|
عامر مهدي يتعرض النظام السياسي الى التشوه والانغلاق الى درجة تصيبه بمرض الاستحواذ الذي لا يستطيع معه ان يرى النقاط الفاصلة بين الدولة والمجتمع. وينهض هذ التشوه على قاعدة من فلسفة سياسية معينة تؤدي الى بروز قوة تهمين على الدولة وقد تسمى دولة داخل الدولة كما جرت العادة على ذلك في ادبيات السياسة التقليدية. ويضرب المحللون السياسيون المثل الابرز لهذا التصدع بواقع الدولة السوفيتية او الامبراطورية التي حكمها جهاز الكي جي بي أي جهاز المخابرات. فبالتضافر بين جهاز المخابرات السوفيتية والحزب الشيوعي تم الغاء بقية مؤسسات الدولة السوفيتة والتي اصبحت تابعة للمركب الناتج عن هذين الجهازين. ومن الطبيعي ان تكون وزارة الدفاع اولى هذه الاجهزة التي يسيطر عليها الجهاز الحزبي والمخابراتي. ثم تتشعب السيطرة بعد ذلك حتى تصل الى ادق التفاصيل في الدولة والمجتمع بما فيها الحياة الشخصية للافراد واختياراتهم العقيدية والدينية والثقافية.
ومن طبيعة هذه السيطرة انها "تؤمم" النشاط الثقافي والتربوي وكل الفعاليات الاجتماعية لصالح الدولة العميقة حتى تتشكل صورة الوجود الخارجي لهذه الدولة بطريقة غامضة يصعب وصفها وفهمها. لقد شكل الاتحاد السوفيتي الذي ضربنا به المثل لغزا استهلك الاف الكتب والبحوث والدراسات. فمنذ بداية العهد الستاليني "ابتلع" الجهاز الحزبي والمخابراتي كل الدولة السوفيتية التي تحولت الى امبراطورية. ليس ذلك فقط وانما امتد هذا التاثير الى دول المنظومة الاشتراكية التي تاثرت بالنظام السوفيتي نفسه. لقد افقر هذا الواقع الحياة وتنوعها وجعل الحكم والسياسة مادة للتكهن والاسرار والتصفيات الجسدية. انها رمز واقعي لغابة كبيرة تحترق بارادة ساكنيها او دون ارادتهم. واقرب الامثلة العربية والاسلامية للنظام السوفيتي هو النظام الصدامي المقبور. فصحيح ان اغلب الانظمة العربية "والاسلامية" هي انظمة ديكتاتورية شمولية الا ان النظام العراقي السابق تفوق عليها جميعا في الدرجة حتى حاز اقصى درجات الدولة العميقة. ان شخصية ومزاج البعثيين العراقيين هي شخصية مافيوية منذ بدايات تشكيل الحزب وقد دلت احداث المجازر التي اعقبت انقلاب 8 شباط 1968 على هذا المضمون المافيوي للبعثيين. وتماما مثل النازية وقد استمر البعثيون في العمل بعد تصفيتهم من قبل احد منافسيهم والذي لم يكن سوى رئيس الجمهورية العراقية الثانية. فخلال الفترة الممتدة من تشرين عا 1963 حتى تموز 1968 عمل هؤلاء بالاسلوب النازي حرفيا. فمن جهة قدموا انفسهم للعالم باعتبارهم حزبا علمانيا ديموقراطيا وقوميا. وخلال نفس الفترة انشاوا جهازا سريا للاغتيال والتصفية تم اطلاق اسم "حنين" عليه لاحقا. ومنذ بداية عودتهم للسلطة عام 68 شرع البعثيون في عسكرة الدولة بطريقة واسعة ابتدات بقصر النهاية وهو الاسم الذي اختاره البعث نفسه لارهاب كل العراقيين باعتباره المكان الذي لا يعوج منه الشخص بعد ذلك الى الحياة اذ ينتهي في هذه الدار التي كان يشرف عليها رجالات الدولة انفسهم وليس مجرد مدير للامن العام كما هي العادة والتقليد. سنوات الموت والدمار منذ البداية شرع البعثيون بتكوين الدولة العميقة التي اشرنا اليها في الحال السوفيتي. وبالفعل كانوا متاثرين ومقلدين للنموذج الستاليني الذي سحرهم. لقد اعطى هذا النموذج احساسا بالسيطرة لدى هذا النفر الذي وجد نفسه على سجة السلطة في العراق في غفلة من الزمن. لقد كانت النتيجة معروفة بعد ذلك لجميع العراقيين عندما انشا النظام اكثر من عشرة اجهزة امنية رئيسة "توجها" بجهاز الامن الخاص الذي يشرف على جميع الاجهزة الامنية. ومن الطبيعي ان يضع على راس هذا الجهاز احد ابناء الطاغية المقبور فاكتملت حلقة الحكم بين الطائفة والحزب والمدينة فالعائلة. ودخل العراق عصورا ليست مظلمة فقط اذ ان صفة الرعب فيها الصق من صفة الظلام. الجذور لا يكفي الكلام عن الدولة العميقة