مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

موت المدن

احمد الكافي

بخلاف الإنسان الفرد فان المدن قد تموت لكنها لن توارى الثرى وتبقى شواخصها عنوانا لتاريخ قد يصبح عبئا عليها.
ان للمدن تاريخا يمثل وظيفتها في الحياة. تتحدد هذه الوظيفة بخصائص رئيسة تشتمل عليها المدن كي تستحق التسمية واهم هذه الوظائف هي التعدد والإنتاج والتحرر. وتعمل هذه الخصائص مجتمعة في إنتاج الإنسان المديني. وهذا الإنسان يتمثل لحظات الخصائص الثلاث ودرجة تأصلها في الواقع فتبقى إمكاناته ونجاحاته مرهونة بالتعبير عن الفرص التي يتيحها مجموع هذه الخصائص وخلاصتها.

1. المدينة ضد الأحادية
يتميز النظام القروي بأحادية تطغى على أنماط العلاقات الاجتماعية وكذلك على السلوك الفردي. ولا يشذ النظام البدوي عن هذه الأحادية التي تمثل اجترار نفس المعارف والأفكار ونظام القيم والحياة عامة. في هذه العوالم لا ينبثق الجديد عن قديم ولا يكتسب القديم أي قدرة على النمو والاتصال بأفراح الإنسان وحاجاته وطموحاته. فالنظام السياسي مرتكز على أحادية القبيلة والإنتاج الثقافي يتمحور حول الشفاهية وقلة التدوين أما الإنتاج فيعتمد أما نظام "عبودية الفلاح للأرض" أو على الرعي فضلا عن الغزوات والسلب. وكل طرق الإنتاج هذه تكثف المعنى الأحادي للوجود عكس المدينة التي يتخصص أفرادها وينتظمون في أصناف مهنية متعددة يحتاج كل منها الآخر. وينطوي هذا الاحتياج على بعد آخر هو التفاهم بين هذه المجموعات المختلفة. وينتج عن هذا التفاهم ثقافة الحوار الواسع الذي يضمن للمدينة ان تستمر وتنمو. فإذا كان ضمان استمرار القبيلة البدوي بالغزو أو الرعي ونظام الريف بسيادة نظم عبودية الري والأرض فان استمرار المدينة هو في احتواء التعدد وتقنينه. ولهذا السبب مثل سقوط الإقطاع ونهاية دوره انبثاق المدينة تعبيرا عن علاقات تبادل إنتاجي وثقافي متطورة ومختلفة.
ان الساكن في القرية أو البادية يعرف جميع من حوله وهم يعرفونه أيضا ويلف هذا الوجود سكون ورتابة تعيد نفس وقائعها تقريبا كل يوم فلا تشرق الشمس ولا تغرب الا على اجترار وتكرار لا يشعر به سكان القرى أو البوادي. أما الساكن في المدينة فلا يعرف جميع الناس ولا يعرفونه الا بمهنته. فهذا الذي يقطع تذاكر الماء أو الكهرباء في البيوت أو المدرس الذي يستقبل الطلاب أو عالم الدين الذي يؤم الناس في الصلاة أو غيرهم يعرف بوظيفته لا باعتباره الشخص فلان الذي أراه كل يوم في القرية أو البادية واعرف تفاصيل حياته كما يعرف تفاصيل حياتي.
والآن فان المشكلة في موات المدن "الشرقية" أنها تمثلت علاقات البوادي والأرياف في طرق معيشتها وتنظيمها وأساليب حياتها. فلم يعد للتعدد تلك الوظيفة التي تحتمها طبيعة الحياة والحاجة إليها. ولهذا السبب تتجزأ الحياة وتعود وحدات قبلية معزولة لا تعبر عن أشكال التضامن التي يقتضيها الوجود المديني. فنصبح في هذه الحالة إزاء ريف كبير أو قرية كبيرة اسمها بغداد أو القاهرة أو الرياض. ففي بغداد مثلا يمثل الذهاب إلى مستشفى عام معضلة نفسية حقيقية. فابتداء من نظام المواصلات الهمجي حتى قاطع تذاكر المستشفى الذي يعتبر نفسه ابقراط زمانه فضلا عن الطبيب الذي يريد ان يقتل المريض بحنقه وسوء أخلاقه وتبرمه بكل شيء. فالمريض الداخل للمستشفى يشبه البدوي الداخل غزوة في الصحراء أو الريفي الذي يحاول ان يشق مجرى للماء ليسقي زرعه وقد يتجاوز على غيره في كل لحظة بحكم التداخل في شقوق الفلاحين الآخرين. وان نفس العلائق يسلكها الطالب في ذهابه إلى المدرسة أو السيدة الذاهبة للتسوق أو الطفل في تفتحه وتلقيه المعارف في الحياة. كل ذلك يشكل موتا "وظيفيا" للمدينة عندما تنعدم فيها أجواء الثقة ومقاييس المهنة والخدمة لصالح الأخلاق القروية أو البدوية التي تتحكم بالعقول والنفوس وتفرض إيقاعها على الأرض.
2. الإنتاج
