|
ميلاد الحســــين (ع) ولادة أمـة وإنبعاث قيم |
|
|
|
|
الكاتب
|
|
الثلاثاء, 20 يوليو 2010 05:50 |
|
د. خضير الخزاعي يمثل الثالث من شعبان منعطفا حادا في مسارات الأمة الإسلامية وإتجاهات الحياة فيها، ففي هذا اليوم الميمون بزغ في البيت العلوي نجم الحسين (ع) المتوهج عنفوانا وإباءً وأريحيات، وكتب تاريخ جديد في دنيا الإسلام لوّن الحياة السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية بلون الشهادة الارجواني، وطرزها بالنجيع القاني، ليؤكد ان شجرة الكرامة والحرية لابد ان تسقيها الأوداج الراعفة بدم الإباء، وان شرايين الشهداء هي وحدها القادرة على إرواء ظمأ الحياة الحرة الكريمة، لديمومة نبضها واستمرارية عيشها من خلال خلق ثقافة جديدة تؤكد ان حركة الحياة لابد لديمومتها عبر جسر الموت وقنطرة الشهادة، وإلا فأن الاستكانة والخنوع هي الموت الحقيقي حينما تسحق الكرامات وتكمّ الأفواه وتسود شريعة الغاب وتنطفئ أنوار المستقبل وتقمع الإرادة وتغتال الحياة وتغيب الحقيقة وتضطهد العقيدة والفكرالأصيل.
من هنا تأتي ولادة الحسين (ع) الإمام في ذلك اليوم المشهود لتشكل بداية نهاية الظلم والإستعباد، وما كان أحد غير رسول الله (ص) يدرك ما الذي حدث في الثالث من شعبان، ولذلك بادر الرسول الأكرم (ص) ليخط على شخصية هذا الوليد العظيم معالم المجد حينما سماه أولا، وليكتب أبجدية فرادته عندما أذّن في في أذنه اليمنى واقام في اليسرى، وكأنه يريد ان ينقش كلمة (الله أكبر) على قلب وعقل وروح هذا الوليد لتبدأ حياة هذا السبط الفرد وهي لا ترى كبيرا غير الله، ولذلك فهي تستصغر ما سواه. ولتؤسس على ذلك ثقافة جديدة كتبها سيد الشهداء (ع) بدمه وأعلنها بقوة بيانه وجنانه، ثقافة أعطت معنى جديدا للموت والحياة لم تكن قبل ذلك التاريخ مالوفة معروفة، ثقافة تقول: “لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما”. ولغة جديدة هي تعبير واضح وصارخ عن ستراتيجية تجاوزت حدود الزمان والمكان كتبتها لافتة الثورة ويافطة التحدي وشعار الأحرار ليعلن من ذلك الحين وفي كل حين: هيهات منا الذلة. إنها شعار مشروع شهادة ظلت اصداؤه تتحدى الزمان وهي تهتف بالوجود في كل آن ان الدماء وقود ماكنة الأحرار والتحدي والإباء. وان من يطلب الموت توهب له الحياة، لأن المستميت لا يموت، ومن لا يملك إلا وسائل الموت وأسباب الدمار ليس بمقدوره قتل الأحرار واستئصال القيم الخيرة ووأد المعنويات التي تدفع أصحابها والمؤمنين بها صوب الأهداف مهما كانت التضحيات، ويقينا ان لا تضحية أكبر من تقديم الروح قربانا على مذبح الحرية وأضحية في عيد التحرر والانعتاق من القيود والأغلال التي يسعى الطغاة لأن يكبلوا بها إرادات الأباة. واحدة من أبرز معالم ثقافة الاستشهاد والتي أسس لها سيد الشهداء (ع) كانت تقوم على فكرة الوضوح في الرؤية ويستتبعها الوضوح في الهدف، ولذلك طرح الحسين (ع) بيانه الأول بلا وعود ولا مكاسب مادية وبلا رتوش حين أعلن صادعا صادقا: من لحق بنا استشهد ومن تخلف لم يبلغ الفتح. ولم يكتف بذلك، وإنما أوضح لجنده ولمن أراد اللحاق به ما سيؤول اليه أمره وأمر من معه حينما أوضح وبصوت مسموع (كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء)، وفي ذلك قراءة واعية لنتيجة المعركة كي لا يضلل الأتباع الذين ربما يخطر ببالهم حسم المعركة عسكريا لصالح الحسين وأنصاره. فأراد الإمام الشهيد (ع) أن يصارح جنده بنتيجة المعركة وما ستؤول اليه الأوضاع في كربلاء، كي يكون هؤلاء الجند على بينة من أمرهم، وتتجلى لهم حقيقة الثورة أنها صفقة مع الله رابحة في حساباته ولكنها في حسابات المادة محسومة النتائج لصالح العدو اللئيم. صحيح ان قلة من الأنصار هم الذين إلتحقوا بالركب الحسيني العظيم، وصحيح أنهم ضحوا جميعا في كربلاء، ولكن الصحيح أيضا ان هذه الثقافة ظلت حية دائمة قدر لها أن تبقى خالدة تحرك ضمائر ملايين الأخيار والأحرار باتجاه مواجهة الطغيان وإعلان الثورة على الظلم والظالمين، وليتحول الإمام الحسين (ع) الى قائد مسيرة عابرة للقارات والأوقات، وليلتحق بخطه وركبه كل ثوار الدنيا وعشاق الحرية ليس على مستوى العالم الإسلامي وحده، وإنما على صعيد الدنيا كلها، لأن الحسين (ع) كان صاحب مشروع حضاري شامل للآدميين جميعا، ولذلك صار نشيدا على ألسنة الثوار، ولحنا خالدا في حناجر الأحرار، وهو ما يؤكد نبوءته التي تضمنها خطاب الثورة الأول (من لحق بنا استشهد ومن تخلف لم يبلغ الفتح). أنه الفتح التاريخي الذي حول الأرض كل الأرض الى كربلاء، والأيام كل الأيام الى عاشوراء، وهو الفتح التاريخي الذي اسقط عروش الطغاة ليس فقط في بدايات الثورة وتداعياتها، وإنما سقطت بعدها عروش وعروش بعد ما تعلمت الشعوب وقادتها وعلى حد تعبير غاندي: (لقد تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فانتصر). أجل لقد جمع الإمام الحسين كل أسباب النصر حينما جمع بين القوة والمظلومية. قوة في العقيدة، وقوة في الإصرار، وقوة في التحدي، وقوة في إرادة وحب الحق والحقيقة تقابلها مظلومية لا حدود لمأساتها ومعاناتها، حيث يجتمع كل عبيد الدنيا واشرارها لقتله وأولاده وأنصاره وحتى صغاره، ثم يمثلون بجسده الشريف ويؤسرون نساءه وأطفاله وكأنهم لم يكونوا أبناء رسول الله (ص)، ولا ودائع الرسالة والرسول. فما كان من آل الحسين إلا الثبات على الحق بقولهم رغم كل التضحيات (إلهي ان كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى). ورغم كل ذلك يأتي الإصرار الحسيني على لسان بطلة كربلاء زينب بنت علي (ع) وهي تخاطب الطاغية المنتصر وهو في عز انتصاراته فتقول له موبخة ومؤمنة بنصر الله وبالفتح التاريخي الذي أراده الحسين لثورته: (كد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا)، وهذا ما حدث فعلا إذ: كذب الموت فالحسين مخلد كلما أخلق الزمان تجدد فسلام عليه في يوم مولده وسلام عليه يوم استشهاده وسلام عليه في الخالدين. |