او الدولة داخل الدولة تعداد مساوئها وخطورتها بل لابد من البحث عن الاسباب الاجتماعية والثقافية التي تجعل من امر هذه الدولة ممكنا وممتدا طويلا في الزمان. وفي الحال العراقي فان فلسفة الانكشارية التي استنها العثمانيون وما سبقها من الجيش التركي الذي جلبه الحاكم العباسي المعتصم كانت بدايات الدولة العميقة. مثلت الانكشارية اسوا انواع الدولة العميقة وقد استمر حكم المماليك "وهم امتداد للانكشارية" اكثر من 120 سنة في العراق. وبعد بروز الدولة الحديثة على يد الانكليز عام 1923 اتخذت الدولة العميقة شكلا مخففا تمثل بسيطرة النخب المدينية المتحالفة مع الانكليز والاقطاع. ورغم ان هذا التحالف قد يوصف في بعض الادبيات كتعبير عن علاقات جديدة تخص دولة ظهرت للوجود فان مضمون الدولة العميقة وطريقة عملها كان متوفرا في هذه التركيبة. اذ ان النتيجة المترتبة على هذا التحالف هي السيطرة على جهاز الدولة ومنع دخول "آفة" المشاركة الشعبية سواء في الحكم او في الثروة مما افقد الغالبية العراقية حقها ان تخطط لنفسها وان تخرج من غفوتها الطويلة. ان الدولة العميقة تعبر في محصلتها واسبابها العميقة عن سبات عميق لقوى المجتمع وثقافته. ومن هذا السبات تتخلق اساسيات جريمة الدولة داخل الدولة دون ان يستطيع احد التنبيه اليها والتحذير من مخاطرها. ويمكن بهذا الصدد التذكير بقيمة التعدد الذي تبنته الانظمة الراسمالية الذي يشكل مانعا امام الدولة العميقة التي تبتلع مجتمعها. تشكل الاجهزة الرقابية المؤسسية والشعبية منها في الانظمة الديموقرطية جدارا صلبا يمنع امتداد دولة عميقة داخل الدولة الشرعية. ومع ذلك افرز نظام الاستهلاك المنفلت من الاخلاق والمعنى في الغرب ما يمكن اعتباره دولة عميقة في قطاع المال والاعمال. ورغم الاضواء الكاشفة اليومية والتحذير فقد استمر قطاع المال في امتداده كقوة تحاول ابتلاع الدولة والمجتمع. وبالفعل ظهرت بوادر هذه الدولة العميقة في ازمة انهيار المصارف التي حدثت في قلب المؤسسة الراسمالية داخل الولايات المتحدة الاميركية. ونظرا للامكانيات الحيوية التي تتمتع بها الاجهزة الرقابية في الغرب امكن احتواء هذه الازمة ووقف تداعياتها وتنبه الغرب كل الغرب الى ضرورة اعادة النظر في الانظمة المالية والمصرفية بطريقة اخرى. وهذا الامر لم يحدث في العراق ولا يشكل تقاليد عمل في الفكر العراقي والنخبة العراقية على السواء. لقد انخرط العاملون في الثقافة والسياسة في الايديولوجيات القومية واليسارية والاسلامية في نشاط منهجي منظم لابد ان يؤدي في حال استلام أي منهم السلطة الى دولة عميقة فقد اثبتت الانقسامات في الاحزاب المكونة من هذه الايديولوجيات صدق هذه النظرة حتى قبل ان تستلم السلطة وبعد استلامها في الاخير. لقد افقرت الدولة العميقة في العراق البلاد من كل شيء وبدا العراق عاريا حتى من ورقة التوت. مجموعة من البنايات القديمة والشوارع المتهراة والناس المتعبة والثروات المبددة. وهذا هو حال الاتحاد السوفيتي مع فارق ان النخبة السياسية السوفيتية عملت على "لملمة" الوضع والبداية بترميم الخراب الكبير. ورغم صعوبات الامر في دولة مثل روسيـا الا انها تمكنت بالفعل من انجاز الكثير. وفي ظاهر الامر فلا امكان لعودة الدولة العميقة في العراق بعد توزيع السلطة وما طرح من افكار فيدرالية في الدستور العراقي نفسه. الا ان مشكلة ثقافية تبرز من ثنايا هذا التفسير وهي ان الناخب الذي صوت على الفيدرالية لا يعرف على الاغلب شرطها وشروطها وثقافتها. ويمثل الوعي الشعبي العام باصول السياسة جزء من ثقافة مهمة وضرورية تمنع عدوان الدولة العميقة على الدولة الشرعية. واعتقد ان تعدد وسائل ومنابر التعبير والاعلام يمكن ان يشكل تغيرا نوعيا في مزاج ونظرة الانسان العراقي ازاء الدولة العميقة التي يمكن ان يتقوض ينتهي امرها داخل العقل الفردي وقناعاته تجاه السياسة والاجتماع. |