مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

البنية الإجتماعية للفساد

عدنان عباس

الفاصل الحقيقي بين الهمجية وبين انسانية الانسان يكمن في حقيقة انجاز الانسان لعمله والعمل هنا قد يكون فضفاضا في تفسيره ومعانيه لكنه بالمجمل يمثل تلك الاعمال التي تخرج عن الذات بصفة خاصة اي انها تتخذ التعبير الوجداني في العمل، معنى ما يتصل بالمصلحة الاجتماعية العامة والتي يقوم بها فرد او مجموعة من الافراد على غرار ما يقوم به الموظفون في دوائرهم الحكومية او العمال في البناء او الزراعيون والصناع والمتعهدون والمقاولون والشرطة والقضاة ومن شابههم حيث ان قضية عملهم في واقع الحال هو دينهم ومبدؤهم ورسالتهم في الحياة بكل ما تحمل هذه الرسالة من سمو وارتقاء ومبدئية وهي ميدان نضالهم كما لو كانوا جنودا في الدفاع عن دينهم ونهجهم الاخلاقي وجمالهم المعنوي.

اما الهمجية والانتماء الى الذات على حساب العمل والانتقاص من استحقاقات المجتمع والتباهي بعد ذلك بالمكتسبات المادية لاعلاء الشأن الخاص انما هي عملية تعطير والمحتوى الآسن وطلائه ببراق الزيف والنكوص في المحتوى الى الرذيلة وعبادة الذات وهذا لعمري الفردية المفرطة التي يتمتع بها العديد من افراد المجتمع وعندما نريد ان نخفف الوطأة نقول الخوض في التردي الاخلاقي والغرق في اللامعنى.
والحقيقة التي يجب ان تقال عن تطور الشعوب الاوروبية ان السبب في ذلك التطور انما يرجع الى الاخلاص في العمل لدى الانسان الاوروبي ومدى تفانيه في الانجاز المتميز لأنه يعتقد على الدوام بانه لا يمارس العمل من منطلق انه عمل وانما من منطلق انه يحقق المصلحة العامة ولذا فقد صار هذا التوجه كما لو انه قانون سرى على المجتمع برمته وانتج شخصيات مبدعة حققت منجزات جمة في شتى الميادين. فيما انتج العمل الشكلي في الاوطان العربية عموما قوانين فضفاضة وشخصيات راكسة وحكومات ظالمة شمولية اي بمعنى ان الطينة الاجتماعية هي التي تفرز دائما طينة الدولة.
فالمجتمع يساهم الى حد كبير في انتاج حاكميه، ومن الظروف المريضة التي مرت على العراق واستقراء لتاريخه منذ العهد العثماني نرى انه من الطبيعي ان يتسنم  دكتاتور كصدام حسين قمة الدولة العراقية لعقود طويلة.
واستقراء للفترة التي تلت التغيير في العراق 2003 فانه يكون من الطبيعي ان يستشري الفساد في الاجهزة الحكومية فيما كان الفساد في العمل قد اودى بمبالغ كبيرة جدا من المال العام دون ان يترك اثرا في التنمية الاقتصادية بشتى صنوفها وهذا ايضا من هاجس الانتماء الى الذات الفردية كاخلاق سائدة في اعداد كبيرة من المجتمع العراقي.
وعلى هذا فان وجود حكومة تصل الى درجة معقولة من القبول تعد بعيدة المنال في الوقت المنظور وهذا تؤيده الآية الكريمة التي تقول: (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم). اذ لم تحدث خلخلة ذات تاثير في الانساق الاجتماعية تؤدي الى تحول اجتماعي باتجاه تحسين العلائق والسلوكيات نحو ما هو ايجابي لصالح تطور الحياة بعيدا عن النمطية التقليدية شبه المستدامة في البنية الاجتماعية.
فالعمل الجاد والمخلص الذي يبذله المرء انما يعد الفاصل بين ما يؤمن به وبين ما يدعيه امام الآخرين فان كثيراً من الناس ما يعجبك قوله الا انه في الحقيقة هواء بل ويتعدى ذلك الى الاساءة والحاق الضرر بالمجتمع وهذا ما رأيناه في المتحصلات العملية في المنجز التنموي او الاعمار او الخدمات التي رصدت لها مبالغ كبيرة وكان نتيجتها زيادة امد الخراب من خلال هشاشة المنجز الاعماري في تبليط الشوارع او الابنية وربما يسعنا القول عندما نقول ان البنية التحتية للبلد العراقي كان مضيعة للمال العام دون ان تسجل اي انجازات حقيقية على الارض في اغلب المشاريع الخدمية.
لاشك بان الموظفين ورجال الشرطة والمشتغلين في الماكنة الادارية والعاملين العاديين في البناء او الزراعة هم افراد من المجتمع ويشكلون السواد الاعظم من البنية الاجتماعية وهم من يكرس الخطاب السوي اذ كانوا اسوياء وهم من يكرس الخطاب السيء ان كانوا غير ذلك وهذا ليس ناتجاً برأيي من عدم الفهم انما هو نتيجة الانتماء للذات وهو انتماء واع بدرجة كبيرة وإلا بماذا نفسر ان الناس طيعون امام القوة القاهرة للسلطة الغاشمة؟. فيما يكونون فاسدين الى درجة الارتكاس عندما يسند الامر الى ضمائرهم؟.
العربي او العراقي عندما يذهب الى دولة اجنبية لا تبذل تلك الدولة جهدا في تثقيفه او تدريبه لكننا نراه ربما اكثر التزاما من مواطني تلك الدولة وقد يرقى الى المستوى المثالي فيها وهذا عكس طبيعته عندما يعود الى البلد الاصل وكأنما يمتلك جهازين يتحكمان في سلوكه. السلوك الجيد المتفاني باداء العمل والسلوك السلبي المنغلق في حدود مصلحة اناه.
هذا الازدواج يمارسه بين مواطنيه فهو يدعي الفضيلة ويقوم بالطقوس الدينية الا انه يعزل بين ايمانه والمبدئية وبين العمل وكأنما العمل لا علاقة له بالدين فعندما يشمر عن ساعديه وهو يقول يا فتاح يارزاق قد اعلن بهذه الجملة انقطاعه عن كل ما يتصل بالاخلاق الدينية التي يدعيها وتبدأ رحلته المليئة بالغش ومسابقة الناس بالحق والباطل حتى ينتهي وقت العمل ثم تبدأ رحلة الايمان النورية ان هذا السلوك يسود اكثرية من الناس في بلادنا بطريقة مقلقة ومخيفة.
عندما يسود فساد العمل فانه ينتج سلطة فوقية فاسدة فالزرع بعده الحصاد والزيف يليه الكساد وهذا غير من يزرع سنبلة او شجرة او عريشة عنب او محبة في قلوب الناس او وردة على طريق السابلة فمن يفعل ذلك له البشرى في دولة عادلة وحاكم مغرم بزرع المحبة والورود.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home افكار افكار البنية الإجتماعية للفساد
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة