| الفكر العربي في معركة الحداثة |
|
حكيم طرف الركابي في البداية نريد ان نتجنب الخوض في تعريفات الحداثة الواسعة والمختلفة. واعتقد ان لدى قراء العربية والمهتمين عموما فكرة عن هذا الاتجاه الذي ساد الحياة الغربية وأصبح شيئا طبيعيا وقاسما مشتركا بين جميع الفعاليات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية.. الخ في الغرب. انطلقت اغلب المشاريع الفكرية العربية الحديثة من مسلمة تتضمن ادارك العلاقة بين الحداثة الغربية و"التخلف" المشرقي على النحو التالي : ان سبب تخلف المجتمعات الشرقية عموما والعربية خصوصا يكمن في ضعف تبنيها للحداثة الغربية. وفي هذا الطرح تنسب هذه المشاريع وأصحابها صحة "مطلقة" للحداثة الغربية وإنها السبب فيما وصلت إليه المجتمعات والدول الغربية من أحوال التقدم والرقي. وقبل فحص دقة هذه المسلمة وواقعيتها نستعرض أهم المشاريع والأفكار العربية التي عالجت موضوعة التخلف العربي انطلاقا من مبدأ فشل التكيف مع الحداثة الغربية. وسوف نحاول معرفة هذه المشاريع من خلال مقولاتها الرئيسية. أهم المشاريع الفكرية في الربع الأخير من القرن الماضي برزت وبقوة على ساحة الثقافة العربية مشاريع نقدية "جريئة" حاولت ان تمس المشكلات الحقيقية للواقع العربي والإسلامي وتقترح حلولا لهذه المشكلات. لقد برزت هذه المشاريع اثر وصول المشروع الإسرائيلي إلى قمة نجاحاته واعتراف الدول العربية بإسرائيل ومن جهة أخرى فشل الدول العربية عموما في بناء الدولة الحديثة إضافة إلى الثورة الإيرانية التي فجرت الوعي بإمكان قيام الشعوب بتغيير الوضع استراتيجيا وإحلال نظام شعبي بدل الأنظمة المستهلكة التي لا تستطيع البقاء في السلطة دون حماية غربية. وإضافة إلى هذه العوامل الثلاث ثمة عامل رابع يبرز في ظهور هذه المشاريع وهو ما سمي بظاهرة " الاستثناء العربي والإسلامي ". فالذي ينظر إلى خارطة الحداثة والتقدم العالمية يلاحظ تخلف المسلمين عن مراتب هذه الحضارة قياسا إلى بقية أصحاب الديانات الأخرى. ومن ناحية أخرى تخلف العرب أكثر وأكثر قياسا إلى بقية القوميات والأعراق المنتشرة على سطح الأرض. لنلاحظ بعد ذلك أهم هذه المشاريع واهم مقولاتها. وسوف نستثني المشاريع الكبرى المبكرة التي ارتبطت بأسماء مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والنائيني وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم. ويمكن إجمالا الحديث عن المشاريع الفكرية الرئيسة التالية: 1. مشروع المغربي عبد الله العروي في نقد المشروع الحضاري العربي الإسلامي. 2. مشروع المغربي محمد عابد الجابري في أطروحة العقل المستقيل. 3. أطروحة محمد اركون فيما اسماه "الإحياء الإنساني" في الحضارة العربية الإسلامية الحديثة. من الملاحظ ان أسماء أصحاب هذه المشاريع كلهم يمتون بصلة إلى اليسار غير الشيوعي وإنهم جميعا قد اخذوا مقولاتهم من الثقافة الغربية وحاولوا تعريبها والنفاذ إلى مشكلات الواقع العري الإسلامي من خلال هذه المقولات. (حسابات البيدر) اعتقد المغربي عبد الله العروي ان بمجرد تفكيك شكل "الاصطدام" بين الحضارة العربية الإسلامية بالحضارة الغربية يفسح الطريق واسعا أمام البدائل التي يصنعها ويضعها موضع التطبيق جيل لم يستطع العروي ان يسميه أو ان يكتشفه. ورغم قوة الأداة النقدية لدى العروي في دراسته لمفاهيم الحداثة الغربية مثل مشكلات الايديولوجيا والدولة والمثقفين إلا ان التشابك بقي قائما في فكره النقدي بين أصول الليبرالية الغربية وبين إمكان "استحداثها" في المنطقة العربية الإسلامية. يفترض العروي ان السياق الليبرالي غربي محض وتلك حسنة نقدية تحسب له. لكنه يضمر في كتاباته عن الحال العربي إمكان ليبرالية عربية بنفس السياق دون ان يسميها. وهذه الليبرالية "المنشودة" حلم نخبوي عربي ليس مرتبطا بقوانين حركة التاريخ العربي واتجاهاته. فمن حيث أراد العروي التخلص من شباك المركزية