مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

ضمانات استمرار الدولة العراقية

حميد ظاهر السراي

في العام 1996 صدر في الامارات العربية ترجمة لكتاب "غراهام فولر" عنوانه "هل يقوى العراق عل البقاء كدولة عام 2002". للوهلة الاولى فان قارئا عربيا او شرق اوسطيا تشبع بقيم الثقافة والتفكير العربي لا يستطيع ان يتعامل مع هذا العنوان "الصادم". اذ ان موضوعة الدولة تعتبر في تفكيرنا وحياتنا السياسية والثقافية تحصيل حاصل وامر مفروغ منه. وبالتالي لم يتعامل احد من القراء "وبالذات اخص نفسي" بجدية مع هذا العنوان. وعلى الرغم من احداث البلقان وانفصال دول الاتحاد السوفييتي على اسس قومية ودينية  اضافة الى الحرب الاهلية الافغانية فان قراء العربية وبالذات من العراقيين الذين وقع الكتاب بايديهم لم يكونوا ليستمروا عنوانا مثل هذا.
لكن العقل الغربي بقياساته وادواته البحثية والاحصائية اضافة الى ارتباط مراكز البحوث بوزارات الخارجية او الدفاع او المخابرات فانها على صلة بالتطورات التي تحصل في كل العالم سيما في منطقة اللغز الكبير أي الشرق الاوسط. وفي السنوات الاخيرة لنظام المقبور صدام بدات تتضح الملامح الحقيقية لمعنى هذا الكتاب وكذلك لضحالة التفكير السياسي العربي عموما.

ان الذي حدث في العراق ببساطة هو تحول السلطة السياسية الى مافيا ذات مليشيات متعددة. وبالحسابات السياسية فان الجيش العراقي نفسه تحول الى احدى مليشيات هذه السلطة اضافة الى اجهزة الامن المختلفة والاستخبارات والامن الخاص والشرطة... الخ. اما الطرف الثاني في المعادلة فهو الدولة. لقد ضعفت هذه الاخيرة الى الدرجة التي اصبحت لقمة سائغة وسهلة بيد السلطة. فلا وجود في العراق خاصة في السنوات التي رافقت واعقبت حرب ايران لكيان قانوني يمثل مصالح الجميع باقل درجة ممكنة اسمه الدولة. لقد عبر الادب العراقي خاصة الشعر عن هذه الحقيقة اكثر من النظرية السياسية والاجتماعية التي قمعها النظام شر قمع. ولاحق اصحابها اما بتكميم الافواه او بالاعدام او النفي والتشريد.
مسيرة الشقاء
ان مسيرة الدولة العراقية الحديثة هي مسيرة شقاء فعلي. وسبب هذا الشقاء ان هذه الدولة لم تكن نتاجا لتفاهم القوى الاجتماعية والطبقات والطوائف وبقية مكونات الشعب العراقي. بل على العكس جاءت هذه الدولة وكانها على الضد من رغبات الغالبية من العراقيين الذين وجدوا انفسهم تحت حكم عثماني متجدد يلبس ملابس الافندية بعيدا عن سلطة الخلافة العثمانية لكنه قريب بل منتم الى اساليبها ومضامينها وروحها. لقد سهل هذا التركيب للدولة على المؤسسة العسكرية العراقية ان تذهب الى القصر الملكي وتذيع البلاغ رقم واحد وتفتح سلسلة من الانقلابات التي ضربت رقما قياسيا في العراق بالقياس الى دول المنطقة.
كان المقبور صدام تتويجا لتلال من خطايا الدولة وضعف ثقافتها وقلة اخلاقياتها حتى تمكنت منها نهائيا ونحرتها بسكين اعمى سلطة البعث الحقود السوداء. نحن الان ازاء طرفين هما السلطة والدولة. ولا يكتمل توازن هذه المعادلة دون الطرف الثالث الضروري الذي هو الشعب. وقع الشعب العراقي بين اغتراب الدولة وهمجية السلطة. وفي محاولة هذا الشعب التعبير عن قدراته الثقافية والروحية في المقاومة لم ينتج الكثير على صعيد طرح البدائل بسبب التركيبة الطائفية للسلطة وللمجتمع ايضا. ان هذا السبب الاخير يمتد عميقا يحكم النفوس والامزجة والخيارات الكبرى. ولهذا السبب استطاعت السلطة الانكشارية البعثية ان تسحق الدولة بكل سهولة ويسر ولم تجد امامها شعبا يدافع عن نفسه وحقوقه الا قليلا ولماما. ان دفاع الشعب المقصود هنا عن نفسه هو دفاعه بالتحديد عن الدولة باعتبارها الكيان الضامن لمصالحه وحقوقه ومستقبل ابنائه. لكن المشكلة هنا مزدوجة فلا الشعب العراقي اكتشف المجتمع بتنظيماته المهنية والتضامنية الاسلامية والمدنية ولا المجتمع العراقي "الضعيف" اكتشف الدولة ككيان رفيع من المسؤولية الدستورية والاخلاقية للجميع.
تحول الشعب العراقي بتوسطه بين همجية السلطة وانسحاق الدولة الى مجموعات غريبة عن الحياة المدنية تجتر وقتها وزمانها بنوع غريب هو الاخر من التدين الذي لا يلامس في الكثير من ممارساته حقائق الدين الاسلامي الناصعة الداعية الى نظام عادل للحقوق يحافظ على الكرامة الادمية وعلى انسانية الانسان. اذا كان المقبور صدام فردا مخبولا مجنونا وقد قاد بهذه الصفات الدولة العراقية من 1979 الى 2003 ساعة سقوطه فان الكثير من السياسيين والمثقفين قد اختاروا ان يكونوا في قارب هذه السلطة المجنونة التي عصفت بالدولة ومزقت المجتمع حتى اسلمته الى اسوا انواع البدائية والفقر وفقدان المعنى والتنظيم.
هل تقوى على البقاء؟
نعود مرة اخرى الى الكتاب الذي ابتدانا به الحديث. فبعد سقوط النظام المباد تحولت تركة العراق التي يقارب عمرها ثمانين سنة لتقع على عاتق احزاب ومنظمات كانت قضت ما يقرب اكثر من ثلاثة عقود في المعارضة السياسية. ولا يختلف اثنان ان عبء الدولة العراقية ومشكلاتها بعد ان مزقتها سكاكين الحقد البعثية ليست بمستطاع احد انتشالها وادراجها كي تمشي على صراط العدل والنظام. كأن الناس في العراق صحوا يوم فزع اكبر واول ما ابتداوا به ان يسرقوا انفسهم ودولتهم بطريقة شاملة وواسعة. صحيح ان الكثير من الناس لم يتورطوا بهذا الفعل لكن السكوت عنه يعتبر جزءا من اختياره. وبعد ذلك دخل العراقيون في عملية ترميم سياسية وثقافية واجتماعية وتربوية. مع ما يسير مع هذه المرافق من اقتصاد عراقي يغذي كل هذه المرافق بطاقة العمل والترميم.
ان المشكلات التي برزت في هذ الفترة تعود الى سؤال المؤلف فولر. فيبو ان الاسس القديمة للدولة العراقية لم تعد صالحة للعمل في جمع العراقيين على هدف انساني يمكن ان يسير بالدولة عن طريق السياسة الى شاطئ الامن والامان. ومع هذا التطور المثير تبرز ايضا عواطف العراقيين جميعا "على وجه التقريب" في احساسهم بوحدة وطنهم وامكان ان تستمر هذه الوحدة لكنهم جميعا لا يعرفون الطريق الى ذلك. ورغم كل الاحداث السيئة التي جرت لفي البلاد وعمليات القتل المجاني والفساد برزت على الساحة طاقة عراقية استطاعت ان تعمل على لم الشتات وبدات من القليل وارست اسسا جديدة في مجالا ت السياسة والثقافة والاقتصاد والتربية. وما تفتقده هذه الجهود هو صيغة من صيغ التكامل بينها يمكن ان يؤدي تلقائيا الى شكل ومضمون جديد للسياسة والادارة في العراق.
وبصريح العبارة اذا امكن للعاملين الكرد والشيعة والسنة والتركمان من اليسار واليمين ومن الاسلاميين والعلمانيين الاتفاق على مشتركات ودليل "خارطة طريق" فان جهودهم في النهاية ستثمر اكثر مما هي في الواقع الان. ففي ظل تشتت جهود المخلصين والوطنيين فان الذي يبرز في الاعلام ويسوق من قبل اغلب الاعلام المشبوه هو النماذج السيئة التي تتسيد الساحة الاعلامية في ظل هذه الظروف الملتبسة.
اعتقد ان بداية لوعي عراقي جديد اثر موجة الطوفان الهمجي قد بدات تبرز للعلن رغم "التعتيم" الاعلامي عليها. واعتقد ان هذه البداية من الصلابة بحيث يمكن رؤيتها اولا والتعويل عليها ثانيا والاهم من كل ذلك انها ليست قابلة ان تعود القهقرى الى نقطة البداية التي انطلقت منها.

 

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home افكار افكار ضمانات استمرار الدولة العراقية
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة