| الاسلام والرأسمالية |
|
عبد الجبار البياتي تحمل الينا الاخبار يوميا ماسي التصحر الذي يزحف على العالم واثره على البيئة الطبيعية وعلى كمية الغلال المنتجة عالميا. ومع ما يرافق ذلك من تكهنات مخيفة حول مستقبل الوجود الانساني والعودة مرة اخرى الى عصر المجاعات بعد ان غادره الانسان بفعل كفاحه الطويل ضد الجوع. في الفلسفات الدينية والاجتماعية خارج المنظومة الحضارية الغربية الحديثة والمعاصرة ثمة تعاطف مع البيئة وتعايش معها تعبر عنه اشعار وقصائد وملاحم وتراث شعبي. لم يكن الانسان يسعى الى السيطرة على البيئة وقهرها وكان يتعايش معها تعايشا فطريا حتى سادت العالم النزعة الراسمالية التي تحدثت عن موضوعة السيطرة على الطبيعة. لابد من الاعتراف اولا ان الانظمة والفلسفة الراسمالية هي التي قدمت للعالم الحديث الغالبية العظمى من انجازاته سواء في مجال الحقوق السياسية او المخترعات والمكتشفات العلمية او الانظمة الاجتماعية وطرق التعليم..الخ. وبنفس الوقت فان هذه الفلسفة الراسمالية هي التي عممت فكرة الاباحية الجنسية وصنعت واستخدمت القنبلة النووية. كما شهد العالم في ظل سيادة الفلسفة الراسمالية حربين عالميتين وهلاك الملايين وهو ينتظر حربا عالمية ثالثة تهدد بها اطراف مختلفة. لقد امتد الامر حتى وصل الى اختراع اسلحة تكتفي بقتل الانسان وتحافظ على الابنية والمصانع والمقتنيات. والامر الاخر الجدير بالتنويه ان الشعوب الغربية ليست على وفاق تلم مع الفلسفة الراسمالية. اذ توجد داخل هذه الشعوب حركات عديدة مناهضة لمنطق التوحش الراسمالي وتعمل هذه المنظمات بجد ونشاط حقيقيين وتكتسب المزيد من الانصار والمشايعين. ولعل فوز منظمات الخضر ببعض البلدان الاوربية وتحول منظمات البيئة الى قوى سياسية مهمة دليل على رفض قطاعات مهمة من الشعوب الغربية لفلسفة النظام الراسمالي او على الاقل للحد من توجهاته الضارة بالانسان ومستقبله كل شيء مباح في الفقه الاسلامي قاعدة تؤكد ان الاصل في الاشياء الاباحة وان الضرر هو القيد الذي يحدد به الشارع حرمة الاشياء الامر الذي يعني ان العقل هو الذي يحكم في تحديد المباحات والمحظورات. وتسمى هذه القاعدة الفقهية بوجه اخر من وجوهها بـ"التحسين والتقبيح العقليين". وتمثل هذه القاعدة قدرة الفقه والفكر الاسلاميين على المزاوجة بين اساسيات الوحي وضرورات الواقع المتحولة. الا ان الفلسفة الغربية انطلقت من مفاهيم الاباحة التي تعلي من شان الربح وتجعل من الاقتصاد الموجه الاول للمجتمع والتاريخ والفرد. ولهذا السبب انطلقت قوى الانسان المادية لتفرض هيمنتها على كل قوانين الوجود بما فيه استغلال البيئة بهذه الطريقة البشعة. ومرة اخرى نؤكد ان المارد الغربي لم يطلق قوى السوق والاستغلال فقط فقد انطلق بموازاته ايضا ثوى التحرر والديموقراطية وتقييد السلطة. لكن انطلاقة الحريات وانظمة العدل لا يمكن لها ان تصمد بوجه قوة وتدفق قوانين السوق وقد تحولت الى شركات عملاقة عابرة للقارات تساهم في خلق الحكومات واسقاطها سواء في بلدانها او في بلدان المشرق. لم تعدد الامور في الغرب تحتمل منطق "العودة الى الجذور" الذي تروج له بعض الافلام السينمائية او القصائد الشعرية او الروايات. هوليوود بديلاً حققت افلام معينة نجاحا ساحقا في الغرب بعد ان تحللت من قيود منطق السوق وما يضمره من صرامة في النظرة المادية الى الحياة وينفي عوالم الغيب والنشور. لقد بقي فيلم سيد الخواتم باجزائه الثلاثة يعرض لسنوات عديدة وشهد اقبالا واسعا جدا وقد حقق ارباحا خيالية وما يزال حتى الساعة يعرض على شاشات عديدة في اغلب عواصم الغرب. ان موضوعة الفيلم الرئيسة هي الخيال والتخلص من الشر بالحكمة والاشراق. وكذلك حقق فيلم اخر هو فيلم هاري بوتر باجزائه الخمسة نجاحا على كل المستويات. وتشابه موضوعة هذا الفيلم موضوعة الفيلم الاول بالتخلص من قيود المادية الراسمالية التي تعلي من شان السوق والاستثمار واستغلال البيئة. ان البيئة في هذه الافلام من مزروعات وشطان وغدران واشجار وكهوف تنطق بلسان وتتحرك بضمير ويبدو الانسان في تاخ معها لا بتحد يؤدي الى احداث هذه الدرجة من الضرر التي صحا العالم عليها فزعا خائفا مرعوباً. كما تحظى افلام الخيال العلمي هي الاخرى بهذه الدرجة من الاهتمام لانها تقدم صورة سيئة عن مستقبل العلم والقدرات التي يمكن ان يصل اليها في عملية استغلال الطبيعة حيث تفترض هذه الافلام ان كائنات اكثر رقيا عقليا تاتي من كواكب اخرى لتسيطر على الارض وقد تعيد اليها نظامها المفقود. بورصة نيويورك دلت الاحداث الاخيرة وما رافقها من انهيار وشيك في اقتصاديات الغرب عموما ومعها الاقتصاديات الاسيوية على هشاشة الاسس التي ينهض عليها الاقتصاد والحياة الراسمالية. قدمت هذه الاحداث الوجه الاخر للنظام الذي كان يتحدث بثقة عن نهاية التاريخ وان لا نظام بعده يمكن ان يجلب السعادة والخير للانسان. لكن حيرة شديدة وارتباكا يسودان العالم هذه الايام يتمثل بفقدان البدائل الواقعية والممكنة للنظام الراسمالي. والمثير في الامر ان قادة دول راسمالية راسخة وكبرى عبروا عن برمهم بالنظام الراسمالي التقليدي وحاجة البشرية الى نظام تمثيلي لمصالحها واخلاقياتها اكثر انسانية وعدالة. تتجلى المشكلة الحالية بان الازمة التي المت بالراسمالية لم يكن يفصلها عن سقوط الشيوعية وخياراتها سوى عقدين فقط وبالتالي فان الارباك يعبر عن نفسه بنوع من انسداد الافاق امام الانسان الحديث في بدائل اخرى. ويبرز السؤال ضاجا حول المسلمين وقدراتهم في تقديم البدائل. من المؤكد توافر قدرة وديناميكية خاصة في الاسلام نفسه في اجتراح وتقديم البدائل لكن نفس هذه القدرة والديناميكية لا تكاد تعثر على أي من خيوطها وقدراتها في همم المسلمين وخططهم وتنظيماتهم الحديثة هذا على الرغم من ان المسلمين هم الاكثر تلقيا لصفعات الراسمالية وتهميشا في النظام العالمي القديم والجديد.
|