالما هناك من ينظم قوانينها ويرشد إليها ويعمل على جعلها ممكنة. وليس هناك من يفعل ذلك غير الأطراف الثلاثة التقليدية التي تتحكم بالوعي العراقي وتوجه مسيرة التاريخ في البلاد وهي السياسيون وعلماء الدين والمثقفون. ومن فضل الله ما تزال الثروة النفطية في العراق تمثل اكبر احتياطي في العالم ومعنى ذلك ان الفرصة التي فرط فيها القوم لم تزل ممكنة. 3. موجة الديمقراطية العالمية منذ نهاية الستينيات وحتى قبلها قليلا بدأت علامات تفكك الثقافات الشمولية والنظم السياسية التي تتبناها. وابلغ إمارات العجز كانت وضحت بشكل لا لبس فيه في الاتحاد السوفيتي. وفي هذه الأثناء استفادت ثقافات جنوب وشرق آسيا من هذا “التحلل الشمولي” فانبثقت الأنظمة التي تشكل اليوم ظاهرة قائمة بذاتها في التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي. في هذه الفترة لم يتح الصراع بين اليسار والقوميين المتمسكين بالسلطة وعدائهم للدين ورجال الدين فرصة للعقل العراقي كي يكتشف المسافات التي تركها تحلل الثقافات الشمولية والأنظمة الشمولية. ومن اللافت “وهو مضحك بنفس الوقت” ان دوريات كانت تجوب شوارع بغداد غداة سقوط نظام شاوشيسكو ديكتاتور رومانيا. وموضع الطرافة “السوداء” هنا ان النظام يخشى من تحرك لا يعلم به الشعب ولا يدري ماهيته فظروف الحرب مع إيران والأزمة الاقتصادية جعلت هذا الشعب في واد وتطورات العالم في واد آخر. ومرة أخرى ضاعت فرصة ما سمي بموجة الديمقراطية الرابعة التي اجتاحت أوروبا الشرقية والتي تحولت إثرها إلى أنظمة ديمقراطية. وأمام هذا “السيل” من الفرص والتواريخ الضائعة يتلمس المجتمع العراقي طريقه نحو الاستقرار ومشروع الدولة المؤجل في ظروف يصعب وصفها والإلمام ببداياتها. ومع ذلك ما يزال منطق الخصومة والشحناء والبغضاء والشخصنة هو الذي يتحكم بسلوك المثقفين الشخصي ويحدد اتجاهات الثقافة. وإذا كان التاريخ يسير سياسيا في العراق بالاتجاه الصحيح رغم كل العثرات فانه في المجال الثقافي بقي محافظا على مضامينه القديمة وأخشى ان يساهم هذا البقاء في ضياع الفرصة مرة أخرى فما هو رأي القراء الأعزاء في ان نلغي الثقافة والمثقفين ودورهم مثل ما فعل أفلاطون الذي طرد خارج جمهوريته الفاضلة كل الشعراء لأنهم بعيدون عن الحقيقة صناع للافك مزورون للوقائع ومهلكون للشعوب. |