|
مهند محمد علي تسنمت اوروبا قيادة العالم بعد تواري اثر قيادة المسلمين لحركة الثقافة والفكر لصالح الاوروبيين. لقد فتكت بالمسلمين عوامل عديدة اهمها: 1. اخلاق الحكام وطباعهم ازاء الرعية. 2. سريان العامل الطائفي في العلاقات بين المسلمين وتحولهم الى فرق ومذاهب متناحرة. 3. قلة العمل الاقتصادي المنتج الذي يعتمد الابداع والابتكار وبقاء الاقتصاديات الاسلامية اسيرة للحرف البسيطة والضرائب الخراجية بما يسمى في علم الاقتصاد الحديث بـ"الاقتصاد الريعي". 4. كما ان طمع اوروبا نفسها واحتكاكها المسلح بالمسلمين خاصة في الحروب الصليبية مثل سببا اخر من اسباب التدهور والانحطاط في ديار المسلمين عندما شغلهم بخطر الحرب والاستعداد لها دائماً.
الصورة مقلوبة اذا قلبنا صورة النقاط الاربع التي ذكرناها كسبب من اسباب التدهور العام في احوال المسلمين سنجد ان نفس هذه الاسباب تحولت الى عوامل قوة لدى الغرب حتى استطاع ان يقود البشرية ويهيمن على خياراتها ويحدد لها " اختيارا او اجبارا " ما تفكر فيه وما تاكله فضلا عما تصنع وتركب : 1 - فبالنسبة لاخلاق الحكام بدا الفكر الغربي يتجه نحو تقييد صلاحياتهم ويضع حدودا لهذه الصلاحيات. وزيادة على ذلك فان وضع هذه القيود اخذ مستوى شعبيا توسع باستمرار. أي ان الناس العاديين والعوام بداوا يشاركون بوضع اسس للشرعية السياسية من خلال المنظمات الشعبية التي تطورت الى النظام الحزبي الحديث. ورغم بقاء الحكم الملكي المطلق سائدا في اوروبا حتى القرن الخامس عشر الا ان الحركات الاحتجاجية التي اثارها المثقفون والطبقة الوسطى والفقراء قد شكلت عامل ضغط على الحكام والاسر المالكة والاقطاع. عملت كل هذه الحركات على اشعال النفوس والتهاب المشاعر للبحث عن قيم اخرى في الحكم غير هذه الاساليب التي لم تعد تلبي حاجات الناس والمجتمع. لقد تم تتويج كل هذه الحركات والجهود الثقافية في وثيقة الماغناكرتا البريطانية في الثلث الاول من القرن السابع عشر والتي قيدت سلطات الملك ثم حدثت القفزة الكبرى مع الثورة الفرنسية تلاها بعد ذلك الثورة الدستورية في اميركا. ومنذ ذلك الوقت حتى اليوم تسلمت اوروبا قيادة العالم. وعندما نقول اوروبا فاننا نعني بذلك ايضا الولايات المتحدة الاميركية. 2. النقطة الثانية التي تجاوزها الغرب وقد فشل المسلمون في تجاوزها هي نهاية الخلاف الطائفي وبروز الدولة القومية. وصل العقل الغربي عن طريق المثقفين والسياسيين الى فكرة مؤداها ان الحقيقة ليست ملك احد. ولما كانت كذلك فلا تجوز الحرب بين المذاهب على اساس امتلاك الحقيقة. لقد سرت هذه الفكرة سريان النار في الهشيم وسيطرت على العقل الاوروبي حتى قوضت الصراعات العسكرية الدموية بين الكاثوليك والبروتستانت حتى تم اثر عقد عقد معاهدة وستفاليا عام 1638 والتي حددت بموجبها اراضي الدول الاوروبية وحدودها. ومنذ ذلك الحين اخذ العقل الغربي يفكر استنادا الى منطق الامة والدولة وليس الى منطق الحقيقة المطلقة المرتكز على مفهوم المذهب والطائفة. اقول هذه الكلمات واتذكر ما يجري هذه الايام من تدخل في شؤون العراق من قبل فقهاء التكفير والسلفية السوداء باسم المذهب وتتراءى امامي صورة اوروبا التي تحاربت لقرون حول المذاهب واحقيتها ثم ركنت الى العقل والتسامح والتعايش بين الجميع. واسال نفسي متى نصل الى حال اوروبا ونستريح. 3. اما الناحية الاقتصادية فقد شمر الاوروبيون عن ساعدهم وراحوا يبحثون في قوانين الطبيعة والفلك واستخدام علوم الفيزياء والرياضيات. ولرب سائل يسال اولم يبرع العرب والمسلمون بهذه العلوم حتى اصبحوا اساتذة للاوربيين باعتراف الاوربيين انفسهم ؟ فلماذا اذن يستفيد الاوروبيون من هذه العلوم ويفشل المسلمون والعرب ؟. وللجواب على هذا السؤال بسيط يتعلق برعاية الحكومات والطبقات الجديدة التي يهمها امر المال والاستثمار للعلوم والمعارف والاكتشافات وعدم الاكتفاء بتزيين مجالس الحكام بالعلماء الذين يسامرون الحكام ويؤانسونهم. لقد تحولت هذه البحوث والاكتشافات الى برامج عمل تطبيقية حتى خرج البخار الذي يسير السفن في البحار. كما تم قياس حركات المد والجزر بسهولة ثم تمت صناعة البارود الذي ركز النظام السياسي واعطاه دافعا للاستقرار مضافا الى عامل الشرعية. فازدادت الغلال والحبوب واستطاعت الادوية واللقاحات شيئا فشيئا ان تسيطر على الامراض الفتاكة. وبدا ان البشرية ممثلة بالغرب تحديدا في طريقها لان تودع عصر المجاعات وموت الناس في الطرقات بفعل نقص الغلال والثمار وقلة مخزونات الطعام. تطبيقي اهم القفزات التي نقلت اوروبا من عصور الظلمات والقرون الوسطى الى العصر الحديث. وبلا شك فان ما فشل فيه المسلمون من تحويل علومهم الرائعة الى انجازات مادية نجح فيه الاوروبيون بامتياز. 4. لم يكن يواجه اوروبا عامل خارجي يضغط عليها ويحاصر تطورها ويقوض فرص انطلاقتها. صحيح ان الحروب كانت تدور بين الدول الاوروبية على اسس مذهبية وقومية لكن تحديا دينيا او عرقيا لم يكن يضغط على الاوربيين مثلما ضغط الاوربيون على العرب والمسلمين وساهموا في تقويض ومحاصرة التجربة الاسلامية وافشال امكانية استمرارها والاضافات التاريخية التي مكن ان تحصل في حال استمرارها. ما الذي تبدل؟ لقد اصبحت هذه المقارنات لظروف النهضة الاوروبية والفشل الاسلامي واضحة ليس لدى النخبة المثقفة والمتعلمة المسلمة بل وحتى للانسان العادي. واستطيع القول ان الاحساس بهذا التمايز والفرق قد مضى على انتشاره وركوزه اكثر من مائة سنة. لقد كانت سنوات اقل من هذه المائة كفيلة بتحول اليابان او كوريا الجنوبية الى دول تضاهي التقدم الغربي وتحتفظ بتراثها الروحي والانساني. لما يزل المسلمون يغطون في سباتهم القديم وليت شعري لا اعرف كيف تتم ترجمة احلام المسلمين خاصة اجيالهم الجديدة في الرقي والتطور واللحاق بالغرب بعد كل هذا الوعي باساسيات المشكل وتاريخه. الحل من نافلة القول لا يستطيع المرء اقتراح حلول جاهزة لمشكلات تاريخية مركبة. لكن من الواضح والجلي فان مشروع استعادة الذات هو الفيصل بين تاريخين يعيشهما المسلمون اليوم. التاريخ الاول هو ماضيهم الزاهر الباهر مضافا اليه لحوق الغرب بهم وتجاوزهم حضاريا. اما التاريخ الثاني فهو ما ينتظر كلا الطرفين "الغرب والمسلمين" من مستقبل. ليس الصراع وحده من يحكم العلاقة "المازومة تاريخا" بين الطرفين اذ ان عوامل عديدة على ارضية المشكلات التي تواجه البشرية جمعاء يمكن ان تجعل من التعاون والحوار بين الطرفين ارضية لعالم جديد. اعتقد ان فكرة صحيحة يتداولها الغربيون هي ان مستقبل العالم تحدده العلاقة بين الغرب والاسلام. لكن وقبل كل شيء على المسلمين ان يقدموا اوراق اعتمادهم في دائرة التحضر والتقدم ليستطيعوا ان يتحاوروا مع الغربيين او يتشاركوا او حتى يتصارعوا من موقع الند والنظير. |