مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

إعادة بناء التاريخ

 عبد الحسين جواد

التاريخ سجل ليس محايدا بمعنى ان التاريخ يمارس دورا حاسما في تركيبة الافراد ونظرة الجماعات وقدرة الفرد والجماعة على عمليات البناء والنمو والتحضر.
والتاريخ ليس سجلا فرديا لاحداث وقعت. انه مجموعة متدفقة من الاحداث التي تصوغ في كل لحظة قناعات الانسان وملكاته وفكره. ان هذه النظرة الى التاريخ تسمى بالنظرة الحيوية مقابل النظرة السكونية التي تنظر اليه باعتباره احداثا متراكمة عشوائيا لا رابط بينها. ومن الموضوعات التقليدية وقد تحول التاريخ الى علم موضوع فلسفة التاريخ. يعنى هذا العلم والفلسفة بالاجابة عن اسئلة التاريخ وخاصة تلك المتعلقة بماهية الحوادث التاريخية في ترتيبها وهل ان هذه الحركات تخضع لنواميس ام انها محض اعتباط ومصادفة.
تذهب بعض المذاهب التاريخية الى اعتبار التاريخ صناعة بشرية ترتكز الى المصادفة المحضة. كما ان هذه المصتدفة مرتبطة بدورها بنظام عشوائي يلف الكون والحياة لكن الانسان يحب ويتمنى ان تكون الحياة اكثر تنظيما فيدعي "حسب هذه المدرسة" ان للتاريخ اصولا وقواعد ضابطة كما ان له وجهة يتجه اليها. ويضرب اصحاب هذه المدرسة الامثال بعدة حوادث تاريخية مفصلية وحاسمة ما كان يمكن لها ان تقع وتؤثر في التاريخ لولا حادث بسيط "عشوائي" مثل الطريقة التي قتل فيها يوليوس قيصر بالنسبة للحوادث الشخصية. فلو تنبه قيصر بحركة بسيطة كان يمكن ان يقوم بها لتغير وجه التاريخ.

ومن الاحداث التاريخية يتحدث هؤلاء عن عشرات بل مئات الحوادث التي وجهت التاريخ دون ان يكون لها معنى في ذاتها او تماسك بين اجزائها. فقبيلة بنو عثمان مثلا التي حكمت العالم بعد ذلك بامبراطورية استمرت اكثر من 600 سنة كان يمكن ان ينتهي دورها بسهولة لو قرر السلطان السلجوقي حينها ذلك. فالمعروف عن السلاطين السلاجقة القسوة والارهاب والقتل لكنهم تحيزوا لابناء جلدتهم فاقطعوهم بعض الاراضي وشيئا فشيئا تحولت هذه القبيلة الى الامبراطورية العثمانية التي استمر حكمها 630 سنة.
ان السلطان السلجوقي وهو جالس في قصره وقد تناهى اليه امر قبيلة بني عثمان وهو المزاجي الذي يحكم باللحظة والثانية فلا مستشارين لديه ولا مجلس للحكم ولا اليات يسترشد بها فان لحظة امره باقطاع بني عثمان ومساعدتهم قد حددت مصير مئات الالاف من البشر والتاريخ حسب راي هذه المدرسة. ونبقى مع التاريخ العثماني لنشير الى بروز احد القادة العسكريين المغامرين والمسمى قرة مصطفى. فبعد وفاة الصدر الاعظم "قائد الجيوش" تولى قرة مصطفى القيادة وفي هذه الاحيان استنجد سكان المجر وهم من المسيحيين الارثوذوكس بقرة مصطفى كي يساعدهم ضد حكامهم النمساويين الكاثوليك. وبالفعل انفذ قرة مصطفى بعض جيوشه ليحرز انتصارات سهلة على الجيوش النمساوية لم يكن احد يتوقعها. كانت فيينا عاصمة النمسا هي بنفس الوقت عاصمة الامبراطورية الرومانية المقدسة. اغرت هذه الانتصارات السريعة قرة مصطفى بمحاصرة فيينا ومحاولة فتحها. وكان العثمانيون فشلوا مرتين في فتح المدينة وكانت احدى هاتين المرتين بقيادة السلطان سليمان القانوني. وسبب فشل الحملات هو نجدة الدول الاوربية للنمسا ضد العدو العثماني المشترك.
عسكر 160 الف مقاتل بقيادة قرة مصطفى لمحاصرة فيينا. وعلى الرغم من رفض السلطان العثماني خوض معركة فيينا الا ان قرة مصطفى ذهب في ذلك الى غير رجعة. كان السلطان في استنابول يتخوف من انبعاث روح الحروب الصليبية التي استراح العالم من شرورها منذ فترة بسيطة. لكن قرة مصطفى شخص مكمن العلة وهو جسر "الدونة" الذ ي يربط فيينا بالغرب وخصص افضل فرق جيشه لحماية الجسر كي لا تتدخل الدول الاوربية لنجدة النمسا حتى يسهل له امر فتحها. وبعد ان بدات عمليات القتال تمهيدا لاقتحام المدينة تفاجا قرة مصطفى بخيانة  قائده ابراهيم الذي اوقفه على الجسر والتي سمحت لقوافل التعزيزات الاوربية ان تدخل فيينا وتباغت جيش قرة مصطفى حتى خسر معركة فتح المدينة بفعل خصومة شخصية بين قرة مصطفى وقائد جيشه على حامية جسر الدونة.
فلنتصور بالخيال البسيط ان لا خصومة بين قائد الحامية وقائد الجيش. فان النتيجة المترتبة على ذلك هي على الاغلب تحول عاصمة الامبراطورية الرومانية المقدسة الى الاسلام. حتى وان كان اسلاما عثمانيا كالذي عرفناه في العراق وبقية انحاء الامة العربية.
بعد هذه المعركة انكفا العثمانيون داخل حدودهم وانتهت نزعتهم العسكرية داخل اوروبا فاتجهوا نحو جيرانهم في الشرق وبالذات نحو العراق. فهل يمكن لنا وفق هذه النظرة للتاريخ ان نفسر استعصاء العملية السياسية في العراق والقهر والضيم الذي ينتاب العراقيين بسبب الخصومة بين قرة مصطفى وقائد جيشه على حامية جسر الدونة؟
ويورد اصحاب هذه المدرسة عشرات النكت الطريفة والملح التي يحاولون بها اثبات وجهة نظرهم بعشوائية التاريخ ولاعقلانيته.
لكن نظرة اخرى للتاريخ تؤكد ان التاريخ الانساني لا يشبه التاريخ الطبيعي او الحيواني. وجزء من هذه النظرة مرتبط بنظرة الاديان الى التاريخ. يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم "انا خلقنا الانسان في احسن تقويم" وحسن التقويم لا يتعلق فقط باستقامة المظهر وعمل الاعضاء فسلجيا. اذ يؤكد المعنى على العقل والارادة باعتبارهما اساس التكليف والاستخلاف معا. فبدون العقل لا يمكن للانسان ان يستخلف في الارض ولا يمكن بنفس الوقت ان يكون مكلفا مسؤولا عن كل افعاله وحاسبا عليها بعد ذلك. ويذهب اصحاب الغائية في التاريخ ابعد من ذلك ليستدلوا على حركة مدنية الانسان واثبات تقدمها. فانسان ما قبل عشرة الاف سنة "مثلاً" لا يشبه في تطوره واحتياجاته وفنونه انسان ما قبل خمسة الاف سنة. وفي العصر الحديث قفز الانسان قفزات هائلة حتى اصبح الحساب يعد بالسنين البسيطة بله بالاشهر. ان التراكم الايجابي في اشباع الانسان حاجاته واقرار النظم الحمائية السياسية والاجتماعية دليل على غائية التاريخ وضعف منطق العشوائية فيه.     على ان مدرسة ثالثة تتوسط المدرستين لتؤكد ان العشوائية جزء من عقلانية التاريخ!. واذا كانت هذه العبارة ليست مفهومة فكيف تكون العشوائية نظاما فان تفسيرها في النتيجة ان العقل البشري لمن يكتمل بعد وان فراغات عديدة تخترق قدرات هذا العقل وامكاناته تتسلل منها العشوائيات التي قد تقرر بعض مفاصل وحركات التاريخ الكبرى لكنها لا تحدد وجهته النهائية.
وبالعودة الى حكاية قرة مصطفى والعراق فان القائد التركي لم يعرف العراق ولن يدور في خاطره انه بمحاولته فتح فيينا سوف يلغي الحصة التموينية في العراق بعد 300 سنة من محاولته. كما ان قائد الحامية على جسر الدونة لم يكن يفكر بالمهربين الاتراك الذين يضحكون على العراقيين والسوريين بتزوير الجوازات بسبب عدم احكامه السيطرة على الحامية وتدفق الجنود الاوربيين لنجدة فيينا.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home افكار افكار إعادة بناء التاريخ
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة