| ثقافة الخرافة |
|
احمد عادل في واحــدة من أهم وأبرز المعضلات التي تواجه الحياة العربية تبرز ظاهرة الفكر القــائم على “الخرافة” وهــذه الظاهرة ليست وليدة “اليوم” ولا هي ناتج لما هو آني ولكنها ناتج عن ثقافة تمتد في العمق.. على مستوى التاريخ.. أي أنها جزء من منظومة معرفية واجتماعية ضاربة جذورها في أعماق ذلك التاريخ. وفيما نشهد اليوم ثورة في العلم.. وفيما نرى أن المعرفة أصبحت تشكل سلطة من شأنها أن تقوم ببلورة وصياغة المجتمعات وتغير أذهان وأفكار البشر المنتمين لهذه المجتمعات من “عالم” مختلف.. إلى عالم أكثر اختلافاً.. ومن زمن غارق في تقليديته إلى زمن أكثر انحيازاً إلى الحوار.. والجدل والسجال.. وأكثر ارتباطاً بالعصر وبلحظة الحداثة في تجلياتها الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية، فيما نجد أنفسنا أمام ظاهرة صعود لثقافة الخرافة.. (2) برأيي أن ما يلحظه المرء هو أن فكر الخرافة يأخذ مساحته وواجهته عبر بعض الفضائيات التي أصبحت معنية بتكريس تلك اللغة التي تتجه إلى تسطيح الأشياء وإلى تجهيل الناس عبر مسألة التداوي بالسحر، أو من وجود جماعات تروّج للسحر والشعوذة وهي تعني في محصلة ذلك أن فئات كثيرة من المجتمع تبحث عن “حل” لمشاكلها المستعصية وتفكيك تلك المشاكل عبر “فك مغاليق” عالم هذا “السحر” وبالرغم أن مساحة التعليم في المجتمع ووجود طبقة اجتماعية كبيرة من المتعلمين والمثقفين وأصحاب الرأي.. وبالرغم من وجود الجامعات والمراكز العلمية والثقافية لم يمنع ذلك من وجود الفكر الخرافي في المجتمع، وهو أمر يستحق الوقوف عنده والبحث في جذور معطياته ومسبباته، وهنا يأتي دور علماء الاجتماع وفقهاء الدين وأساتذة علم النفس. خاصة وان الدين الاسلامي يعلي من شأن العقل ودوره في تحصيل المعارف في كل المجالات وقد منع الاسلام التقليد في الاصول. (3) إن الهروب إلى ثقافة الخرافة تعبير عن غياب العقل ومظهر من مظاهر التخلف، بل الخرافة وجه آخر لهذا التخلف، وعندما يكون المجتمع هو “مجتمع المعرفة”.. ومجتمعاً يرى بضرورة جعل “العقل” هو واجهة هذا المجتمع.. وحيث “لا إمام سوى العقل” كما يعبّر أبوالعلاء المعري عندها تتراجع ثقافة الخرافة ولا يصبح لها “حضور” وليس لها قيمة ومعنى. هناك من يرى ثقافة الخرافة تنتشر بين البسطاء من الناس والدهماء من البشر وأنها ناتج لغياب التعليم.. وهذا غير صحيح البتة إذ إن هذه الثقافة تنتشر بنفس المقدار، وبنفس المستوى بين طبقات المتعلمين الذين تظل ذهنيتهم هي ذهنية ميتافيزيقية وذهنية لا تؤمن بالتفكير وتذهب إلى عالم الدروشة بدل أن تذهب إلى تحكيم سلطان العقل وسلطة المعرفة. ومن أجل أن يتحرر العقل من أسر الخرافة ويخرج من سجن التفكير السائد والمعتاد والمتبع، لابد له أن يكون أكثر انحيازاً للعلم.. والتفكير الحر، والاستقلالية المطلقة، حتى نبني مجتمعاً لا تصبح الخرافة جزءاً من مسلماته ومن خياراته أيضاً.. ذلك أن لفكر الخرافة أشكاله وألوانه وتوجهاته المختلفة. |