مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

لنتأهــب لحــرب لا أخــلاقية ضــد أخــلاقنا PDF طباعة أرسل لصديقك
الكاتب   
الأربعاء, 27 يناير 2010 06:35

د. خضير الخزاعي

حينما تتقاضى مطربة مبتذلة أو راقصة خليعة في ليلة واحدة أضعاف ما يتقاضاه عالِم في عام كامل، وحينما ينزوي المبدعون في ظلمات النسيان وتتبارى وسائل الإعلام لنقل زواج المثليين، وحينما تمتلأ السجون بأصحاب الرأي من المثقفين الأحرار فيما يصول ويجول الطغاة والمجرمون متلذذين بأنواع الطيبات بلا حدود أو قيود، وحينما يُصادر الفكر الحر وتوأد الحقيقة وتنتشر الخرافة وتسود الأسطورة، وحينما تجوع الملايين بل المليارات من بني البشر فيما يستأثر الجشعون والمحتكرون بكل أو جلّ ثروات العالم، فهذا يعني ان أزمة أخلاق كبرى تسود الدنيا، وتنقلب على ضوء ذلك المعايير لتنذر الأيام الآتية بشر مستطير قد لا يسلم من آثاره وأخطاره أحد. إنها باختصار فتنة كبرى “لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة”، وذلك ما يذكرنا بنبوءة الرسول الأكرم محمد (ص) الذي قال يوما لأصحابه وهو يستشرف المستقبل بثاقب فكره ونافذ بصيرته محذرا مما ستؤول إليه الأحوال: “كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: أو يكون ذلك يا رسول الله؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: أو يكون ذلك يا رسول الله؟ قال (ص): كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا؟”.


وهذا ما يحــدث الآن فعلا وبالشكل الذي لم يعد خافيا على أحد، ومــا تطرحه الفضائيات من فضائح “فنية” وما تمتلأ به مواقع الأنترنيت من أفلام إباحية يندى لها الجبين، لهي بداية نهاية لشيء إسمه القيم الأخــلاقية، والتي بدونها تتعطل كل معاني الخير في الحياة.
إن ما يجري اليوم من ذبح للفضيلة شيء مرعب لا تقل أخطاره عن آثار حروب أسلحة الدمار الشامل، إذ أي دمار شامل أكبر وأخطر من تدمير الأخلاق وتسقيط المجتمعات؟، وأي بلاء أكبر من صمت العالم كله على ما يجري من انحدارات متسارعة في مستنقع الشر وأودية السقوط الأخلاقي وكأن الأمر لا يعنيه.
إن البشرية تخسر كل يوم بقايا القيم، وبأرقام قياسية وبسرعة مذهلة لم يألفها الآدميون طيلة تاريخهم الموغل بالقدم، حيث تدمّر معاني الجمال والكمال ولا من بديل إلا الفوضى المرعبة، لأن أخــلاق الأمم ورصيدها الروحي العظيم الذي تضافرت على تشييد أبراجه أجيال من الأنبياء والفلاسفة والمصلحين بدأت بناها التحتية تتهاوى تحت ضربات التحلل الاجتماعي ومعاول البؤس القيمي، وبما لا مجال معه لترميم او إعادة بناء وتأهيل، لأن الهدم بذاته سهل والبناء بطبعه عسير، وما يبنيه المصلحون بقرون تنسفه شياطين الشر بساعات، خاصة وان أسلحة الدمار الأخلاقي صارت تمتلك قدرات هائلة خصصت لها أموال وفنون وإعلام وتكنولوجيا، وترافقت مع عزوف عن تعاليم السماء ومناهج الأنبياء، ولذلك وجدت آليات الشر وأدواته فراغا هائلا مكّنها من العبث بالآدميين بلا مصدّات او كوابح.
وإذا كان جيلنا قد تمنّع او قاوم إغراءات وإغواءات هذا الابتذال والتردي بسبب النضج والتربية ومفاهيم العيب والحرام، فان الجيل القادم من أبناء أمتنا قد لا يمتلك مثل هذه الحصانة، ولا القدرة على المقاومة والصمود بوجه هذا الغول اللاأخلاقي المفترس، وهذه الموجة الوبائية الخطيرة التي لم يتحصن منها بمصل او قناع واق، ولذلك فأن افتراس الأجيال القادمة أمر لا يحتاج الى أكثر من زمن، خاصة وان أسلحة المقاومة التي بين أيدينا بدائية بسيطة ومتواضعة، فيما تتعاظم أدوات وآليات وقدرات قوى الشر، وبالتالي فما نتيجة حرب لا متكافئة كهذه التي تطرق أبواب أبنائنا وأحفادنا إلا الهزيمة المنكرة، والتي لا يمكن لضحاياها أن تنهض من جديد؟.
ومن هنا فأن عقلاء العالم وحكماءه، والذين يعنيهم أمر ديمومة الحياة وتماسك المجتمعات، مدعوون جميعا للوقوف بوجه الرياح الصفراء العاتية التي بدأت تـهز كيانات الحياة الاجتماعية وتمطرها بوابل من القصـف المدمر لبقايا الأخلاق والقيم الروحية التي بدونها تفتقد الانسانية انسانيتها والحياة معانيها وصفاءها ونقاءها، وبالتالي موت كل معاني الخير والفضـيلة فيها، مع ضــرورة التذكير بأن ما يجري من حرب شرسة ضد القيم الأخلاقية لم يكن صــدفة ولا اتفاقا، وإنما يقف وراء هذه الحرب وما أعقبها من انهيارات وتدنٍ، عقول شريرة وأصابع شيطانية خبيثة ودوائر ماكرة غادرة لا نحسب الصـهيونية بعيدة عنها او بريئة من التورط فيها، لأنها تدرك جيدا ان ضياع القيم وفقدان الأمم لأخلاقها يعني تخليها عن أهم وأقـوى أسلحة وجودها ومصادر قوتها وأسباب مقاومتها، وبالتالي فان المشروع الصـهيوني الهادف للهيمنة على العالم والاستئثار بالتسلط عليه والاستهتار بالواقع الدولي حلم مشروع بالنسبة لهم، ولن يجد الصهاينة في ذلــك حرجا، لأن أساطيرهم التوراتية الموضوعة تبيح لهم ان يُفسدوا العالم تحقيقا لمصـلحة الشعب اليهودي المختار، الذي لا فرصة لتحقيق أهدافهم التوسعية وسط مجتمع قوي متماسـك في اطار أخلاقي سليم يحفظ الحقوق ويضبط ايقاعات السلوك البشري، وحيث ان الصهيونية قد تمكنت من امتلاك المال والرجال والإعــلام والتكنولوجيا فان تنفيذ مؤامرة اسقاط الشعوب في مستنقع الرذيلة أمر ليـس بالعسـير، والقضية لا تتجاوز كونها قضية زمن، وعندها فالطوفان قادم ولا عاصم لأحد من أمواجه العاتية الآتية.
 

التوقيت

جائزة الشهيد الصدر السنوية


انت الان هنا  : Home
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة