| “ انـّـما يريد الله ليذهب عنكم الرجسَ اهل البيت .. “ |
|
الشيخ يونس الصميدعي اعتمد الوحي الالهي المقدس مصاديق مختلفة، اولها الكلمات التي نزلت وكونت القرآن الكريم وهو الكتاب الذي وصفه من انزله بانه فيه تبيان كل شيء. والمصداق الاخر بشري مَثل بائمة اهل البيت عليهم السلام. كان من توجيه امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) لعامله على مصر محمد بن ابي بكر ان يؤمن الناس ويهتم بفقرائهم ويرعى اهل الذمة. فهذه القدرة الانسانية الفياضة عرفها وطبقها رجال ينتمون الى القرن السابع الميلادي في منطقة يشح فيها الماء والطعام اسمها الجزيرة العربية. والشيء بالشيء يذكر فلم تعرف اوروبا التي تفاخر بحقوق الانسان هذا الون من التفكير الذي مارسه امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) تجاه اهل الذمة حتى وقت متاخر من نظم الحضارة الغربية الحديثة. عدل القرآن الكريم واسيادي الكرام من اهل البيت (ع) مثلوا حقا ترجمانا للوحي. ولم يدعوا ابدا انهم وحدهم في هذا الميدان رغم انهم من بيت توارثوا علم النبوة وزقوا العلم زقا وتعهدوا حماية تراث جدهم. وفي كل مراحل التاريخ حتى اليوم يشكل سادتي من اهل البيت (ع) العمق الروحي الاكثر امتدادا لدى المسلمين على رغم الاحداث التي جرت ومثلت نكسة كبرى في حروب الناكثين والقاسطين والمارقين ضد سيدنا الخليفة الرابع صهر الرسول (ص) وزوج البتول (ع) والشمس المشرقة في دنيا الاسلام والمسلمين والانسانية. فمن من المسلمين وغير المسلمين من لايفيض قلبه احساسا بالايمان والانتماء وهو يقرا نهج البلاغة. واي تحقق نفسي يحوزه كائن من كان وهو ينتقل في رياض جمل وكلمات من ذهب صاغها سيدنا امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع). ونفس الامر يسري على الطبقة الاولى من المسلمين المخلصين فرغم الخلاف المعروف حول الاحقية بالخلافة فقد كان سادتي من الصحابة سيما من الخلفاء الراشدين ينظرون الى اسد الاسلام وقديسه نظرة خاصة تليق بهذه الشخصية التي اعشت الابصار واخذت بالالباب وحيرت العقول حتى عبده بعض المحبين المغالين. كان سيدنا ابو بكر يصف امير المؤمنين بالقرآن الناطق. وفي احدى المرات اقبل الامير على مجلس للصحابة كان جالسا فيه سيدنا عمر بن الخطاب ففاضت عواطف سيدنا عمر ازاء هذا القادم وما يحيط به من الوقار والتقوى والهيبة فاطلق جملة ملات جوانحه وقال "قرآن يمشي على الارض". وبالفعل فلولا علي لهلك عمر والامة كلها ومن منا اليوم حتى ساعتنا هذه يستطيع ان يستغني عن هذه السيرة العطرة وهذه الكواكب الدرية في سمائنا وهي تضخ منذ الف واربعمائة سنة وماعني الكرامة والتقوى والحرية والعطف والعمل الجماعي ومحبة الاوطان والاخلاص للمراة ورعاية الطفولة وكل فضائل القرآن الكريم. رحم الله والدي الذي لم يكن يستطيع السيطرة على دموعه وهو يتحدث لنا صغارا عن سيدنا الامام الحسن (ع). فقد كنا نعرف في مراحل الدراسة الاولية ان عدد الخلفاء الراشدين اربعة وكنا ندرس حياتهم استنادا الى هذا التقسيم. لكن والدي كان يقرر دائما وهو شيخ من شيوخ التصوف ان الخلفاء الراشدين ستة خامسهم سيدنا الامام الحسن (ع) وسادسهم سيدنا عمر بن عبد العزيز. عندما كان والدي يعطي دروسا في اللغة والاصول وبعض المحاضرات في التاريخ وقد كان مفوها قوي القدرة على الكلام والتاثير في المستمعين وحالما يصل الى وصف ماساة الامام الحسن (ع) مع قومه الا وتنزل الدموع من عينيه. وكان يتحاشى دائما الحديث عن سيدنا الامام الحسين (ع) وقد اسمى اكبر اخوتي باسم "الحسين". وكان يحرص في رحلاته المتكررة الى بيت الله الحرام "حملدارا" ان يزور سادتي من اهل البقيع (ع) ومنذ فترة مبكرة وقبل ان تشيع هذه الزيارة بين الحجيج في العقود الثلاثة الاخيرة. قصة نهج البلاغة الف والدي مرة كتيبا صغيرا عن تخريج احاديث كتاب شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد المعتزلي وحاول ان يطبعه على نفقته الخاصة. وصادف ان بعث بالنسخة الاصلية الى احد المراجع في مدينة النجف الاشرف. وقد كنت انا من حمل هذه الامانة الى السيد الذي احتفظ باسمه وهو في ذمة الله تعالى الان. بعد ان قرا السيد مقدمة الكتاب اخرج لي مسبحة سوداء جميلة وقال هذه هدية لوالدك وقد بقيت هذه المسبحة تسبح لله تعالى في حرم امير المؤمنين (ع) اكثر من اربعين سنة. وبعد ان اخبرت المرحوم والدي بخبر السبحة ادخلها في مزوده الاثير وكان يسبح بها بمناسبات رمضان ومحرم الحرام وعند شده الرحال الى بيت الله. وما تزال هذه المسبحة معلقة في قاعة الاستقبال الكبرى "التكية" وقد وضع اسفلها معلومات تخصها فياتي المريدون والطلاب والدراويش ليضعوها في عنقهم او يسبحوا بها تسبيحة تفيض بروحانية من بقيت اربعين سنة في حياضه المقدسة ومن اهداها وما زلت حتى الان اعتبرها واسرتي جميعا "بما فيهم احفادي" باعثا روحيا على تمام محبة اهل البيت (ع) وكراماتهم وحضورهم البهي في حياتنا. وفي ركن قريب من المسبحة طبعة مصرية قديمة لنهج البلاغة وقد تهرات صفحاته من كثرة قراءة والدي له. وفي هذه الايام المباركة من رمضان تتنزل الرحمات والبركات على شعوب الامة وعلى الشعب العراقي وقد حباه الله تعالى بكواكب العترة الطاهرة وما احرى بعلمائنا والاجدر بمربينا ان يوجهوا النشء والطلاب والنساء نحو هذه الذخيرة الحية والينبوع الذي لا ينضب. ان اثر قيمة مدرسة اهل البيت (ع) لن يبلى ابدا لارتباطه بالقرآن الكريم وبحاجة الامة دائما الى التجدد.
|