لا يمكن ان تتسق المدينة مع اسمها ووظيفتها دون ان تكون منتجة. وليس المقصود بالإنتاج هنا الإنتاج المادي فقط بل الإنتاج الروحي والثقافي أيضا. ان المدن التي لا تتنفس الإنتاج والإبداع لن تستطيع الاستمرار في حمل اسمها كمدينة. وعلى العكس من ذلك تتحول العلاقات الإنتاجية داخل المدينة "الميتة" إلى علاقات تبادلية تشبه المقايضة البدائية التي تمارسها القبائل دون تطور ولا إبداع.
ولو أخذنا عل سبيل المثال مدينة مثل العمارة. فالمدينة المركز تحف بها ثروات طبيعية من كل نوع اذ تجاورها الاهوار والمزارع وأرياف مختلفة الإنتاج والمحاصيل. فلو كانت العمارة "ميسان" تمتلك مقومات المدينة لامكن لها ان تصبح مدينة عظيمة تشبه المدن الأوروبية التي تنتج المحاصيل الزراعية في مصانع قريبة من مصادرها الأولية. وبموازاة ذلك تنتج المدينة أيضا القيم التي تناسب هذه الصناعات فالذي يدخل المدينة من الريف يتمدن وليس العكس بان يريف "ينقل قيم الريف" إلى المدينة. هذا الأمر لا ينطبق على مدينة حدودية أو طرفية مثل العمارة فقط فهو ينطبق أيضا وبدرجة أكثر وضوحا على مدينة تاريخية ومركزية هي العاصمة بغداد نفسها.
يشكل الإنتاج العلامة الأكثر قدرة على إبراز صفة الجماعة. والمجتمعات المنتجة هي المجتمعات القوية. وعندما تتخلف المدينة عن الإنتاج تتحول إلى سوق استهلاكية واسعة. في هذه السوق لا اثر لاقتصاد حديث يستطيع ان يراكم رأس المال ويبني مدارس ومستشفيات ويعبد الطرق... الخ.
من الغريب ان تفتقر مدينة مثل بغداد إلى مترو للنقل العام بدل هذه المأساة اليومية في الزحام الذي يعبر عن نفسه بالجنون باستيراد السيارات وبقاء موديلات الخمسينات عاملة بهذا الاختناق الذي يعبر بعمق عن موت المدينة داخل نفوس أبنائها.
3. التخلص من الأوهام
قامت المدن في أساسها على مجموعة علاقات بين الناس أساسها الثقة وملحها التحرر. فإذا كان الطعام لا يستساغ بغير الملح فان ملح المدينة هو التحرر عن الأوهام التي حكمت القبائل أو الإمبراطوريات والمرتكزة على فكرة الرأي الواحد أو  الحقيقة الواحدة والتي طالما ساعدت على نشوب الحروب واستمرارها. وإذا كان القليل من الملح ضروريا لطعام فان زيادته قد تفسد مذاق هذا الطعام. وكذلك في قضية التحرر عندما تصبح قضية لذاتها وليست لاستمرار جمال الحياة وديمومتها فتتحول إلى انفلات قد يضرب عصب المدينة كما يحدث الآن عند أفول عصر المدينة الغربية الراعية للحرية والإبداع. وللأسف فان مدننا تقفز إلى هذا المنعطف دون ان تمر حتى بمرحلة البناء التي مرت بها المدينة الغربية. فقد عصف الفساد الجنسي والمخدرات والفساد الادراي بالمدينة العربية مبكرا وقبل ان تصل درجة العلاقات بين الناس إلى علاقات مدينية كاملة أو معقولة تتوفر على حد أدنى من "المدنية".
ان الذي يتجول في بغداد هذه الأيام وقبل ذلك أيضا يمكن ان يلتقط مجموعة كبيرة "جدا" من الظواهر التي تدلل على تشوه مفهوم التحرر إلى تحلل. ففي ظل منظومة قيمية إسلامية دقيقة ورفيعة وواضحة يتجاوز الناس كل هذه المنظومة ليكثر الغش في الأسواق وتسود العلاقات النفعية وينفجر السلوك الغرائزي الجنسي ويملا أولاد الشوارع الطرق والساحات... الخ.
ان المسؤول عن كل هذه المظاهر المحزنة ليس النظام المقبور وحده. فقد رضي الناس وثقافاتهم ان يتحولوا إلى إمعات مرة للإيديولوجيات اليسارية دون ان يعرفوا معناها ومضمونها وأخرى للقومية التي سامتهم الخسف وسوء العذاب. أما اليوم فهم اسارى استعمار الميديا الإعلامية التي وجهت تفكير العراقيين بسهولة قياسية. ان الذي يتحكم بتحرر المدينة العراقية اليوم هو إيحاء الإعلام لدى النخبة والعامة على السواء.
ان تاريخا للمدينة العراقية يقوم على التعدد والإنتاج والتحرر رهن باستيقاظ حس الوطنية العراقية المبدع والخلاق غير الكسول والقادر دائما على استنبات مشاريع الجمال والحق وتعميم فكرة الخير على كل مرافق الحياة. وإسباغ طابع البهجة والاحترام والانضباط في كل مظاهر الحياة. والحقيقة إننا أمام أجيال عراقية يستر الله من سلوكها ومن مستقبل العراق في الأجواء التي تسبح فيها أفكارها ومنظوماتها.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home افكار افكار موت المدن
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة