مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

التماهـــي مع الانحـــطاط

عبد الكاظم الامارة

في واحدة من التعليقات الطريفة التي تناولت اسباب “الفوضى” العراقية بعد سقوط نظام المقبور صدام حسين تحدث اعلامي عراقي في لندن عن مرض “فقدان المناعة الديموقراطية” مؤكدا ان البنى الثقافية والسايكولوجية العميقة في المجتمع العراقي ليست قادرة على تحمل نظام الحرية الذي يعني شعورا داخليا عميقا بالمسؤولية في ممارسة الحرية وبناء مؤسسات في الدولة قادرة على ضمان الا تتحول هذه الحرية الى فوضى.
في اواخر سبعينيات القرن الماضي صدر كتاب عن دار الانماء العربي في بيروت بعنوان “سايكولوجية الانسان المقهور” ومن الغريب انه لم يلتفت احد حينها الى اهمية الكتاب والافكار الواردة فيه. والاكثر غرابة بروز موجة “محمومة” للاهتمام بالكتاب بعد سقوط النظام المقبور في العراق. يتحدث الكتاب عن البنية الابوية “البطريركية”. ورغم الالتباس في المصطلح وتحدره عن الثقافة الغربية الا ان بعضا من مفرداته قد يلقي الضوء على ازمة المجتمعات العربية الاسلامية وبالخصوص المجتمع العراقي. فقد تشكلت نظم الحياة في هذه المجتمعات على اساس من تراتب القوة في الاسرة والشارع ونظم التربية والمؤسسات وصولا الى راس الهرم السياسي في الدولة. وفي كل هذه العلاقات يتم سحق قابلية الانسان على النمو النفسي السليم واجباره على اخلاق الطاعة العمياء واحترام القوة ورسم حدود “نهائية” لحركته تحد من قدراته الابداعية ومن احساسه بالسلام والامن الداخليين مع نفسه ومع الجماعة. والناتج عن كل ذلك استمرار في الانظمة الاجتماعية المؤكدة الهيمنة “الابوية”. ويرمز الاب في الدولة الى نظيره في الاسرة. والسلطة الابوية في الدولة نتاج لثقافة ليست قادرة على اعادة طرح الاسئلة وتحرير الاجابات الضرورية عنها في مرحلتها واوانها.

وليس بدعا ان يتم اطلاق صفة الاب على الحكام العرب الديكتاتوريين دون ان يمتلك اغلبهم اية صلة اخلاقية او تنظيمية بمفهوم الابوة المتحدر عن الاسة الذي يعني الرعاية والعناية والالتزام العميق. وقد شهد التاريخ الحيدث “ابوة” زعماء لامم تمكنوا بصفتهم الابوية تلك انقاذ مجتمعاتهم من التحلل والسقوط. ولعل مثال غاندي واستخدامه فلسفة اللاعنف مضمونا لحركته السياسية المثال الابرز في العصر الحديث على مفهوم الابوة الايجابي. اما في التاريخ القديم فيبرز نظام الابوة الاخلاقي المسؤول في شخص الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم وامير المؤمنين علي بن ابي طالب واولاده عليهم السلام. وقد جاء في الحديث الشريف: “يا علي انا وانت ابوا هذه الامة”.
واذا شئنا عرض مصطلح الابوة الوراد في الحديث الشريف استنادا الى معناه المطروح اليوم بموازاة الدور الذي مارسه النبي محمد (ص) والامام علي (ع) ندرك الفارق بين حال المصطلح المتحدر عن الثقافة الغربية وحقيقته في الثقافة والفكر الاسلاميين. لقد ذهبت عبارة النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم عند فتح مكة وتامينه اناس على ارواحهم حيثما حلوا بما فيها بيت ابي سفيان الذي اذى النبي (ص) وناصب وعصبته الاسلام العداء الى درجات قصوى. ومشهورة ايضا وصايا النبي بخصوص الاسرى والنساء والاطفال والمعوزين. يقول صلى الله عليه واله وسلم: “من امسى ولم يهمه من امر المسلمين شيء فليس منهم”. وحتى في اصعب لحظات الحرب فان نظرة النبي الى الابوة الاخلاقية للامة كانت واضحة وجلية. وفي السياق نفسه قدم الامام علي عليه السلام في كل مراحل حياته الصورة الاكثر نموذجية في تاريخ الظاهرة الانسانية على مفهوم الابوة الاخلاقية.
لقد عجزت الفنون والاداب رغم استخدامها للمجاز اللغوي والخيال عن تركيز صورة الفارس القوي بالتلازم مع الاخلاق الرفيعة كما رسمتها بالفعل الواقعي النادر شخصية الامام علي (ع). فالامام الشخص والمسلم والمشرع والزوج والمقاتل وامام البلاغة والمتبتل..الخ كلها ذات متجه يمثل ابوية عميقة مرتبطة بارفع النزعات الاخلاقية التي جمعت بفرادة غير مسبوقة بين الطهرية والواقعية.
واعتقد ان التاريخ رغم العواطف الجياشة لم ينصف الامام علي (ع) بعد. وما دمنا نتحدث عن مفهوم الابوة وعلاقته بالهرمية السياسية فان مثال الامام علي عليه السلام يعتبر صالحا للقياس والتعميم على الوجه الايجابي للمفهوم كما ابرزته الثقافة العربية الاسلامية. ففي المرحلة التي آلت فيها الخلافة الى امير المؤمنين (ع) كانت اوضاع الدولة والمجتمع والفرد في غاية الصعوبة والحساسية. فقد جاءت الاموال الى الدولة من اقصى الارض. ودارت في حواضر الاسلام الكبرى معارك فكرية وكلامية ليست معهودة ولا قبل للفكر العربي بها. وغذى الامويون الروح القبلية الساكنة بطاقة وقوة جديدة. الى غيرها من ظروف الحساسية والصعوبة التي واجهت رجلا بعفة وطهارة ورقة الامام علي (ع). وبالفعل صدق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في وصفه للامام علي (ع) بأبي هذه الامة. وما تزال حتى الساعة هذه الابوة مستمرة في الثقافة الاسلامية ولا يمكن تصور وجود حقيقي لهذه الثقافة وفي اعماقها خاصة دون هذه الشخصية التي طبعت بطابعها التاريخ الاسلامي والانساني عامة. وليس غريبا بعد ذلك ان يتمثل السادة من اهل البيت الكرام (ع) هذه الابوة للا مة ويمارسوها على اختلاف المضامين وبما تسمح به الظروف وفوق ذلك.
تمثلات الانحطاط
في الكتاب المشار اليه سابقا يورد المؤلف ما يعتبره صفات للتماهي مع الانحطاط اذ يلغي الانسان “بمحض ارادته” ان كانت له ارادة حريته ويتنازل عنها لصالح نظام القوة وتمثلاته الرمزية والحقيقية في المجتمع. فتشيع الافكار النمطية التي رفضها الامام علي (ع) ودعا الى محاربة الامية والخلاص من شرورها وضررها على الشخصية. وفي مراحل متقدمة من عملية التماهي يتحرك اللاشعور الشخصي للافراد باتجاه اقامة علاقة توازن مع الديكتاتور او القوة او المذهب الاجتماعي او الدين “المسيطر”. فيقيم  الانسان علاقة تصالح وهمي مع هذا اللون من الاشخاص او الافراد حفاظا على توازنه الداخلي. حيث يسوغ الانسان “او المجموع” لنفسه فكرة الانصياع لهذا الديكتاتور او لهذه العقيدة غير العقلانية او الفاشية او العدمية.
 ويشبه هذا الحال وضع عملية غسل الدماغ التي فصل فيها الباحثون والخبراء.
وجوهر عملية غسل الدماغ تتمثل في احلال مفاهيم محل اخرى. وتتم عملية طرد المفاهيم الاولى وازاحتها عن الذهن بطرق واساليب مختلفة اهمها تكرار المفاهيم المراد ادخالها ذهن الافراد باستمرار وفي مواضع زمنية ومكانية مختلفة وبايقاعات متشابهة ومختلفة على حد سواء. ويقوم هذا الفعل على افتراض ان الانسان اذا ما تعرض الى مجموعة من الافكار المصاغة بلغة مقصودة وباستمرار وفي ظروف نفسية “خاصة” فانه يعمد الى التصالح مع عملية التكرار “والتاخي” مع المصطلحات الواردة فيها والقبول القسري للشحنة النفسية التي تنطوي عليها هذه المفردات والمفاهيم. وشيئا فشيئا تحل بعملية التاخي تلك المفردات التي يسمعها باستمرار وتكرار محل المفردات التي كانت قائمة في ذهنه حتى يتخلص من الازمة النفسية والضغوط التي ترتبها عليه عملية التكرار وخاصة في عصر اتساع سطوة الميديا الاعلامية.
التماهي مع الانحطاط يعني ان يقسر الانسان نفسه “دون ان يدري وبعملية مركبة” ان يكون جزء من الانحطاط العام حتى يستريح من عملية الاختيار ومقاومة التيار الغالب. وهكذا تتحول الشعوب في لحظات من تاريخها الى قطائع او ما يسمى بثقافة القطيع فيسهل عندئذ قيادها وتوجيهها الوجهة التي تخدم اصحاب النفوذ والقوة من الحكام او المتسلطين او اصحاب الكلام والفنانيين في الوقت الراهن.
(برع) النظام المقبور في استلاب الانسان العراقي عندما عزل المجتمع العراقي واغلقه عن العالم الخارجي ثم مارس ابشع عملية محو للذاكرة العراقية حتى خرجت اجيال تعتقد ان تاريخ العراق عبارة عن ثورات بعثية حدثت في العصر البابلي والاشوري وان عصر فجر السلالات العراقية الاولى كانت تنظيمات للجيش “الشعبي” وان تاريخ “الابوة!” العراقية ابتدات عام 1968 اثر انقلاب 17 تموز.
وفي العقود الاربعة السوداء “نجح“ البعثيون في الحرب النفسية وعمليات غسل الدماغ التي مارسوها بحق الشعب العراقي ولابد من الاعتراف ان نجاحهم هذا ليس نتيجة لجهودهم فقط الا انها ترتبط ايضا باعماق الثقافة العراقية وضعف قدرتها على التواصل الانساني والنقدي مع المقولات والمفاهيم وانعكاس كل ذلك على الممارسة السياسية والاجتماعية.
 وكانت الحصيلة لكل ذلك ان يعتبر الكثير من العراقيين ان الحرية عبء عليهم ويصفونها بـ”الفوضى” تماهيا مع انحطاط قد دربهم عليه وساقهم الى حثالته نظام البعث المقبور.  واولى عمليات العلاج النفاذ الى اعماق الذاكرة العراقية المسكونة بهذا التماهي وفتح تقيحات الزمن العراقي الرديء كي يتصل بزمانه الابهى الذي انفتح على الاديان والتاريخ والعطاء خاصة بعد بركة دخول العراق منظومة الثقافة الاسلامية منذ وقت مبكر.
 

التوقيت

جائزة الشهيد الصدر السنوية


انت الان هنا  : Home قضايا قضايا التماهـــي مع الانحـــطاط
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة