مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

رسائل متأخرة الى حكام العراق!

خضير السوداني

هذه الكلمات يمكن ان تكون متأخرة سبع سنوات أو سبعين سنة. قد يوافقها الكثير من العراقيين الذين ما زالوا يجهلون مصير بلادهم ومصيرهم الشخصي وأمنهم وقد تكون نفس هذه الكلمات نفثة مصدور وصرخة يائس طالما اكتوى بنيران الخوف والفقر وأخيرا عرف الإرهاب بعد ان مقتصرا على إرهاب الدولة والسلطة. وسوف أبدا رسائلي بمن اعتقده من الشخصيات التي أثرت في تاريخ العراق كثيرا وطبعت أحداثه وتاريخه بطابعها.
1. الملك المؤسس
سيدي صاحب الجلالة ملك المملكة العراقية المعظم: كنت صغيرا اسكن في زاوية منسية من زوايا العراق عندما تسلمت الدولة العراقية وأسست فيها مملكتك الأولى. وفي اللحظات القليلة التي أرى موكبكم يشق شوارع بغداد القليلة كنت اشعر إنني إزاء أسطورة من الأساطير. ولم تلبث ان فارقت الحياة دون ان تكتمل حدود مملكتك وترى شعبك يرفل بالعز والحياة الكريمة كما أردت ذلك وعملت عليه. سيدي صاحب الجلالة: تعلم حضرتكم ان النوايا السليمة وحدها لا تكفي.

وانك أضعت على نفسك الكريمة وعلى العراق فرصة نادرة ان يتوحد في ظل حكومة غير تلك التي اخترتها وقبلت بها وأيدتها. خرجت من الحجاز مطرودا ومن الشام مرفوضا ورحب بك الشعب العراقي اعتزازا بالعروبة ومحبة بتراث أهل البيت (ع) الذين طالما صرح والدك بأنه سليلهم فحللت في بغداد فاتحا للقلوب جالسا على عرشها ولا اعرف ما الذي منعك ان تؤدي حق خفقان هذه القلوب وتركت الأمر لرجالات القصر وعلى رأسهم الباشا نوري السعيد وإضرابه كي يستأثروا ويديروا أمور السياسة دون ان تعلم أو انك تعلم وقد وضعوا في طريقك عشرات من الحواجز التي حاولوا بها ان يعصبوا عيونك الكريمة ان ترى الواقع العراقي الصعب.
سيدي الكريم: افترض ان لجميع فقراء العراق في مدينة الثورة وفي قرى السليمانية أو في أقصى نقطة من صحراء الرمادي قد ورثوا الفقر وسوء الطالع لان مملكتك الكريمة لم تكن تعمل كما ينبغي. واعلم سيدي الكريم انه رغم جهود من استأثر بمملكتك بعد خمسة عقود من قيامها وهو نظام صدام حسين ان يشوه سمعتكم لكن قلوب الناس بقيت معكم محبة بالديار المقدسة وبأهل البيت وبالعروبة. وفي النفس غصة ألا تثمر كل هذه المعاني وطنا بمستواها ودولة استطاع أعداءك وغرماءك من آل سعود ان يقيموها ويحكموا سياستها لخدمتهم وخدمة أتباعهم حتى التف حولهم الكثير من الضباط والدبلوماسيين وقد اخترت لسوء الحظ رجلا بمستوى ساطع الحصري ما يزال العراقيون حتى اليوم لا يتدبرون ولا يفقهون سببا لاستيزارك هذا الغامض الذي احدث فجوة بين العراق وبين تاريخه العروبي الصميم المضمخ بعبير دماء أهل البيت وشعراء الفحولة العربية وفلاسفة الكلام وأرباب الاعتزال والمغنين.
سيدي صاحب الجلالة: إذا قام احد العراقيين اليوم بجردة حساب بسيطة وحاول ان يحسب ما ناله من ظلم وما وصل إليه من إحسان من الدولة العراقية التي يعيش في ظلها فكم يا ترى تتحمل جلالتكم من مشكلات هذا العراقي خاصة إذا كان يجلس اليوم مهجرا دون ماله ومغتربا وسط عياله ؟ والجميع يعرف جهودكم في التعليم وفي محاولة إدخال الأمة العراقية مضمار المدنية والتحديث فهل يصح يا صاحب الجلالة مع كل هذه النوايا ان توزع الأرض على الإقطاع وان يستعبد الفلاحون بهذه الطريقة المذلة التي أنتجت شخصية عراقية فاقدة الثقة بنفسها. فهل قرأت يا صاحب الجلالة عن الإقطاع في الغرب وكيف كان سقوطه الطريق إلى المدنية والحضارة التي تمنيتها للشعب والأمة العراقية. فكيف أصدرت قانون توزيع الأراضي الزراعية وحبوت الإقطاع المجرم بكل هذه الامتيازات؟ الم تصلك أخبار الشيوخ الإقطاعيين وما يفعلوه باقنانهم من الفلاحين؟ لابد ان حكاية هذا الإقطاعي الفاشي المجرم قد وصلتك. فقد عرف جميع أهالي مدينة العمارة بقصة الرجل الذي تم دفن جسمه وإبقاء رأسه بعد حلقه تماما وصب الماء الحار عليه أمام بقية الفلاحين بتهمة سرقة "بعض محاصيل" كان ساهم هذا الفلاح القتيل في زرعها وحصادها ولو صدقت التهمة فقد كان يدفع بها غائلة الجوع عن أطفاله.
لم تكن سيدي الكريم تعبا بهذه الحكايات وأنت الشريف الحجازي الذي لم تقبل بأقل من ان تكون ملكا. لكن أو تعرف ما الذي حصل بعد ذلك؟ دعنا من حكاية وريثك على العرش وما صاحب هذه الوراثة من خطط ومؤامرات ساهم رجلكم الغامض نوري السعيد فيها. ودعنا نركز جلالتكم على أبناء هذا الفلاح الذي مات بصب الماء الحار على رأسه البارز فقط من فوق سطح الأرض. لقد تشرب هؤلاء بالرعب والخوف وعندما هاجروا إلى المدن تخلصا من الماء الحار والموت جوعا أو قهرا استلمتهم آلة المدينة التي لم يكن ممكنا إلا ان تسقط بأيدي الطغام والجهلة والزعران. ومرة أخرى يعود أبناء هذا الفلاح ليتنفسوا هواء الذل والخوف والرعب. لقد أصبح هواء الذل ضروريا لهؤلاء من فرط إدمانه. أوتعلم يا صاحب الجلالة انك قذفت بهؤلاء دون ان تدري بضاعة سهلة أوقعتها في سلة طاغية لم يعرف له التاريخ مثيلا اسمه صدام حسين.
لقد عشت يا صاحب الجلالة في بغداد معتمرا قبعة انكليزية حتى في أيام الصيف. حسنا وليكن ذلك جزء من محبة الغرب ومحاولة استيراد حضارته فكيف تكون الحضارة وقد لعب العسكريون دورا في تهديد عرشك والتطاول على أرواح الناس حتى وصل الأمر إلى قتل الحفيد الذي التجأ للقران الكريم ونساء العائلة المالكة اللواتي لم تفلح نداءاتهن بالدخالة ورفع المصاحف من ان تأكلهم نيران الحقد والجهالة التي لم تستطع جلالتكم محاصرة سعيرها والقضاء عليها. لقد عاصرت ملوكا مثل الشاه في إيران وأتاتورك في تركيا. لم يكونوا يبعدون عنك كثيرا، كانوا طغاة قساة القلوب ولم يملكوا مشاعرك تجاه شعبك وأمتك. ومع ذلك استطاع هؤلاء الطغاة ان ينجحوا فيما فشلت فيه. لقد بنوا الدولة الراعية ومحضوا ولاء لها من الجمهور حتى بقيت هذه الدولة حتى اليوم حقيقية تملك أركان الدولة وأبنيتها وانظر ماذا حل بشعبك ودولته التي يستطيع أي آفاق ان يبتلعها بانقلاب عسكري واحد وببلاغ بائس شقي الكلمات من إذاعة بغداد كل مرة.
كنت شاهدا حقيقيا على عصر يجود بفرص لبناء الأمة وزحفت أنت الحجازي مولدا ونشأة ان تبنيها في العراق. ولكن أنى لك ذلك وقد استعنت بمجاميع من الضباط الذين باعوا ولاءاتهم ليشتروا بها ثمنا قليلا. أولم يخطر على بال جلالتكم ان هذه الحفنة من الضباط نقضوا عهدهم مع الدولة العثمانية  والتحقوا بابيك في ثورته بعد ان أيقنوا ن لا غنائم أبقت عليها سنوات التدهور العثماني. ولولا تمكنك من عرش العراق لم تكن هذه المجموعة لتخلص لك او تحبك قيد أنملة. لقد وضعوك على واجهة نزاعاتهم وولعهم بالمال والسلطة. وهذا ما اخذ بأبصار جلالتكم ان تنظروا بعين أكثر احترافا بما يجري حولكم في مرحلة بناء الدول. ولأسال جلالتكم مرة أخرى حول المستشارين الذين أحاطوا بكم وكيف فسروا لكم في هذه الفترة ما جرى في الغرب وما رآكم القوم هناك من خبرات وتجارب وأموال وكيف انحسر العرب والعراقيون إلى حدود دنيا من الوجود البائس المفتقر لأبسط درجات العيش والرفاهية. كيف سوغتم ان يكون مجلس النواب حكرا على مشايخ ابتذلوا أنفسهم وأموال الفلاحين وبقايا من العثمانية المفككة ومن أصول لا علاقة لها بالأكثرية العربية. أولم تسعفك الحصافة وأنت سليل الملوك ان تعرف معنى عزل الأكثرية عن السلطة والحكم والمال؟ وزد على ذلك بأنك كنت واعيا لهذه التداعيات وقد كتبتها وصايا وطلبات لكن ما يحيط بك من رجالات الفشل العثماني والباحثين عن المال لم يمهلوك كي تصل إلى هذه الحقائق.
سيدي يا صاحب الجلالة: لقد اثبت في سنوات حكمك حبا حقيقيا للعراقيين وقد صاحبه للأسف قيد على حركتهم لان وزاراتكم لم تكن من عموم الشعب ولا معبرة عنها. فلم تخلقوا طبقة سياسية ولم تخلقوا مجتمعا يعي ما يدور حوله فبقيت السياسة تعني محترفا لضباط فاشلين وإقطاع فاشي قاتل. فمن يا ترى قادر ان يحمل مشروع الدولة الأمة التي حلمت بها واردتها للعراقيين؟
جلالة الملك: غفر الله لك ولنا وأودعنا والعراق جميعا أثار رحمته وسداده.
مواطنكم.... خضير السوداني
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home افكار افكار رسائل متأخرة الى حكام العراق!
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة