| أيديولوجـــيا المــوت |
|
مصطفى الانصاري تلك هي المفارقة، أن تعدك الإيديولوجيا بالحياة، وتحرضك على ضرب قبيح من الموت الأناني، قوامه بديل متخيل للفردوس الأعلى، معاوضة عن بؤس المعاش، على حساب حياة الأبرياء والنفوس المحترمة وجوهر الاديان. هي صورة عن شاب قطط، انتفخ رأسه بإيديولوجيا زائفة، تضخم فيه إحساس ذهاني، على أن كل من حوله كفار، وأن الجنة له وحده، ولهذه العصبة التي ترى أن الطريق إلى الجنة لا تكلف أكثر من مجرد تكفير المسلمين. وقتل الأبرياء.. ويكفي التعلق بشعارات مقرصنة لاستعمالها التكفيري غطاءً تبريرياً، كالجهاد، بسطحية فقهية عمياء، جهاد لا يبقي ولا يذر، لتصريف كل أشكال هذه الحماقات. تصور أن شخصاً مؤدلجاً بهذا المعنى السخيف، توجه إلى حيث يفجر نفسه في سوق أو مكان مقدس أو في جنازة.. عبث بالأرواح البريئة، موت أناني، يشتري فيه المنتحر جنة الرحمان التي لا عوض لها إلا العمل الصالح، ومعرفة أرحم الراحمين، والسفر في الملكوت، بدم ونفوس بريئة. إنه من السهل أن تحش رؤوس هؤلاء الغفل، الذين يستهينون بالحياة في سبيل أحلام بائسة وأفكار مزيفة، وتحت طائلة التخدير بإيديولوجيا الموت الرخيص واللامعنى، لكن من الصعب حشوها بأفكار بناءة إيجابية، تعيد لها جمالية الحياة رغم كل معاناتها وبؤس معاشها.. لست أنت من يصنع قيامته وقيامة العالم.. أنت مطالب بالإحسان في العمل.. فأن يكون المرء جلس بيته أفضل ألف مرة، من أن يخرج للناس بهذا الفكر المنكر والمرعب.إيديولوجيات القتل البارد.. القتل المرضي.. هي أكثر أشكال الإيديولوجيات مدعاة للشفقة.. فهل تقاوم بالعنف المضاد وبالتدبير الأمني؟ لا، إنها حالة تعالج بوسائل متضافرة، كلها تمر عبر وسيلة الوسائل الناجعة: ألا وهي سياسة التثقيف، وهي سياسة لا يمكن أن تنجح إلا في ظل مناخ حر، ترعاه نظم حرة، تؤمن بالحوار الاجتماعي وحق المواطنة، دولة للحق والقانون والحريات وحقوق الإنسان، بقواعدها المشهودة، لا بترديدات غارقة في معميات الإنشاء الثوروي الرّثّ. يبدو المتعصبون للوهلة الأولى كأصحاب إيديولوجيا متطرفة غير متسامحة. والحق أن المتعصبين والإرهابيين متسامحون في قناعاتهم وإدراكهم، حيث لا يكلفون أنفسهم عناء الغور في الوجوه المحتملة للموضوعات والأحكام، فيكتفون بالنزر القليل من المعرفة، ولا يستفرغون الجهد عند الدليل.. إنهم يخفون كسلهم المعرفي بالتظاهر بالجهاد، فيكفرون الناس بسهولة منقطعة النظير، ومع ذلك هم غير متسامحين في قناعتهم تلك، الجهاد غير المحفوف بشرائطه الموضوعية وأحكامه الشرعية، تعويضاً عن تقاعس منكر في جهاد المعرفة، وما تتطلبه من إعمال نظر واستفراغ للجهد.. المكفرون هم أصحاب إيديولوجيا رخوة ورثّة، يظهر غباؤها للوهلة الأولى.. لذا وبما أنها إيديولوجيا كاذبة عارية مفضوحة تفتقر إلى قدرة الإقناع، تراهم يعوضون ذلك بالعنف والإرهاب والكراهية.. تتحول إلى مختبر نقدي ومعرفي، تتعايش فيه المعرفة والنقد الإيديولوجي.. أليس ذلك على الأقل سيجنبها الحالة الانقسامية القبلية، التي تحكي عن وحدة النمط العصبوي الحزبي- القبلي.. ألسنا في مثل هذه الحالة في حاجة إلى أنثروبولوجيا حزبية، تجعل الدولة الوطنية الحديثة موضوعاً للأنثروبولوجيا، وليس موضوعاً لعلم السياسة. ليست الأحزاب السياسية وحدها من عاقرت الإيديولوجيا في عز عرائها.. فالمثقفون لا سيما في العالم العربي، هم سادة التدليج وخبراؤه.. فالعقل العربي لم