مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

التفكير المنهجي

عبد الحسين المالكي

قد يترادف مفهوم التفكير المنهجي مع اصطلاح التفكير المنطقي. والتمايز بين المفهومين من الاختصاصات الدقيقة لعلماء النفس والفلسفة والاجتماع. الا ان الواضح في الامر هو ان اي تفكير منهجي يستند الى منطق داخلي متسق. اما التفكير المنطقي فليس بالضرورة ان يكون منهجيا. وقد تكون هذه الاوصاف تجريدية ودقيقة وليس مجالها في جريدة موجهة للجميع. لكني ابغي من وراء ذلك الوصول الى مسالة اعتقدها في غاية الاهمية والخطورة. تتعلق هذه المسالة المطلوبة بموضوعة تخلف التفكير في الذهنية البشرية وتطبيقاتها على الفرد العراقي.
يجب ان نسلم منذ البداية ان التفكير المبدع هبة من الله تعالى لجميع البشر. وقد خلق الله سبحانه وتعالى الناس سواسية كاسنان المشط كما حدث بذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم. ويبقى الاختلاف في درجة الاستثمار والتنظيم الاجتماعي للقابليات العقلية.

ان ذلك لا يعني رعاية الموهوبين او العباقرة وانما شيوع نمط من التفكير المنهجي يستطيع المجتمع من خلاله الاستفادة من قدرات ابنائه. ان سبب هذا الكلام يعود الى ما نلاحظه من عشوائية وضعف التخطيط لدى الفرد العراقي سواء ما يخص حياته الشخصية او عمله. ان ذلك ينعكس على الاداء العام للمجتمع والدولة. فما هي يا ترى الاسباب التي تجعل من مجتمع يفكر تفكيرا منهجيا ومنظما ومن مجتمع اخر عشوائي وفوضوي؟
علم النفس والحضارة
لا يستطيع علم النفس وحده الاجابة عن سؤال التفاوت بين الشعوب في درجة تفكيرها المنطقي والمنهجي والتباين الشديد احيانا فيما بينها. اذ يختص علم النفس بشكل اساس بالفرد. وحتى في دراسة الفرد في المجتمع اي علم النفس الاجتماعي لا يستطيع هذا العلم بمنهاجياته وادواته المعرفية الاجابة عن هذا السؤال.
اعتقد ان امكانية الوصول الى فهم طرائق التفكير المنهجية والمنظمة او عكسها يمكن العثور عليها في كل ما يقوم به افراد المجتمع من نشاطات وبضمنها ذاكرة هذا المجتمع وطريقة تعامله مع هذه الذاكرة كفعل يؤدي اما الى تنشيط التفكير المنهجي او اضعافه. ان النظر الى الماضي كوحدات مجزاة منفصلة او مقدسة كلية التقديس يقيد الذهن البشري عن ادراك الحقيقة وكيف تبلورت حتى وصلت اليه. ان ذاكرة مثل هذه تمثل سكونا لا يدرك الحركية في الحياة ولا يستطيع ان ينفتح على حركة الفكر والحياة فيعيش في نوع من السبات قد يزين له انه سبات مقدس.
والمصيبة في ذلك ان المقدسات الاجتماعية لا تنتمي في اغلبها الى الدين. اذ ان المقدسات الدينية خاصة لدى الشعوب الاسلامية معروفة ومحددة بالكتاب والسنة وسيرة الائمة. الا انها في المجتمع الشعبي البسيط تتزاحم حتى تصل الى مجموعة تغطي العقل. وكان النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن الفال والطيرة كجزء من الحرب على المقدسات الاجتماعية الكاذبة.
التفكير المنهجي استراتيجية جماعية
ان اخص المجالات التي يمكن ان نفهم خلالها صيرورة التفكير المنهجي لدى الفرد هو الميدان التربوي. فالتربية بمضامينها الكلية العامة تتضمن احساس المجتمع بنفسه وكيفية توجيه هذا الاحساس الى خدمة الوجود السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وحسب هذا المنظور فان التربية اكثر نشاط اجتماعي يرتب او ينظم عملية التفكير المنهجي لدى الافراد. ان ذلك يتمثل في تجارب الشعوب عموما بالاستفادة من خبرات الفشل وتقويمها. ويتجلى في عدة صور اهمها:
1. دور علماء الدين.
2. الاداب والفنون.
3. المدارس ومعاهد العلم.
4. اجهزة الاعلام.
1- قل لا اله الا الله ثم استقم:
طلب اعرابي نصيحة من النبي محمد صلى الله عليه وأله وسلم تدخله الجنة. فقال الرسول الاعظم (ص) قل لا اله الا الله ثم استقم. فكرر الاعرابي عليه الطلب فاجابه الرسول ذات الجواب وبعد الحاح الاعرابي اعادها الرسول الاعظم عليه مرة ثالثة. تتجلى في هذه العبارة النبوية اصول التربية الاسلامية ومنهاجياتها. لقد ربط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين التوحيد والاستقامة. ان الشخصية الفردية في حراكها الاجتماعي تستمد طاقتها النفسية بدرجة رئيسة من فكرة التوحيد. ثم تستخدم هذه الطاقة في سلوكها اليومي بالاستقامة التي وصفها النبي الاكرم. ومن مجموع الاحاديث النبوية وللائمة الاطهار (عليهم السلام) فان منهاجية التفكير الاسلامي ترتبط بعوالم داخلية تستشعر الحرية ازاء اكراهات الجسد وبنفس الوقت تستشعر المسؤولية ازاء المجتمع والكيان العام.
قدم الائمة المصومون (ع) مصاديق بشرية لهذا اللون من التربية ذات التفكير المنهجي. ولهذا السبب تعود كل المدارس الفلسفية الى اهل البيت (ع) بما فيها المدارس التي مزجت الفلسفة بالعلم الطبيعي.
2- الخيال الجميل:
مثلما صاحب المسجد وجود الانسان في كل مراحل حياته كذلك كان الادب والخيال مصاحبا لهذا الانسان في احساسه بالحياة وتذوقه لجمالياتها وحزنه على ما فات وترقبه لما هو آت. يلعب الادب والفنون الجميلة دورا في تثبيت السياقات المنهجية في التفكير بطريقة لاشعورية. وهنا قد يعترض من يجد في الادب صورة من المجاز والخيال الذي يعاكس التفكير المنهجي.
 ان الجواب على ذلك بسيط ويتلخص في ان هذه اللامنهجية الجمالية تؤدي في الادب وظيفة منهجية حقا في قدرتها ابراز التناقضات داخل المجتمع ووضعها امام ذهن المتلقي سواء كان مثقفا ناقدا او متذوقا قارئا. ان تركيز العمل الفني والادبي على التناقض الذي يحكم الحياة يمد العقل بقوانين هذا الصراع ودقائقه بصيغة فنية سلسة ومشوقة.
المدرسة هي التتويج الكلي للتفكير المنهجي
تصب كل الجهود التي يقوم بها افراد المجتمع على اختلاف اعمالهم ودرجاتهم في المدرسة. والمدرسة في تاثيرها ابعد كثيرا من حيزها الجغرافي وطاقمها المؤلف من المعلمين والطلاب. انها تعبير كلي عن تمخضات روح الشعب والامة كما تتجلى في عقائدها الدينية وفنونها وادابها. وتبقى مهارة الشعوب المستندة الى ثقافاتها في كيفية تقديم تجاربها "الناجحة والفاشلة" الى الاجيال للاضافة اليها وتجاوز الضعيف او القاصر منها. وامامنا بهذا الصدد تجربتان كبيرتان جدا. الاولى تجربة الاسلام في الجزيرة العربية وكيف استطاع تجاوز الخبرات السيئة للتربية الجاهلية وقدم نموذجا غير مسبوق في تاريخ البشرية على التحضر المستند الى الوعي باهمية التفكير المنهجي في الحياة. استطاع المسلمون بسرعة فائقة استيعاب النظم الادارية والسياسية والعسكرية للعالم القديم واضافوا اليها احتياجاتهم التي تناسب واقعهم فانطلقوا نحو اهدافهم واثقين من انفسهم كل الثقة.
الاعلام شر لابد منه
لا يمكن تجاوز الاعلام في اي قضية من القضايا التي تخص الاخلاق او التربية او الثقافة. ان تاثير الاعلام على جميع افراد المجتمع عمريا وثقافيا قد يمثل الان سابقة لم تعرف البشرية لها مثيلا من قبل. ولهذا السبب يضع الاعلام بكل قنواته واجهزته تحديا حقيقيا امام التفكير المنهجي لدى الاجيال العراقية الجديدة مثلها في ذلك مثل كل اجيال البشرية باختلاف استفادتهم من تجاربهم والبناء عليها.
ان هذه المؤثرات الاربعة والتي افترضناها كاساسيات في بلورة التفكير المنهجي تتفاوت من مجتمع الى اخر. ومن المؤكد ان الدين الاسلامي خاصة في البلدان التي غالبيتها مسلمة يشكل العامل الاكثر اهمية في اكساب التفكير منهاجيات عقلانية مؤمنة.
 ان المشكلة اليوم كما عبر عنها ابو العلاء المعري قبل الف سنة تقريبا عندما وصف اهل الارض بانهم اثنان: اما ذو دين بلا عقل واخر عاقل لا دين له.
لا اعتقد ان اية عقيدة شهدتها البشرية مؤهلة ان تضع العقل والدين موضعهما التكاملي المنهجي مثل الاسلام.

 

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home افكار افكار التفكير المنهجي
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة