| فتوى الانتحار |
|
باسم الطويس في الأسبوع الماضي أقدم مواطن مصري على الانتحار علناً، مسوغاً هذا السلوك الذي أنهى حياته بعجزه التام عن مواجهة الغلاء الفاحش وعدم قدرته على الوفاء بالتزاماته نحو أسرته، وسبق ذلك انتحار موظف داخل مكتبه ليلة رأس السنة الماضية تاركاً رسالة كتب فيها (قررت الانتحار لأنني لم استطع مواجهة الحياة وتلبية مطالب الأسرة). تزداد خطورة هذه التعبئة الدينية الاجتماعية في عالم عربي يشهد أغرب حالة تناقض بين غنى وتراكم هائل من الثروات الريعية في جزء منه، وبين عجز شبه كامل أمام الغلاء والفقر في الجزء الأخر وبعلاقة طردية متناقضة؛ الأمر الذي يتجاوز الخطاب التقليدي الذي شهدته سنوات عقد السبعينات في الحديث عن الغيرة والحسد إلى مشاعر النقمة المختلطة بالإحباط من العلاقات الاقتصادية الدولية الظالمة والفساد وسوء إدارة الموارد في الداخل وتراكم الثروات في الجوار مقابل وجود خطابات دينية واجتماعية قابلة لتبرير وتسويغ كل الاحتمالات. يصف المقريزي أحد مؤرخي الاقتصاد الاجتماعي أحوال الغلاء والفقر التي ضربت مصر والمشرق العربي أيام حكم الدولة الفاطمية خلال الفترة ما بين (796- 808هـ) في كتابه إغاثة الأمة: “الغلاء الذي فحش أمره وشنع ذكره وكان أمره سبع سنين وسببه ضعف السلطنة واختلال أحوالها.. فذاع السعر وتزايد الغلاء وأعقبه الوباء حتى تعطلت الأراضي الزراعية، وشمل الخوف وتعذر السير إلى الأماكن إلا بالخفارة الكثيرة، وتزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا، وتحذر الناس فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعها سلم وحبال فيها كلاليب فإذا مر بهم احد ألقوها عليه ونشلوه وشرّحوا لحمه وأكلوه”. رغم قسوة هذه الأحوال التي يتحدث عنها المقريزي وغيره ورغم ما مر بالعالم الإسلامي والمشرق العربي من أحوال المجاعات وأعوام الرمادة والبؤس لم نجد إشارة إلى طلب الناس الموت طوعاً أو الانتحار، فكيف وصل الأمر إلى إصدار فتوى دينية تبرر الانتحار بسبب الغلاء والفقر! المنطق في هذا يبدو في مستويات الوعي، وفي منطق القرية الكونية الجديدة، وفي مشاعر النقمة والشعور بالظلم العميق داخل المجتمع ذاته، وبالمقارنة مع المجتمعات الأخرى، إنها مشاعر النقمة غير القادرة على النفاذ. في العديد من الدول العربية تفتك موجات الغلاء ليس بجيوب الناس بل في غريزة البقاء، العقد الاجتماعي التقليدي تُعاد صياغته في هذا الوقت في المنطقة بأكملها. |