الغربية فقد سقط في حبائلها واستسلم لمقولاتها. أما مواطنه المغربي محمد عابد الجابري الذي رحل مؤخرا فقد تركزت على دراسة الأنظمة المعرفية للعقل العربي ابتداء من عصر التدوين. وقد "اكتشف" الجابري ان هذه الأنظمة تتمحور حول ثلاثة حقول رئيسة هي "البيان والرهان والعرفان". أي ان هناك عقلا بيانيا عربيا تمثل في مقولات الأدب والشعر خصوصا وكذلك في بعض جوانب الفقه وعلم الكلام. أما العقل البرهاني فيعتقد الجابري انه تركز في الفلسفة النقدية التي تعلي من شان العقل إزاء النص. واعتبر الجابري ان الفكر المشرقي على العموم بعيد عن البرهان وقريب من النمط الثالث الذي هو العرفان. وافترض بالوقت نفسه ان العرفان يعني الوصول إلى الحقيقة عن طريق الإشراق والقلب دون استخدام العقل. وأطلق على هذه الوضعية اسم "العقل المستقيل". استمد الجابري مقولاته من فلسفة الفيلسوف الفرنسي جان بياجيه ولالاند وغيرهم وحاول تطبيقها على الثقافة العربية والعقل العربي. ولا نريد ان نوضح حدود " التاثر " الجابري بالمقولات الغربية سلبا أو إيجابا لكن الواضح والجلي ان الجابري وجه هذه المقولات وجهة طائفية اقصائية حارب خلالها كل الأنظمة المعرفية والثقافية غير السنية في الحضارة العربية الإسلامية. بل انه اعتبر ابن سينا عقلا اشراقيا "خرافيا" ولم يأت على ذكر الغزالي إلا لماما وهو الذي وسم الحضارة العربية الإسلامية بميسم التصوف "السلجوقي". ارتبكت المناهج النقدية لدى الجابري وأفلتت حتى ضعفت سيطرته عليها فانقاد وراء نزعات طائفية أودت به من مستوى البحث العلمي إلى مستويات التعصب الطائفي الضيق فأضاع الخيط والعصفور. ويفترض التونسي محمد اركون ان ما ينقص الحضارة العربية الإسلامية هو النقد التاريخي المقارن "الفيلولوجيا" للنصوص المقدسة "ويقصد القران الكريم تحديدا" إضافة إلى إحياء النزعة الإنسانية التي عرفها العرب خاصة في العصر العباسي مع بعض الاتجاهات والشخصيات. وقد حدد من هذه الشخصيات والكتاب "مسكويه والجاحظ والتوحيدي وغيرهم". معتقدا ان هؤلاء وحدهم أو أكثر من غيرهم "نزلوا" إلى وصف الإنسان العام في صعوده وهبوطه خارج نظام "الكياسة" الإسلامية الذي يترفع عن العامة وهمومها. يقصد اركون بالنقد التاريخي للنصوص المقدسة استخدام مناهج البحث التي اتبعها الغرب في دراسة الكتاب المقدس وذلك بمقارنة لغته بلغات طب أخرى معاصرة له أو سابقة عليه أو لاحقة به. ويعتقد ان تطبيق هذا المنهج على القران الكريم " الذي لم يذكره بالاسم " كفيل بوضع القران الكريم موضعه " البشري ". ولا يحتاج فكر الدكتور اركون إلى شرح كثير أو تطويل فقد دل على نفسه بنفسه. فهو يفترض نوعا من التماثل يصل حد التشابه والتطابق بين العهد القديم "التوراة" والجديد "الإنجيل" والقران الكريم من جهة أخرى. صحيح ان مصدر هذه الكتب السماوية الثلاث واحد إلا ان طريقة التلقي والحفظ مختلفة تماما بأدلة لا يختلف عليها احد. فقد بقي القران الكريم بلغته ونصه الذي نزل به دون تحوير أو تحريف فيما تعرضت التوراة والإنجيل إلى ألوان من التحريف يعرفها كل مبتدئ باللاهوت أو الفلسفة. وعلى هذا الأساس لا يمكن لهذه الأداة الفكرية "الاراكونية" ان تثمر ثمرة يمكنها تخصيب الفكر العربي الإسلامي وفك أغلاله. ليست خاتمة من الواضح على هذه المشاريع ارتهانها إلى أصل النص الغربي أو ارتباكها في السيطرة على محركات الواقع العربي الإسلامي ومضامينه. ولهذا السبب لم يكن لهذه المشاريع قدرة أو إمكانية على صياغة المجتمعات العربية من جديد على أساس جامع بين الحداثة والإسلام. إذ إننا نعتقد ان التمازج النقدي بين الإسلام والحداثة هو المعول ان ينتشل المجتمعات العربية والإسلامية من وهدة التخلف والتأخر وهي المهمة التي فشلت فيها هذه المشاريع الفكرية. وسوف نحاول ان شاء الله تعالى دراسة مشاريع عربية أخرى أهمها مشروع زكي نجيب محمود ونصر حامد أبو زيد وهشام شرابي فإلى اللقاء.
|