| مدرسة اهل البيت (ع) |
|
الشيخ يوسف الصميدعي يسري هذه الأيام انطباع بين العامة والخاصة على السواء بفشل حركة الفكر الإسلامي المعاصر عن استيعاب التطورات الاجتماعية والاقتصادية العالمية. ويتمظهر هذا الإحساس في مظاهر عدة أهمها اضطراب التنظيمات السياسية التي تتبنى الفكر الإسلامي إضافة إلى بروز تيارات التشدد والتكفير على نطاق واسع. ويقابل كل ذلك إحساس بالمفاجأة لدى بعض شعوب المنطقة التي بدا أداء الإسلاميين في السلطة ليس مقنعا بدرجة كافية. بل وتحول الأمر في بلد مثل أفغانستان إلى حرب أهلية طاحنة لا تبقي ولا تذر. أما في مجال الكتابة والتأليف فقد اتضح ان أزمة الفكر الإسلامي "السياسي والاجتماعي والاقتصادي" بعيدة الغور وعميقة الجذور وان ما يقال على المنابر يعبر عن فكر حماسي أكثر مما يصلح كبرامج عمل تسد الفراغات التي يعانيها الاجتماع الإسلامي. وإزاء جهود معلومة ومشخصة وفي مقدمتها الجهود النقدية والتنظيمية للشيخ محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وحديثا لدى مالك بن نبي والشهيدين شريعتي ومحمد باقر الصدر ويمكن ان يضاف إلى هذه القائمة من حيث الكتابة والتنظير المرحوم عبد الوهاب المسيري. فان مجمل النتاجات الفكرية المطروحة على الساحة لا تكاد تلبي حاجة المجتمعات الإسلامية في كل مرافق حياتهم.السؤال الحائر أثناء كل ذلك يتردد في النفوس سؤال بقي دون إجابة مدة طويلة من الزمن يتعلق السؤال بدرجة الاستنزاف التي يمكن ان يكون مارسها الانقسام الطائفي في المجتمعات الإسلامية. ثم ينسحب السؤال بعد ذلك إلى إمكانية ردم هذه الفجوة التي خلقها ذلك الانقسام. يذهب الكثيرون من حسني النية إلى الحديث بفرح مبرر ومسوغ عن حديث النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم "اختلاف أمتي رحمة". قد لا يدرك هؤلاء ان الاختلاف الذي قصده النبي الأكرم هو ليس الخلاف الذي يعنيه اللفظ وتؤكده الوقائع. كانت قد صدرت كتب وأفكار في الدعوة إلى "إسلام بلا مذاهب" وقد افترضت هذه الأفكار والكتابات ان المذهبية هي أصل الداء في العالم الإسلامي وان التمذهب الديني وقد تحول إلى طوائفي قد أضاع معالم الدين لصالح حدود الطائفة. ويذهب أصحاب هذه الأفكار إلى ان وقفة "جريئة" من علماء الدين البارزين والمهمين مسموعي الرأي قد تفلح في الدعوة إلى إلغاء المذاهب في الإسلام والعودة إلى المنبع "القران والسنة النبوية". ليس من شك ان هذه الدعوة تحمل إضافة إلى براءتها وصدقها علامات الثقة بالله والإيمان بقدرة الإسلام على مواجهة التحديات والصعوبات. لكنها في الجانب التطبيقي والعملي تعاني مصاعب جمة قد تجعل من تحقيقها مستحيلا. لكن المثير والطريف ان بعض الكتابات العلمانية قد اعتبرت ان موجات العولمة سوف تمارس تأثيرا على الناس يجعلهم متشابهين بتنميط ردود أفعالهم إزاء الأحداث والمواقف الجديدة. وان التقنيات الحديثة سوف لن تبقي مجالا كبيرا لتحكم الفكر الطوائفي "ويقصدون الديني أيضا" لدى المسلمين. وهذه الدعوة العلمانية "على سذاجتها" يمكن الاستفادة منها في برامج عمل لدى مختلف الفرق الإسلامية. إذ يتيح الإعلام الحديث بمختلف أشكاله فرصة غير مسبوقة لتوحيد الأفعال وردود الأفعال إزاء القضايا المختلفة. ولو اخلص الإسلاميون النية لله واستعانوا بالعلم الحديث وتقنيات الاتصال فسوف يمكن لهم الوصول إلى إسلام دون مشكلات مذهبية وليس إسلام بلا مذاهب كما يذهب بعض الكتاب والمفكرين. ولابد لكل عمل جذري وعظيم مثل إسلام بلا نزاعات طائفية ان يبدأ من نقطة محورية ينعقد حولها إجماع معقول وتستطيع ان تمارس تأثيرا قويا على عدد اكبر من الناس. وفي هذا المجال ما هي النقطة المركزية التي يمكن ان ينطلق منها الدعاة والمفكرون والمثقفون الذين يهمهم أمر الإسلام ومستقبله. مدرسة أهل البيت كي تكون الإجابة على السؤال السابق واضحة لابد من الأخذ بالاعتبار شروط الفكر الذي يمكن ان يجعل منه قابلا للتطبيق ومهيمنا على قناعات الناس. وباستقراء موضوعي دقيق لمنظومة التفكير الإسلامي فان مدرسة أهل البيت هي الأكثر صلاحية ان تكون قاسما مشتركا للمسلمين في طريقهم نحو إسلام بلا مشكلات مذهبية. ان هذه الدعوة لا تعني إلغاء المذاهب أو الحكم عليها بالبطلان بل إيجاد قواسم مشتركة معقولة بينها تتيح للمسلمين العمل الايجابي في مواجهة الصعوبات والمشكلات الحياتية دونما هذا النزيف الداخلي الذي أفقر الدورة الدموية للأمة. وباستعراض أهم معالم مدرسة أهل البيت يمكن لنا في الأخير ان نقدم أسباب اختيار هذه المدرسة نقطة انطلاق إلى توحيد المسلمين بحدود معقولة وصالحة للعمل السلمي المنتج. يمكن ان نحدد أهم ملامح مدرسة أهل البيت بالنقاط التالية: 1. مصادر التشريع. 2. شخصيات أهل البيت. 3. إجماع المسلمين. 4. الاستمرار في الزمان والمكان. 5. الامتداد الروحي. 6. العقلانية والوسطية. ولا نستطيع ان نفي كل هذه الصفات حقها من البحث التاريخي والأسانيد المتضافرة والأخبار المتواترة. لكني سوف أركز على النقاط التي اعتقد بصلاحيتها لان تكون هذه المدرسة نقطة انطلاق حقيقية نحو وحدة إسلامية حقيقية دون صخب أو شعارات أو كلام في الهواء. بالتعريف الحصري فان مدرسة أهل البيت هي المزيج الخلاق من نصوص الوحي وسيرة النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم وما عمل عليه النبي من إعداد عترته واله لصيانة القران وأحكام شرائعه وتنفيذ نصوصه. كل ذلك تمت ممارسته طيلة ثلاثة قرون أو أكثر من قبل النبي حتى غياب آخر الأئمة عليهم السلام. أهم ما تميزت به هذه المدرسة الاهتمام بالإنسان واعتبار الدين كله في خدمة هذا الإنسان من اجل سعادته في الدارين. وقد قدمت هذه المدرسة مصاديق جمة في التشريع والفكر الكلامي والاستنباط الفقهي وتأصيل الأصول إضافة إلى سيرة لا يختلف عليها المسلمون وغير المسلمين لأهل البيت وخاصة أتباعهم. والنقطة الأخرى الجديرة بالتنويه ان لا مسلم على ظهر الأرض لا يشعر بعاطفة خاصة إزاء أهل البيت النبوي (ع). فعدا عن النصوص المقدسة الخاصة بمودتهم فان جاذبية روحية شدت جميع المسلمين وفي كل العصور إلى هذه النخبة من السادة الإشراف الذين تفيض الدموع لذكرهم وتنار العقول بعلمهم وتستقيم الحياة بسياساتهم ووصاياهم. فلا شخصا ولا مجموعة في كل أقطار الأرض وفوقها وتحتها نالت من الاحترام والمحبة والتقدير والولاء الروحي قدر ما ناله أهل البيت بالإجماع. أما وإنهم أنفسهم يذكرون دائما ان خلقنا هو القرآن ويذكرون دائما ان ما جاء عنهم موافقا للقران فليأخذ المسلمون به وما لا يوافق القران فليضربوا به عرض الجدار. لقد استنوا لأنفسهم بهذا السلوك منزلة لا تضاهيها إلا منزلة القرآن الكريم. واهم مصاديق هذا الوصف استمرار هذا التدفق الروحي والانشداد العلمي والاستنارة العقلية منذ نزول الوحي حتى اليوم. وكانت أعظم المفاجآت في حياتي أثناء عملي في منظمة أطباء بلا حدود ان إحدى قرى السودان النائية وفي طرائقها الصوفية تذكر أسماء أهل البيت بطريقة تشبه العزاء الحسيني الذي تقيمه الشعوب الإسلامية في المشرق الإسلامي. وأينما حللت في هذه المناطق النائية أجد إحدى حالتين أما هذا الشغف الروحي الذي وصفته قبلا أو الانجذاب إلى أحاديثنا حول أهل البيت والاستعداد التام العقلي والروحي لهؤلاء الناس لفهم معاني هذه المدرسة وقدراتها. ان الحديث ليطول وانه ذو شجون لكن لا احد يجادل ان مدرسة أهل البيت هي ليست مدرسة شيعية ولا صوفية ولا سنية. فهي مجموع ذلك وفوقه. فمجموع ذلك يعني تمثيلها جميع المسلمين سوى من شذ وأراد ان يسرق أموال المسلمين ويتخذهم خولا. وهي صوفية معتدلة بمعنى احتفاظها بهذا اللون الأخاذ الجذاب من الزهد بحطام الدنيا. وهي شيعية بقدر ارتباطها بالقران الكريم وتشريعاته حتى أطلق الخليفة الراشد الثاني على الإمام علي وصف "القرآن يمشي على الأرض". أقولها مطمئنا ومسترحا ان هذه المدرسة هي حصن المسلمين وذخيرتهم فإذا خلصت النوايا وقيدت نوايا وأيدي المغرضين والجهلة فان نهوضا إسلاميا من نقطة هذه المدرسة يجعل من بلاد المسلمين جنة على الأرض.
|