يعد يخجل من هذا الشكل من المعاقرة الإيديولوجية العارية، في غياب الرقيب الجمعي الواعي، وفي لحظة تسلطن المثقف الإيديولوجي الكدحي وليس الحر- الاستعارة نيتشية-. ثمة مثقفين اليوم حولوا الممارسة الثقافية والفكرية والنقدية، إلى كانتون وزوايا وأحزاب مغلقة، تستند إلى كتل جماهيرية وأنصار وأتباع وحواريين، تستقوي بهم في تغالبها المرضي مع نظرائها، قمعاً للنقد وقمعاً للحوار وقمعاً للاجتهاد. إذا كانت الإيديولوجيا مرض الفكر وآفته، فإن وراء الإيديولوجيا كائناً مركباً هو صانعها.. إن الإنسان هو المسؤول عن مرضه وعن إيديولوجياته.. بل هناك من صنوف هذه الإيديولوجيات ما يكرس تخلفاً مزمناً في عالمنا العربي. حيث ما صدقنا أن بدأت السياسة تجد رشدها رويداً رويداً، تكيّفاً مع التحولات العالمية، والإكراهات التي أرغمت أنوفاً على أن تنظر في نفوسها بعض الشيء، ولو بخجل وإحساس بالهزيمة -في الحقيقة، هزيمة من؟ هل هزيمتنا أن بدأنا نفكر في ذواتنا.. يا لمفارقة المجال العربي وتاريخيته الغبراء-، حتى انبرى من المثقفين وأصحاب المشاريع المزيفة المغررة للعقل العربي، أن بدؤوا يحتلون مكان المستبد، يبشرون بالرأي الواحد والمصير الواحد، كما هو في مخيلة متورمة بحصرها التعسفي.. من سوء حظنا في العالم العربي، أن صناع أوهامنا الإيديولوجية وصناع مثلنا الحالمة، مستبدون غارقون في وحل الشرور الدنيا.. وقد شهدنا كيف هللت ذات مرة، إيديولوجيا ديكتاتور العراق المخلوع، الذي جعل الشعوب العربية تحلم بِمُثُلٍ سرقها من مخزون هذا المتداول.. وقد هلل معه مثقفون إيديولوجيون كثر، أخفوا بمدائحهم الوجه الوحشي لطاغية العراق، الذي جلب الويلات على شعبه المعذب، احتلالاً وحروباً وحصاراً.. قبل فترة فقط، كان طاغية العراق رمزاً نحتته الإيديولوجيا العربية، وحشت به مخيّلة السواد المخترم من الأغلبية المقهورة والأمية والمستعبدة، في هذا الليل العربي الذي طال ومللناه.. ووحدها الإيديولوجيات العربية تملك هذه الجرأة النادرة في صناعة الطواغيت، واللعب على الحبال.. حتى بات كل شيء له نصيب من هذا الزيف، ديمقراطيات مزيفة.. تنمية مزيفة.. معارضة مزيفة.. جهاد مزيف.. مقاومة مزيفة.. بكاء مزيف.. أفراح مزيفة.. كل شيء مزيف.. فمعركة العقل العربي هي اليوم ضد الزيف.. أي ضد التدليج وتقيؤاته.. وضد نزيف الزيف ومرض الفكر، وهواجس المثقف الإيديولوجي الهائم في سلطنته المرعبة والإرهابية والاستئصالية العبثية. حيث لا فكر يعلو على خدمة الإنسان، ونصرة المظلومين والمعذبين.. ووحده المثقف العربي المأخوذ بلعبة التدليج والتكوثر الوهمي، المزيف للواقع الممجد للطغيان، المتزلف لصانعي المقابر الجماعية، المتطلع البصر والبصيرة إلى كوبونات من مسروقات شعب جائع تأكله الملاريا.. هذا الضرب المؤدلج من المثقفين العرب، هم أبشع صورة عن خطر الهذيان الإيديولوجي، وزيف الإيديولوجيا العربية المعاصرة. فهل نقول: إنها نهاية المثقف الإيديولوجي العربي؟ ليس المقصود هنا بالإيديولوجي، المثقف الثوروي حصراً، بل المقصود بالإيديولوجي هنا المعنى القدحي. أي المثقف الانتهازي العربي عديم الضمير غير الحر.. يستوي في ذلك أن يكون ثوروياً أو متلبرلاً.. فليس المرددون الممضون على بياض للدجل الإيديولوجي، النيوليبرالي الكاذب، المستكبر، المدمر للشعوب، أكثر فقداناً للحرية من ثوروي لا يضيع فرصة للنهب، ومد اليد للأسياد لقاء ما يقدمه أو يقوله أو يكتبه. |