مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

فجر العراق الجديد

مثنى عبد الاله

لا يعلم الناخب العراقي الذاهب للادلاء بصوته بعد ايام من كتابة هذه الحروف اتصال هذا التصويت بازمنة العراق المختلفة. فهو تجاوز لصعوبات الماضي وماسيه وتثبيت للحاضر واركانه وصناعة للمستقبل واماله. يحق للعراقيين ان يفخروا بالذي انجزوه في هذه المدة القياسية من الزمن.
ينبغي في البداية ان نذكر حقيقة ونذكر بها بالوقت نفسه جميع المهتمين والعاملين بالشان الثقافي والسياسي. تعتبر العملية السياسية في العراق من اكثر عمليات التحول انكشافا في التاريخ البشري كله. فاذا استعرضنا التجارب المهمة في التاريخ بما فيها الثورات والانقلابات وتنصيب الرؤوساء او ذهابهم لن نجد موضوعة سياسية تم تسليط كل هذه الاضواء عليها بمستوى التجربة العراقية المعاصرة.

لقد اخذ الاهتمام بهذه التجربة بعدا عالميا غير مسبوق اذ تعتبر جميع الاطراف الاقليمية والدولية الثقافية والانسانية وحتى الانسان العادي ان امر هذه التجربة يخصه بوجه من الوجوه. ومن الناحية الاخرى فان التغطية والاضواء الاعلامية التي اعتبرت المختبرالعراقي دسما بما فيه الكفاية لم تدع شاردة ولا واردة تخص هذا المختبر الا واتت عليها. فمن تفجيرات الاربعاء او الاحد الداميين الى احزان طير "وحيد" في سوق الغزل مرورا بعقود النفط ومشكلات البرلمان كلها تبرز يوميا وتفصيليا وبالارقام للمستهلكين!.
والمستهلكون لم يملوا بعد من تلقي نتائج المختبر العراقي وما تزال في جعبة هذا المختبر الكثير الذي لا يدركه الذاهب يوم 7 اذار كي يزود هذا التاريخ الملتبس بحقنة جديدة قد تعيد التوازن الى اركانه المهتزة والحياة الى روحه التي تغط في سبات طويل.
وياخذ الانكشاف الاستراتيجي غير المسبوق للعملية السياسية في العراق ما يمكن ان نسميه "اركان الشر" الذين لا يتورعون ان يبيعوا لكل من يدفع او يساهم في تخريب هذه العملية اسرار البلاد ووقائع الجلسات حتى لمنظمة مثل القاعدة. وازاء هذا الانكشاف فان الانجاز العراقي الذي تحقق يعتبر كبيرا بحق. وهذا ما تحاول ان تغيبه الاعلاميات الفضائية وغيرها مستغلة جيلا من المتحدثين والكتاب الذين لا هم لهم سوى التشكيك بكل شيء وكانهم غير مصدقين ظهورهم على شاشات التلفزة مثل الاطفال الذين يلعبون بلعبة ملونة اول مرة. لقد استخفهم الموقف واسكرتهم شهوة الشاشة الكاذبة فراحوا يوزعون افكارا سائبة وتائهة ذات اليمين وذات الشمال دون ان يصغوا لنداء التاريخ او ماتبقى لهم من ضمير وطني ازاء ما يجري والامال المعقودة على الانتخابات وضمان نتائجها.
معنى الفجر الجديد
اذا دفع الفضول قارئا ما ليقرا عن تاريخ العراق القديم جدا والمتوسط والحديث فيمكن ان تغشى عيناه وتفزعه كمية الدماء التي اريقت والارواح التي ازهقت بفعل ازمة السلطة في العراق. واذا كان ليس صحيحا "علميا" هذا الربط والتعميم في دراسة التاريخ الا ان جانب الالم الانساني والعجب من هذا التاريخ قد يسمح بهذا الاطلاق. لقد ورث العراقيون مشكلات صعبة تخص طريقة ادارة دفة السلطة فاصبح أي نظام سياسي يحكم في البلاد يتلبس لبوس العنف والقوة ويحاذر كثيرا "الرفق" بالعامة. وفي التعبير الحديث المشاركة السياسية او الديموقراطية. لقد انتج سوء الوضع السياسي هذا اشكالا والوانا من الاخلاق الاجتماعية والفقر ظلت تصاحب الوجود العراقي وكانها من طبيعته. فازمة الثقة بين الانسان العراقي واخيه امتدت لتشمل انظمة الطوائف والقوميات. وعلى الرغم من "ترويجنا" لموضوعة التسامح العراقي فان اسباب العداء كامنة وتعبر عنها النكات الشعبية او لحظات الاصطدام او تفكك الدولة. وبالنتيجة العامة فان الشقاء العراقي مصدره السياسة بالدرجة الاولى. وعلى الرغم من النظريات التي تذهب الى ان الاداء السياسي في أي بلاد يمثل نتاجا لثقافة هذه البلاد وطرائق تفكيرها فان السياسة في العراق تصلبت على قوانين "لا تعترف" بالثقافة واصبحت هذه القوانين من الصلب بدرجة قاومت الزمن. فالزمن العراقي الحديث الذي يبتدئ مع نشوء الدولة في العراق قبل قرن تقريبا هو زمن التعليم الواسع والحديث وكذلك الانفتاح على الغرب والثراء النفطي واتساع التاثير الاعلامي الا ان كل ذلك ابقى التصلب السياسي عند حدوده الاعتباطية القاهرة الاولى. شكلت هذه الحدود سياجا امام المواطن العراقي ان يشعر باستقرار وامان داخلي او خارجي. وفترات قليلة هي التي "تمتع" بها العراقيون في ظل نظام مزدهر او وضع مستقر او نعمة وارفة.
محطات مهمة
في التاريخ السياسي للعراق الحديث ثلاث محطات مهمة تمثلت بشخوص وصلوا الى السلطة بظروف ملتبسة. فقد جاء الملك فيصل بقرار انكليزي وقبول "شعبي ونخبوي" عراقي. اما عبد الكريم قاسم فقد "وثب" الى السلطة بانقلاب عسكري تحول بعد ذلك الى ثورة شعبية حقيقية في الداخل العراقي. اما عبد الرحمن محمد عارف فقد استلم السلطة اثر مقتل اخيه. مثلت هذه المحطات الثلاث بشخوص زعمائها فترات كان يمكن الوضع السياسي ان يستقر وان ينتج طبقة من السياسيين قادرة على التلاحم مع شعبها لصناعة منظومة قيمية سياسية معقولة ولا اقول مثالية. الا ان مشكلة هذه المحطات الثلاث كانت ضحية لارث السياسة العراقية الدموي. ولئن نجا عبد الرحمن عارف من الموت الزؤام فان انقلابا عسكريا بعثيا اطاح به وابقى على حياته في حادث فريد من نوعه في تاريخ السياسة العراقية.
مثلت مرحلة الملك فيصل فترة بكر في قوانين السياسة الحديثة فبعد الخروج من الثوب العثماني المتهرئ كان اغلب الناس غفل عن الشيطنة السياسية وكان بالامكان في هذه الفترة ان تنشا تقاليد سياسية سليمة لا اثر فيها للاقصاء والعنف ولقد تم ذلك بالفعل لولا ان بدا الضباط لعبتهم القذرة في الانقلابات حيث بدا اول انقلاب في العالم العربي من العراق عام 1936. يعتبر تدخل الجيش في السياسة العراقية من الاخطاء الكبرى التي لم يتنبه اليها السياسيون او المثقفون الا لماما. واثناء ذلك دب الشقاق صفوف الطبقة السياسية التي احترفت المناورات ولم تتنبه كثيرا الى الملايين القليلة من العراقيين "من اربعة الى ستة" يمكن ان يشكلوا بثرواتهم نواة لدولة سعيدة ومتكاملة. برز الى الساحة بعد ذلك فارس حقيقي اختار التوقيت الخطا ليقفز الى السلطة محملا بكل الاماني الطيبة والاخلاق الشخصية الرفيعة. فقد كان عبد الكريم قاسم ممثلا لفترة ثانية تحمل الكثير من الممكنات التي اجهضها البعثيون بعد ذلك. وملخص التجربة القاسمية انها اجهضت المشروع العراقي مرتين. الاولى بقضائها على الشرعية الدستورية التي يمثلها النظام الملكي والثانية تسليمها العراق للبعثيين من حيث ارادت القاسمية ان تخدم العراق وفقراءه وقدا نجزت في اربع سنوات من عمرها ما لم ينجزه البعثيون في اربعين سنة. اما اضعف الحلقات في هذه المحطات الثلاث فهو عبد الرحمن عارف المستضعف. فعندما اخبره سكرتيره الخاص ان انقلابا بعثيا قد وقع وان من المساهمين الرئيسين فيه عبد الرزاق النايف وحردان التكريتي "انكر" الانقلاب ونهر السكرتير بان هؤلاء قد اقسموا بالقران الكريم ان لا يخونوه. اما هؤلاء الانقلابيون فلا يمثل القران الكريم بالنسبة اليهم سوى ما يقوله المثل الشعبي عن اللص "قالوا للحرامي احلف قال جاءك الفرج"!.
الفجر الجديد ليس كاذبا
ان اخص ما في تجربة 7 اذار القادم انها لا تخص طائفة او اوثنية او جماعة. ان توزيع المسؤولية اساس لصلاحية السلطة. وباندثار الاحتكار فان محطة العراق القادمة لن تشبه اطلاقا المحطات الكئيبة التي غادرها القطار العراقي نحو الوجهة الجديدة. فليس ممكنا بعد اليوم ان يتامر "انكشاري" او ان يقود احدهم دبابة ويذيع البلاغ رقم واحد. وبتحول هذه المعاني من المجال السياسي الى الثقافة والتربية والاخلاق الشخصية للافراد فان محطة العراق القادمة لن تشبه على الاطلاق المحطات القديمة. وليت الذاهب فجر او صبيحة او ظهر يوم 7 اذار يدرك فجر المحطة الجديدة.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home افكار افكار فجر العراق الجديد
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة