| جنون الوهم |
|
يونس ابراهيم ما تزال الدراسات والبحوث والاستقصاءات “الجنائية” تحاول الوصول دون جدوى لتفسير الانتحار الجماعي الذي قامت به مجموعة اطلقت على نفسها اسم “بوابة السماء” في الولايات المتحدة الاميركية قبل سنوات. لقد ادخل قائد المجموعة في اذهان اتباعه انهم مخلوقات ليست ارضية “فضائية” وان ارواحهم قد دخلت الاجساد بانتظار مهمة اعظم واكبر وهي الانتقال الى الفضاء. وزاد على ذلك ان مركبات من الفضاء ستحط على الارض وفي معبدهم بالذات لتاخذهم “وهم ميتون” الى السماء. وبالفعل لبس اعضاء الجماعة زيا موحدا وحلقوا رؤوسهم جميعا “النساء والرجال والاطفال” وشربوا سما قاتلا بنفس الوقت وكانه العسل منتظرين الموت بسرعة كي تتحرر الاجساد ثم تهبط المركبة من السماء لتنقلهم الى حيث “الخلاص!”. كل هذا يحدث في مجتمع المادية الراسمالية وما ينعت من صفات العقلانية والعلمية والتنظيم العالي. ولا تزال الاسئلة حول انقياد هذه الجماعة “الف شخص تقريبا” وقبولهم الموت ببساطة وفي مجتمع الولايات المتحدة لغزا من الغاز الانسان وعلاقته مع الفكر والعقائد. ولا يقل عن ذلك غموضا شخصية كوراش الاميركي “ايضا” الذي ادعى انه السيد المسيح عليه السلام. لقد صدق كوراش العشرات من النساء وسكنن معه في قلعة شبه معزولة وانجب من الكثير من أولئك النسوة اللواتي “منحن” انفسهن له. وعندما انتشرت اخباره ووصلت الى السلطات هناك صدر امر قضائي بالقاء القبض عليه وعندما داهمت الشرطة القلعة هب كوراش مستنفرا “نساءه” واخبرهن ان هؤلاء قد جاؤوا لصلب السيد المسيح عليه السلام. فقاوموا جميعا ثم قتلوا.هذه حكايات من الولايات المتحدة الاميركية حدثت اواخر القرن العشرين واذا شئنا ان ننقب عما يماثلها في افريقيا فان مئات الصفحات لن تكفي اذ ان انظمة القبائل هناك وتقاليدها “الخاصة” تتضمن فنونا من الجنون الجماعي ومن الخرافة. ولكل قبيلة من القبائل طقوس خاصة في تعميم الخرافة التي تصل احيانا الى درجة التصعيد النفسي بالقتل او الغاء الاخر. فاحدى القبائل مثلا في افريقيا تعتقد ان القبيلة المجاورة والمنافسة لها ينقلب افرادها الى حيوانات عند نومهم. ليس ذلك فقط وانما أي راي مضاد يجلبه “غريب” عن هذه القبيلة ويؤكد لهم انهم لم يتحولوا الى حيوانات فان روح هذا الشخص مسكونة للشيطان ويجب قتله قبل ان يتحول شيطانه الى المكان. وتطرح هذه المواقف وعشرات اخرى غيرها الاسئلة الاكثر اقترابا من تلك اللحظات التي يتم فيها تواطؤ الجماعة على فعل او فكرة تنافي بديهيات الحياة والاديان والعلوم. والامر لا يتعلق فقط بقوانين الظواهر الشاذة والغريبة التي تنتمي الى اشخاص شاذين او مجموعات معزولة فقد شهدت مجتمعات عديدة “متقدمة ومتخلفة” ظواهر جنون جماعي تتمحور حول فكرة او شخص. ومن هذه الظواهر جنون النازية الذي انتاب الشعب الالماني وجنون الشيوعية الذي انتاب الكمبوديين “نظام بول بوت”. واذا كانت تفاصيل النازية الالمانية موجودة بكثرة وتفرض حضورها على القراء والمتابعين بحكم موقع المانيا التاريخي والجغرافي فان ضحايا الجنون الجماعي الكمبودي بحاجة الى بعض الايضاح. لقد حكم الشيوعيون الماويون كمبوديا وهم يضمرون فكرة البقاء للاصلح المتحدرة عن الفلسفة الداروينية. لقد اشاع الاعلام الكمبودي بطريقة هستيرية فكرة ان الحروب والقتل تنمي المجمعات اكثر من ظروف السلم وهي نفس الفكرة التي نادى بها نيتشه في فلسفته العدمية المعروفة. انساقت فئات عديدة من الشعب الكمبودي وبضمنهم مثقفين وعلماء وراء هذه الفكرة المجنونة فكانت الحصيلة مروعة عندما تم الاعلان بعد سقوط نظام بول بوت عن اكثر من مليوني قتيل في ظروف ملتبسة لم يعرها المجتمع البشري الاهمية المطلوبة بسبب هامشية كمبوديا الدولة التي لا نفط فيها ولا موقع جغرافي مهم على الرغم من انشاء محكمة لجرائم الحرب هناك. وفي العراق جرب البعثيون تعميم “الجنون الجماعي” منذ فترة مبكرة من تاريخهم. وتجربة الجنون الجماعي في العراق كما ادرك البعثيون لا تحتاج سوى جهاز اعلامي قوي وكذوب والمزيد من العنف والقسوة. وفي حادثة من الحوادث اتي مرت بتاريخ العراق يمكن معرفة الطرق والاساليب التي اتبعها البعثيون لخلق حالة من الهذيان يمكن تعميمها لتصبح جنونا جماعيا. فقد اصدرت وزارة الداخلية العراقية في الثلث الاول من سبيعينات القرن الماضي تعليمات تتعلق بـ”حملة” للقضاء على الكلاب السائبة والقطط. وحددت اسعاراً لمن يجلب كلبا او قطة الى مراكز الشرطة او مقار حزب البعث. وقد حددت سعر القطة بمائتين وخمسين فلسا “ربع دينار” وللكلب خمسمائة فلس “نصف دينار” ومن الغريب ان يشاهد المرء جموعا “تنهال” على مراكز الشرطة ومقرات الحزب حاملة اكياسا تخرج منها اصوات الكلاب بعد تكسير ارجلها او القطط وقد احكم غلق الكيس الذي وضعت فيه مفردة او مع مجموعة من التي اصطادها احد المحظوظين. ثم استمرت محاولات حزب البعث باختراق الثقافة العراقية ولابد من تسجيل ان هذا الاختراق قد نجح كثيرا في ادخال العقل العراقي منطقة الجنون الجماعي. وحتى اخر ايام سقوط النظام تلاعب ابناء الطاغية المقبور بالسوق العراقية وسعر صرف الدينار فكانوا وبقرار واحد او خبر يبث عن طريق اجهزة الاعلام يؤدي الى انهيار سوق العملية فتحدث مشكلات جماعية اجتماعية كبيرة قد تطال الغالبية العظمى من السكان. فضلا عن الحروب التي لا يمكن الكلام عن تفاصيلها اذ عاشها العالم مع العراق بكل احداثها المؤلمة والفاجعة. تتعلق قدرة الحكام او العصابات في خلق حالة من الجنون الجماعي لدى شعوبهم بدى قدرة ثقافة هذه الشعوب على تقبل الغاء العقل واحكام البديهة وتعاليم الاديان. وقد استطاع الاعلام المصري مؤخرا الغاء عقول المصريين ازاء حادثة جزئية بكل المقاييس تمثلت في مباراة كرة القدم التي اطلق عليها الاعلام المصري اسم التاريخية. انساق المصريون وراء الشد والتصعيد الاعلامي مثلما انساقوا وراء شعورهم “بعبادة” الطغيان عندما خرجوا بالملايين عفويا رافضين تنحي جمال عبد الناصر عن السلطة بعد هزيمة حزيران 1967. ونفس الامر حدث مع المصريين بعد وفاة عبد الناصر عندما خرجت الملايين تؤبن “جلادها”. تضعف مقاومة الفرد ازاء التكرار المرافق لحركة المجتمع في الغاء العقل والدخول في الجنون الجماعي. ومهما اوتي الفرد من قوة فلن يستطيع ان يقاوم مدا اعلاميا “جبارا” لسلطة كالسلطة النازية او البعثية. وفي كل ثقافات الشعوب تتردد حكاية نهر الجنون. تروي هذه القصة الشعبية رمزيا عن قرية تقع على ضفاف احد الانهار الذي يرويها ويؤمن لها الماء. وحدث ان تحولت مياه النهر الى مادة تصيب من يشرب منها بالجنون. وعندما بلغ الشاربون المصابون نصف عدد السكان تغير مفهوم الجنون واصبح موازيا لمفهوم العقل. وبعدها مالت الكفة لصالح المجانين عندما استقى اكثر السكان الماء من النهر فاصبح المجنون هو الذي ما زال يحتفظ بعقله أي الذي لم يشرب من النهر بعد. وبدا عدد هؤلاء يقل تبعا للحاجة الى الماء. وفي صبيحة احد الايام نهض الملك ونادى على الملكة يسالها ما الذي يجري فاستدعت الوزير ليقص على الملك قصة النهر فاخبر الوزير ملكه ان الشعب يرفض الانصياع لحاكم مجنون وعندما استفسر الحاكم اخبره الوزير بالقصة وبين له انه أي الحاكم وزوجته والوزير فقط لم يشربوا بعد من ماء الجنون. وانه لا يستطيع ان يكون وزيرا عاقلا لشعب مجنون ونصح الملك وزوجته ان يشربا من نهر الجنون كي يبقوا ملوكا على البلدة. توفر هذه الحكاية دلالة رمزية على قوة الانصياع الذي ياخذ بقياد الشعوب نحو الغاء مسؤوليتها أي عقلها عن التدبر ووقوف الجميع امام المشكلة “اية مشكلة” بلا حول ولا قوة. ان هذا الوقوف هو الذي يودي بالمجتمعات الى مهاوي الضعف والتحلل وقبول النازية او الشيوعية الكمبودية او البعثية. ولا يعني النظام العقلاني الحديث سوى الاتفاق على مصدات للعقل تقيه من زلل الالغاء الطوعي والدخول في منطقة اللاعقل التي تجذب اليها احيانا الجماعات باغراء غامض قد يفسر على انه ضعف مقاومة. اعتقد ان نظام العقلانية الاسلامية يوفر اكثر المصدات قابلية على حماية العقل ارتباطا بالضمير والمسؤولية. ورغم ذلك لم يستفد المسلمون من هذه المصدات التي وفرها النظام العقيدي والتشريعي في الاسلام حتى دخل المسلمون جنونا جماعيا اسمه عبد الله بن سبا مرة او تمجيد المقابر الجماعية مرة او اعتبار اسامة بن لادن بطلا مرة ثالثة. ولا استطيع التكهن من ستكون المنطقة الرابعة من الجنون الجماعي التي قد ينزلق اليها اللاعقل الذي ينفق اموالا كي يقيم فضائية باسم مجرم الجنون الجماعي او ان يقيم له تمثالا في عاصمة اخرى من عواصم الجنون الجماعي العربي!. |