مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

كلّنا مسؤول عن تخلفنا وبؤس واقعنا PDF طباعة أرسل لصديقك
الكاتب   
الأربعاء, 20 يناير 2010 05:59

د. خضير الخزاعي

دولة قلقة، واخرى مستقرة هذا هو واقع حال عالمنا اليوم وهو تقسيم شامل ودقيق لا تفلت عن مربعات تصنيفه أية دولة، وتشاء الظروف والاقدار ان نجعل من دولنا الاسلامية- كلها او جلها- ضمن قائمة الدول القلقة والمتخلفة بالضرورة، وحسب المتابع ان يستقريء عالمنا الاسلامي ليجده هائما عائما على فوهة بركان لا يهدأ، وأذا ما هدأ حينا فسيلتهب احيانا، الامر الذي يصيّر من منطقتنا ساحة اضطراب واحتراب مرة مع الذات حين تتأزم الاوضاع بين الشعوب وحكامها، ومرة أخرى بين بلدين جارين، ومرة ثالثة بين بعض دولنا وقوى اجنبية طاغية وكأن هذه الارض قد كتب عليها ان لا تعرف الهدوء ولا يقدر لاهلها ان ينعموا بامن او سلام او استقرار.

وهاكم لبنان وفلسطين والعراق وافغانستان وباكستان والسودان والصومال وأخيرا وليس آخرا اليمن، اما التي لم يذكر اسمها فهي مشمولة بالقوة لا بالفعل ومرشحة لان تنفجر فيها الازمات مع وقف التنفيذ، لان مستلزمات التأزم ومقتضيات القلق والاضطراب قائمة لا تحتاج الا الى صاعق ليشعل فيها فتنة كبرى قد لا تنطفئ بسهولة ويسر.
فهنا احتقان سياسي، هناك احتكار مذهبي، والى جواره فتنة طائفية واخرى قومية وعرقية وقريب منها ازمة حدود أو مياه واحيانا اطماع او رغبة في اتساع وكاننا لا نعرف كيف نختلف واذا ما اختلفنا فلا نريد ان نأتلف.
تلك هي ملامح المشهد العربي والاسلامي، قوس ازمة ملتهبة ومزمنه وما سواها من غير المرئي، فهناك دخان بركان لم يندلع بعد ولكن على الابواب.
ترى هل هو قدر لا محيص عنه وقد خط بقلم الغيب فلا يتخلف، أو هو تخلف وسوء تدبير وفشل صناع القرار في فن الممكنات بادارة التناقضات، أو اصابع خفية تحرك خيوط اللعبة من وراء البحار والمحيطات، وقد هيأت لهم الظروف عملاء بالوكالة لا يعصون اسيادهم ويفعلون ما يؤمرون وفق منطق “نفذ ثم ناقش” أو “نفذ ولا تناقش”.
ان تداعيات هذا الواقع المرير هي انكفاء عالمنا الاسلامي وانزواؤه عن مسرح الفعل الدولي وعن ورشات العلم والعمل، وبالتالي رضانا بان نكون من دول “العالم الثالث” وهي اللفظة المهذبة المكافئة “للعالم المتخلف”.
مهما قيل عن اسباب هذا التخلف فان نصيب ابناء هذا العالم هم السهم الاوفر، حتى ولو لاذوا خلف معاذير الاستعمار وعلقوا أسمال بؤسهم على شماعة الاستكبار، لان الاستعمار لا يتحقق الا على الشعوب التي لديها “قابلية الاستعمار” على حد تعبير المفكر الاسلامي الراحل “مالك بن نبي”. ولا هو نتيجة مرّة لاستبداد الحكام، لان الحكام لا يستبدون الا حينما تستسلم الشعوب لاقدارها، او ترضى بطواغيتها اسيادا، وصدق من قال: “كيفما تكونوا يولّ عليكم”.
وبالتالي فأن المسؤولية الاكبر تقع على عاتق الشعوب التي اطمعت اعداءها بها سواء كانوا اولئك الاعداء او حكام دول اخرى، حينما ارتضت لنفسها ان تكون حقل تجارب دمار وموت واستعباد، ولم تنتفض لتزيح عنها قيود التخلف واغلال الاستعباد، وبذلك دفعت- كما هو حال شعوبنا الاسلامية- ضرائب سكوتها واستكانتها بحارا من دماء ودموع وعرق ثم استمرت المأساة باستمرار الصمت المميت فكانت بعض استحقاقاته هذا التخلف المريع والموت السريري لطاقات الامة وابداعاتها، فضلا عن تضييعها للحقوق والثروات والكرامات والحاضر والمستقبل ولو قدر لها ان تنهض لقللت من خسائرها مهما كانت فواتير التمرد والرفض والثورة عالية وغالية، لان مقاومة الحاكم المستبد والمستعمر المستكبر لا تكلف اكثر من دعوته استبداده واستكباره ولا يمكنها ان تستهلك من ارواح الشعوب وثرواتها ما تستنزفه الاستكانة والرضا بالواقع المأساوي المرّ الذي صنعته عقود الاذلال وقيود الاستكبار.
لوقدر للحكام المستبدين ان يدركوا ان لهم شعوبا تقف بالمرصاد بوجه حماقاتهم وطيشهم واستخفافهم بالآدميين لما اقدموا على مغامرات طائشة افقدت الامة عناصر القوة وحولتها الى مجاميع مقهورة محروقه مأزومه.
ان عالمنا الاسلامي الزاخر بكل عناصر الخير والقوة والابداع كبلته عقود عدم الاستقرار والاوضاع القلقة ما لم تتكبده دول خاسرة في حروب كونية مدمرة.
ويقينا ان الاحباط الذي اصاب هذه الشعوب جراء تلك السياسات الطائشة والحماقات العابثة لهو واحد من اهم اسباب انتهاج العنف في عالمنا الاسلامي الذي ضاقت به الارض والسبل، فلم يجد حلا لمآساته الا الانتحار والانفجار وهو ما زاد على بلايانا بليه آخرى، حيث عطل فيه العقل عن الابداع والتدبير وافتقد بذلك بصيص الأمل والنور واضاع بوصلة الوعي الهادي فانتابه صرع الانتقام من الذات والآخر لتغرق أرضنا من جديد بشلالات الدماء لتذهب ضحيتها الاف القرابين في معترك صراع بغيض افقدنا حتى التعاطف مع قضايانا العادلة لان من يقتل نفسه وابناء جلدته مجرم بامتياز لا يستحق عطفا ولا شفقه.
ولعل اكبر خسائرنا في هكذا معركة خاسرة يتمثل بالصورة القميئة المرعبة لاسلامنا المنقذ العظيم في عيون الآخرين والتي ترسمها المفخخات بالوان الدم ورائحة الموت وتضاريس المدن المدمره وهذا ما يدعوا العلماء والحكماء والمثقفين واصحاب الرأي للمزيد من العمل كي نخرج عالمنا الاسلامي من ازماته ومشكلاته وتخلفه الذي ضيّع عليه كل فرص التنمية والاستقرار والازدهار، فضلا عما يستحقه من احترام واهتمام واكرام.
 

التوقيت

جائزة الشهيد الصدر السنوية


انت الان هنا  : Home
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة