مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

فتوى الانتحار

باسم الطويس

في الأسبوع الماضي أقدم مواطن مصري على الانتحار علناً، مسوغاً هذا السلوك الذي أنهى حياته بعجزه التام عن مواجهة الغلاء الفاحش وعدم قدرته على الوفاء بالتزاماته نحو أسرته، وسبق ذلك انتحار موظف داخل مكتبه ليلة رأس السنة الماضية تاركاً رسالة كتب فيها (قررت الانتحار لأنني لم استطع مواجهة الحياة وتلبية مطالب الأسرة).
وترددت قصة أخرى عن انتحار شاب عجز عن الوفاء بمتطلبات الزواج نتيجة ارتفاع الأسعار فأقدم على الانتحار بطقس كرنفالي، إذ علق حبل مشنقته على احد الجسور في وسط مدينة الإسكندرية، بعد ان ارتدى ملابس حفلة الزفاف فكان ما كان.

الناس ينتحرون عبر التاريخ، وفي كل مكان من العالم لأسباب وبدون أسباب، وبعضهم انتحر من شدة الترف، ألا تذكرون أرنست همنجواي، الذي انتحر لأنه افتقد أي معنى جديد للحياة بعدما بلغ ما بلغ من الجاه والشهرة والمال والترف. وهذا لا يعني التبرير لانتحار الناس، وإقدامهم على الموت الطوعي بسبب الفاقة وقله ذات اليد وفقر الجيوب الذي يصل في نهاية المطاف إلى فقر الضائقة النفسية والاجتماعية في القدرة على تحمل وزر حياة الآخرين. فالانتحار مخالفة صريحة لشرع الله..  الأمر الذي يحتاج إلى التوقف والتفكير والنقاش أيضا يرتبط بصدور فتوى دينية من عالم إسلامي كبير هو الدكتور مصطفى الشكعة، الأستاذ بجامعة عين شمس، بررت هذه الفتوى لهذا النوع من الانتحار، وأعفت المنتحر من ذنب قتل النفس الذي يوجد حوله أدبيات كثيرة في الفقه والفكر الإسلامي، وحملت الفتوى ذنب ما ارتكبه المنتحر في أعناق أولي الأمر ووضعت وزره على  الحكومة التي أوصلت هذا المواطن إلى هذا الحد من البؤس وانغلاق الحياة أمامه..    هذه الفتوى الخطيرة، التي أخذت تردد على ألسنة الناس، وعلى قدر ما تحمله من مضمون سياسي قد تدفع إلى المزيد من حالات الانتحار، وقد تجد طريقها للتسلل واحتلال مساحة داخل الرأي العام في المجتمعات المصابة بحالة من الكآبة الجماعية بسبب الموجة العامة من الغلاء والعجز الكبير أمامه، وهي حالة لا يمكن تفسيرها بقوانين تحليل الفقر التقليدية.
تزداد خطورة هذه التعبئة الدينية الاجتماعية في عالم عربي يشهد أغرب حالة تناقض بين غنى وتراكم هائل من الثروات الريعية في جزء منه، وبين عجز شبه كامل أمام الغلاء والفقر في الجزء الأخر وبعلاقة طردية متناقضة؛ الأمر الذي يتجاوز الخطاب التقليدي الذي شهدته سنوات عقد السبعينات في الحديث عن الغيرة والحسد إلى مشاعر النقمة المختلطة بالإحباط من العلاقات الاقتصادية الدولية الظالمة والفساد وسوء إدارة الموارد في الداخل وتراكم الثروات في الجوار مقابل وجود خطابات دينية واجتماعية قابلة لتبرير وتسويغ كل الاحتمالات.
يصف المقريزي أحد مؤرخي الاقتصاد الاجتماعي أحوال الغلاء والفقر التي ضربت مصر والمشرق العربي أيام حكم الدولة الفاطمية خلال الفترة ما بين (796- 808هـ) في كتابه إغاثة الأمة: “الغلاء الذي فحش أمره وشنع ذكره وكان أمره سبع سنين وسببه ضعف السلطنة واختلال أحوالها.. فذاع السعر وتزايد الغلاء وأعقبه الوباء حتى تعطلت الأراضي الزراعية، وشمل الخوف وتعذر السير إلى الأماكن إلا بالخفارة الكثيرة، وتزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا، وتحذر الناس فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعها سلم وحبال فيها كلاليب فإذا مر بهم احد ألقوها عليه ونشلوه وشرّحوا لحمه وأكلوه”.
رغم قسوة هذه الأحوال التي يتحدث عنها المقريزي وغيره ورغم ما مر بالعالم الإسلامي والمشرق العربي من أحوال المجاعات وأعوام الرمادة والبؤس لم نجد إشارة إلى طلب الناس الموت طوعاً أو الانتحار، فكيف وصل الأمر إلى إصدار فتوى دينية تبرر الانتحار بسبب الغلاء والفقر!
المنطق في هذا يبدو في مستويات الوعي، وفي منطق القرية الكونية الجديدة، وفي مشاعر النقمة والشعور بالظلم العميق داخل المجتمع ذاته، وبالمقارنة مع المجتمعات الأخرى، إنها مشاعر النقمة غير القادرة على النفاذ.
في العديد من الدول العربية تفتك موجات الغلاء ليس بجيوب الناس بل في غريزة البقاء، العقد الاجتماعي التقليدي تُعاد صياغته في هذا الوقت في المنطقة بأكملها.
 

التوقيت

جائزة الشهيد الصدر السنوية


انت الان هنا  : Home قضايا قضايا فتوى الانتحار
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة