مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

الدعاية الانتخابية برؤية ثقافية PDF طباعة أرسل لصديقك
الكاتب   
الأربعاء, 24 فبراير 2010 07:00

د. خضير الخزاعي

بغض النظر عما ستسفر عنه الانتخابات من نتائج ولصالح أي طرف تكون، فأن الملفت للنظر هو الهبوط الثقافي والتدني الأخلاقي الذي تسجله عين الرقيب الشعبي او الرسمي إزاء الكثير من الممارسات المرفوضة التي تعكس تراجعا واضحا في مناسيب أخلاق أصحابها، سواء عبر تمزيق صور المرشحين او تشويهها او على صعيد الإشاعات المخجلة والمسفّه التي يطلقها خصوم المرشحين وبطريقة فجّة لا تعبر إلا عن بؤس مروجيها الذين ضاقت عليهم سبل الفوز، فلم يجدوا مخرجا من مأزق الهزيمة إلا إسقاط الآخرين، وكأن النصر والفوز لا يتحقق إلا على أكداس جثث ضحاياهم.

 أما البرنامج السياسي المقبول المقنع فلا وجود له في أذهانهم، متناسين ان الشعب العراقي من أذكى شعوب الأرض وأكثرهم وعيا، ولذلك فان الرقيب الشعبي على هذه الممارسات كان بالمرصاد للذين يستخفون بوعيه متوهمين بأنهم قادرون على إيهامه وتضليله، وبالتالي تغيير قناعاته لصالحهم حسب ما يأفكون.
إستطلاعات الرأي العام المحايدة ترصد هكذا ظواهر مرضية شريرة، وهكذا أفكا سياسيا، وتسجل معها إنخفاض معدلات وأرقام مؤيدي من يمارسون هكذا سلوكاً مشيناً بحق الآخرين، وبذلك يخسرون أنفسهم ودعم الآخرين لهم على حد سواء.
أما ما تظهره شاشات التلفزة من مقابلات ومناظرات هابطة لمرشحين من كيانات متعددة فهو الآخر أمر يستدعي الحسرة والأسى، سواء من خلال العنف اللفظي بين المتناظرين، او من خلال التهم التي ما أنزل الله بها من سلطان ضد آخرين لا ضرورة للإساءة لهم لا من قريب ولا من بعيد، وهي تهم يعاقب عليها الله والقانون ويمجّها الذوق العام، فيما لم يلتفت من يطلقها لتداعياتها على سمعة المتكلم ولا على سمعة ضحاياه وكأن مهمته في الحملة الإنتخابية تتلخص بتوزيع الإساءات للآخرين والتشهير بهم والافتراء عليهم، ويزداد الأمر سوء حينما يكون الممارس لهذا الافتراء والتسقيط من الإسلاميين أو ممن يتقمصون أردية الدين غير آبهين برصد المشاهدين لبرامجهم، حيث يفترض بهم أن يكونوا مصداقا لقيم الدين وأسوة وقدوة للعالمين متناسين مهمتهم الأساسية التي ينبغي أن تتجسد عبر الكلمة الطيبة والموقف الرصين والسلوك الرزين الذي يترجم حالهم، وإلا فما الفرق بينهم وبين من يمتهن المنهج الميكافيلي في السياسة بلا رادع من ضمير أو دين، ثم ماذا يقولون اذا كان السياسي العاقل من غيرهم أكثر نضجا وموضوعية والتزاما منهم.
إن تداعيات الحملة الانتخابية كارثية بامتياز لو استمرت على هذا المنوال، لأن حالة من الفصام تنشأ بين الناس وبين من يمارس هكذا أخطاء وخطايا خاصة حينما يكون من المتدينين ورجال الدين ولسان حال الناس يقول: إذا كان هذا هو واقع الإسلاميين فكيف بغيرهم؟ ثم من يصلح الفاسد من إمور المسلمين إذا إمتهن المتدينون الفساد؟
إن بعض آثار هذه الحالة السيئة هو الصد عن سبيل الله من خلال إعراض الناس عن الدين والمتدينين، وإعطاء أعدائنا مادة جاهزة للتشهير بالإسلام والإسلاميين الذين لم يلتزموا بأبسط مبادئ الأخاء فيما بينهم حينما يتشاتمون على الفضائيات وبمرأى ومسمع من خصومهم فيشمت بهم العدو ويلومهم الصديق.
إن حالات الاحتراب غير المبرر والضرب تحت الحزام اللامشروع لا يمكن ان تكسب أنصارا ومريدين، ومن يعتقد ان الإيغال في أذى إخوانه فن في الخطاب او إقناع لكسب الأنصار والأصحاب واهم ومدان، فضلا عن كونه يمارس هدما لا للآخر فحسب، وإنما للقيم التي يتمشدق بها ويدعو اليها، ولا أحسب أنه سوف يجد من يستمع إليه بعد هذه التجربة المرة والفاشلة والبائسة.
كما ان بعض الفضائيات المشبوهه قد وجدت ضالتها في أمثال هؤلاء الضيوف والمتناظرين الذين لم يرعوا في إخوانهم إلاًّ ولا ذمة، حيث برزوا على حقيقتهم ذئاب وعليهم ثياب لا يحسنون إلا الشتائم والسباب والتهم والاحتراب وأكل لحوم الآدميين.
كما وجد بعض مقدمي البرامج في مثل هذه النوعيات البائسة حرابا يجيدون الطعن بها في قلوب المخلصين والحريصين على وحدة الصف ولم الشمل وسلامة الوطن.
أما المواطن الشاهد والمشاهد الذي كان يظن بهؤلاء خيرا، فقد صدم بما يسمع ويرى وهو يتمتم مع نفسه متسائلا: أهؤلاء الذين يريدون أن ننتخبهم، أف لهم ولما يفعلون ان الذين كانوا يسمرون أبصارهم بشوق لأحاديث الإسلاميين عبر أجهزة التلفاز صاروا يرون هذه الأيام من بعض هؤلاء ما لم يشاهدوه في مناظرات الآخرين من غيرهم، وهم في حيرة مما يشاهدون.
لقد نسي بعض هؤلاء المحسوبين على الدين والتدين ان حرمة المؤمن كحرمة الكعبة، ولذلك حملوا معاولهم الى الاستوديوهات ليحطموا أكثر من كعبة ويكسروا أكثر من قلب ويهتكوا أكثر من ستر ويمزقوا أكثر من حجاب وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
ويقيني ان هكذا نوعية تتاجر بأعراض الناس وحرماتهم سيرفضهم الشارع فيخسرون أنفسهم والانتخابات، وقبل هذا وذاك يخسرون علاقتهم بالله والناس، وذلك هو الخسران المبين، لأن الوصول الى البرلمان بأي ثمن يعني صفقة خاسرة ليس فيها ربح او ريع، ولا تورث لأصحابها إلا الكراهية والصغار والندامة وسوء المآل. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة