مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

إسطورة الكرم العراقي في أربعينية الحسين (ع) PDF طباعة أرسل لصديقك
الكاتب   
الثلاثاء, 17 يناير 2012 20:07

 د . خضير الخزاعي 

 في معرض وصفه لكرم العراقيين قال أحد كبار علماء لبنان: اذا دخلت مطعماً وقال لك صاحب المطعم: أن حسابك واصل، فاعرف أن في المطعم عراقياً، واذا ركبت سيارة أجرة وقال لك سائقها: أن اجرتك مدفوعة فاعلم ان في السيارة عراقياً. هكذا صار الشعب العراقي يشار الى كرمه بالبنان في كل مكان حلّ فيه ما أودّ الاشارة اليه هنا أن الكرم العراقي يتجلى اسطورة في اروع صورة في مدينة كربلاء وكل الطرق المؤدية اليها، وذلك بمناسبة ذكرى اربعينية الحسين (عليه السلام)، حيث يتوافد الملايين على هذه المدينة التي تشرفت بضمها جسد الحسين الشهيد (ع)، وان هذه الملايين التي تفد كربلاء تأتي مشياً على الاقدام ولمسافات تمتد مئات الكيلومترات احياناً، اما المشاة فهم اغنياء وفقراء، علماء وادباء، وشعراء وساسة، ومثقفون واميون، رجالاً ونساءً، ومن كل الاعمار والفئات والطبقات،

 

يشدهم حبّ الحسين (عليه السلام) وعلى طول الطرق المؤدية للمدينة يواجهك الكرم العراقي اللا محدود، فما من طعام وشراب ودواء وغذاء الا واهالي السرادقات المنصوبة يتوسلون اليك لكي تحل عليهم ضيفاً، أو تتكرم عليهم بأن تأكل شيئاً منهم أو تشرب. أما اذا اردت الجلوس للاستراحة في سرادقاتهم فما اسرع ما يتناوب عليك الرجال في عملية مساج وتدليك لرجليك، والسعيد منهم من تمن عليه بغسل رجليك. هذا هو ما تراه على طول الطريق الى كربلاء، فاذا وصلت المدينة المقدسة فستجد الكثير من العوائل من يحشر نفسه وزوجته واولاده في غرفة واحدة ليترك باقي البيت لضيوف الحسين (ع) من الزائرين، وفي ذلك تسقط نظرية العرض والطلب التي لا وجود لها في بورصة القيم والكرم الحاتمي.
أما الحديث عن السياحة الدينية ومردودها المالي الخيالي فلا معنى له اصلا في هذه المناسبة خاصة وأن عدد الداخلين الى المدينة بالملايين الذين لا تسعهم فنادق العراق كلها فضلاً عن فنادق كربلاء المحدودة العدد والسعة، لان قلوب العراقيين الواسعة تستوعبهم جميعاً. كل ذلك اكراما للحسين (ع) العظيم وضيوفه المكرمين.
اما التعاون والاريحيات هناك فهي مضرب الامثال والتي يحسها من يصل البلد يتفاجأ بما يشبه الخيال والاحلام، اما الزوار الذين تغصّ بهم الطرقات فلم يفكر احدهم بالراحة لأن العشق الحسيني اكبر من كل اتعابهم، والغريب في الامر ان المخاطر الارهابية محيطة بالملايين، وان التكفيريين يجدون في هذه الحشود المليونية صيداً سهلاً، لكن احداً من الزوار لم يلامس قلبه الخوف ولم يثن عزيمته الارهاب والارهابيون، ولم تكن هذه السنوات وحدها مقرونة بالخوف والتفجيرات، وانما تعوّد الشعب العراقي على دفع الضرائب الباهضة في الطريق الى كربلاء من عصر المتوكل وحتى ابّان النظام البائد الذي كان يعاقب زوار الحسين (ع) باقسى انواع العقوبة في مسعىً لارعابهم عسى ان يتركوا زيارة الحسين (ع) ويمتنعوا عن الاختلاف الى مرقده الشريف، لكن عشاق الحسين (ع) كانوا قد وّطنوا انفسهم على دفع الضرائب والفواتير الباهضة حبا للحسين (عليه السلام) وايمانا منهم بخطه عبر التاريخ والى يومنا هذا.
وإن أنسَ فلن انسى ذلك الشاب الذي كان يحدثني عن معاناته والمخاطر التي يواجهها اثناء زيارة الحسين (ع) وهو مطلوب الى السلطة البعثية في حينها، فكنت اسأله مستغرباً ولماذا كل هذا الاصرار على المخاطرة التي قد يودي بحياتك باعتبارك معارضاً مطلوباً للسلطة الصدامية؟ فيجيبني بعفوية اشعر معها بخجل أمام ايمانه وشجاعته ليقول: اذا انا لم اذهب الى زيارة الحسين (ع) وانت لم تذهب فمن الذي يذهب، ثم الا يعني الامتناع عن الذهاب الى الزيارة تحقيقا لما يريده البعث وصدام من اهداف، ان زيارة الامام (ع) أيام التحدي اكثر لذة وأعظم اجراً من أيام الحرية والرخاء، ولذلك بقيت الزيارة وسقط المانعون لها. ويقيني أن سراً ألهياً عظيماً وراء هذا الاندفاع الجماهيري العفوي اساسه معادلة منصفة وصفقة حسينية رابحة مع الله سبحانه حينما قدّم سيد الشهداء (ع) كل ما يملك وما له من أهل وبنين ومن ثم قدّم نفسه الزكية قرباناً على مذبح الحق والحرية واضحية في محراب العشق الالهي، ليجسد قول القائل؛ والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
ولذلك كرّم الله تعالى الحسين (ع) بشعب كريم يقدّم لزواره ما يملك، ثم كرّمه (عليه السلام) بزوار لا تأخذهم في حبه لومة لائم ولا إرهاب ولا طاغية او نصب ظالم، وفي ذلك تجسيد لقيم عليا أوجدتها واقعة الطف لتظل خالدة في العالمين اولاها ذلك الشعار الستراتيجي الخالد الذي اطلقه الحسين (ع) ليبقى من بعده شعاراً للأحرار والثوار ومنطقه (هيهات منا الذلة)، وثانيها إصرار زينب الكبرى على مواصلة الدرب رغم قسوة الاسر وخشونة الاسرين، ولكنها بشموخ أبيها (ع) وإباء أخيها (ع) كانت تخاطب يزيد- وهو في قمة غروره- بمنتهى العزم ورباطة الجأش في عملية استشراف وبلغة الواثق المطمئن لتقول له: “فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا”.
وهذا ما حدث فعلاً فلم يبق للباطل عين ولا أثر فيما الحسين حي خالد لا تموت قضيته ولا تنسى مآثره وليتحول الى نشيد عشق  لا تبرد جمرة عزائه ولا تنتهي آثاره وهو يعلّم الآخرين من بعده كيف تكون الحياة وكيف يكون الممات وهو يحفر له في كل قلب مضجعاً وفي كل روح مثوى وليعطي لتراب الطف قداسة يصبح بعدها دائماً وابداً مسجداً وطهورا، وليظل الشعب العراقي فخوراً بوطنه الذي حفظ عهده مع الحسين (ع) الذي نادى يوم عاشوراء: هل من ناصر فينصرنا، فيأتي جواب العراق والعراقيين على امتداد الزمان صادقاً (لبيك يا ابا عبد الله) وليقدم بسخاء على خط الحسين (ع) ودربه ضرائب الحب والولاء دماءً ودموعاً وعرقاً.

LAST_UPDATED2
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة