|
احمد الصالحي مسكينة هي المجتمعات التي لا تعتبر من تاريخها ومن أخطائها. ومسكينة أكثر الشعوب التي تغفو على حلم وتنهض على كابوس. والتجربة البشرية عبارة عن تراكم في الخبرات ينتج عنه فعل جديد. وهذا الفعل يتضمن أحسن ما في القديم الذي سبقه ويطرح السيئ والضار من التجربة اعتمادا على قاعدة بسيطة وبديهية هي قاعدة المصلحة. فمهما يختلف الناس فأنهم جميعا يعرفون مصلحتهم. والله تبارك وتعالى اعتبر قاعدة التدافع أساس بقاء الحياة على الأرض واستمرارها "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض...". والدفع هنا بمعنى المصالح التي تنبثق عن العيش والحاجة إلى الآخرين. وكل ذلك يرتبط في النهاية بقول أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام "ما أكثر العبر واقل المعتبرين". وبنظرة متفحصة لواقع الشعوب المتقدمة نرى ان هذه الشعوب قد استفادت من تجارب الماضي عن طريق العقل الثقافي. وإذا أردنا ان نعرف العقل الثقافي بما يخص موضوعنا فهو يعني القدرة على ترجمة طموحات وآمال الناس باعتبار مشكلات الماضي ورسم خرائط المستقبل. لقد سار على هذا الدرب المسلمون الأوائل بقيادة النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم. كان النظام القبلي في الجاهلية يعتمد التفاضل والتمايز على أساس النسب وحده في تقييم الناس وحركة التاريخ. ولهذا السبب لم تظهر سير شعبية وتفرض نفسها على الثقافة العربية في تلك الفترة.
اقتصرت السير الكبرى والحكايات والنثر المسجوع على العظماء والكبار والسادة الذين يقفون على قمة الهرم الاقتصادي والاجتماعي. اندثر تاريخ العرب شعبيا في هذه الفترة من الجاهلية ومنذ ساعات الإسلام الأولى فجر النبي (ص) وصحبه أعظم ثورة اجتماعية في التاريخ عندما اعتمد النبي القائد (ص) على المستضعفين دون ان يهمل السادة والمتمكنين وقمة الهرم الاجتماعي. كان المجتمع الإسلامي حينها بحق مجتمع الانجاز والمراكمة التي تعطلت ماكينتها بعد ذلك بسنوات عندما حلت جرثومة الملك العضوض بسيطرة الأمويين على السلطة. سار على نفس الدرب أيضا الشعوب التي نعتاش اليوم على بضائعها وسلعها وأدويتها. فاليابان مثل ألمانيا ومثل فرنسا مرت بتجارب صعبة تتمثل كما هو الحال دائما في مضمون السلطة السياسية وقدرتها التعبير عن مصالح الشعب. لقد وصل العقل الثقافي في هذه الدول إلى الدرجة التي يستطيع فيها التأثير على العقل السياسي. وليس صحيحا ان التاريخ توجهه نخب ملهمة بالمطلق. فان لهذه النخب دوراً في دفع عجلة التاريخ إلى أمام لكن بالاستناد إلى معطيات الواقع الاجتماعي الذي تساهم في تصنيعه وتهيئته وحرث أرضه القيم الثقافية. واستنادا إلى هذا المنظور فلم يكن ممكنا الدعوة إلى الحرية في انكلترا قبل وثيقة الماغنا غارتا 1640 دون ان يستند الداعون إلى هذه الحرة إلى إمكانية متوفرة "بالقوة أو بالفعل" في قناعات الإنسان العام أو حتى لدى النخبة المؤثرة. ان طريق التاريخ في تحولاته الكبرى لابد ان يمر بالإنسان العام. ولا تمثل النخب "الملهمة" لدى شعوب نائمة ومخدرة سوى اغتراب لهذه النخب ونكوص وإهمال في الواجب لدى هذه الشعوب. ذلك ما حدث في العراق مرارا وتكرارا. والذي يتابع حركة الثقافة في العراق منذ سقوط النظام حتى اليوم وحتى قبل ذلك بنصف قرن يعتقد ان مضامين هذه الثقافة ليست قادرة على تغيير قناعات الإنسان العام. ان الحواجز الفاصلة بين هذا الإنسان وبين إمكانية انبعاث روح المشاركة والوعي الأصيل بالواجب لا يمكن فهمها الا بالرجوع إلى المصادر الثقافية المؤثرة في وعي هذا الإنسان. وبعد فهم هذه المصادر يمكن لنا ان نقف على الظروف والملابسات التي حالت دون ان تستطيع هذه المصادر انجاز مهمتها في تهيئة الإنسان العام للعطاء الحضاري. ويمكن إجمالا تحديد هذه المؤثرات في: 1. الثقافة الإسلامية. 2. تجربة الحداثة الغربية. 1. الثقافة الإسلامية دون أدنى شك مثل الإسلام تجربة روحية واجتماعية فريدة في تاريخ الأمم. لقد انتقل بالعرب والعالم إلى مرحلة من العدل والتفكير العقلاني بدرجة مدهشة خلال القرن السابع الميلادي. واستنادا إلى الوحي المقدس وشخصية النبي (ص) وأهل بيته (ع) وجيل رفيع من الصحابة استطاع الإسلام ان ينفذ بقدرة فائقة إلى صميم البنية الفردية القبلية منتقلا بها إلى تنظيمات اجتماعية واقتصادية وأخلاقية راقية. وبعد هذا البناء تقتضي القاعدة التي تسري على جميع الحضارات ان ينتقل من الخصوص إلى العموم. يقول المفكر المغربي إدريس هاني "نجح المسلمون نجاحا كبيرا في صيانة التنزيل وتمثله لكنهم فشلوا بعد ذلك في عملية التأويل الضرورية كي يتحول هذا التنزيل إلى قوانين راسخة في قناعات الإنسان الفرد وأنظمة الجماعة". الا ان عودة القبيلة كوحدة أساسية للنظام السياسي والقيمي بعد نهاية الخلافة الراشدة أنتج تاريخا مغايرا. ويمكن وصف المناخ النفسي والمؤثرات الشخصية الضاغطة للإنسان المسلم استنادا إلى هذا التغير في منظومة القيم بالعودة إلى النظام القبلي بدل السير في الطريق الذي استنه الوحي وطبقه النبي باعتماد معايير التقوى والكفاءة إذ ان "قيمة المرء ما يحسن". ان مقدار التفريط الحاصل في هذه المنظومة والذي عبر عنه هذا الانقلاب القبائلي يوضح المدى الذي بلغه الفكر السلطاني من القوة حتى آخر أيام الدولة العثمانية الممتدة بجذورها إلى هذا الانقلاب الذي شوه التاريخ والشخصية. وفي العصر الحديث حالت الأنظمة الديكتاتورية والأقليات المرتبطة بالغرب انجاز عملية الإصلاح الديني الضرورية. إذ لابد من ذكر الحقيقة المتعلقة بعدم استسلام العقل المسلم في هذه الفترة الطويلة من السبات السياسي والحضاري. الا ان الغلبة بقيت للعقل السلطاني سواء في شكله الأول "القبائلي" أو وجهه الآخر "الإمبراطوري". مثل امتزاج نظام القبيلة كقاعدة لإمبراطورية مقتلا في قدرة الفرد المسلم على تلقي إسلام التنزيل الهادف تحديدا إلى صيانة الشخصية من عوامل الضعف والشعور بالضعة واحتراف الملق كما حصل بعد ذلك واستمر. 2. تجربة الحداثة الغربية سقط نظام الخلافة بفعل عاملين الأول هو مرحلة التعفن والتهرؤ التي وصل إليها على يد الأتراك العثمانيين والثاني نزعة الحداثة الغربية ودولها إلى التمدد تحت ظاهرة الاستعمار التي أطلقوا عليها هناك رسالة الرجل الأبيض في تمدين العالم وتحديثه. وشكلت ثنائية السقوط وانبعاث الحداثة الغربية مفارقة ما تزال تحكم قناعات الفرد المسلم وتشوش عليه القدرة على التثبت والبصيرة والرؤية النافذة. ان هذا الفرد يترنح تحت وطأة النظم السلطانية الإمبراطورية الآفلة والحضارة الغربية التي لم يكن مستعدا لها ولا قادرا على الاستسلام لكل ما تريده وتطلبه منه. استطاعت الحداثة الغربية ان تخاطب الإنسان في كل إنحاء العالم. وليس ذلك بدعا في تاريخ الحضارات فقد عرب الإسلام العالم القديم حتى أصبحت الكتابة باللغة العربية عنوانا للثقافة والتحضر في تلك الفترة من تاريخ العالم. ومع تغير الأزمان وتبدل وسائل المعرفة وسهولتها أصبح الغرب قبلة الثقافة حتى وان كان الإنسان يرفض قيميا المضامين الأخلاقية لهذه الثقافة. أصبحت ثقافة الغرب فرضا لابد من التعامل معه وتلك هي مهمة ورسالة الفرد والمجتمع الإسلاميين في هذا العصر المضطرب والمتحول. مستقبل الآمال والآلام طيلة الألف وأربعمائة سنة التي أعقبت الوحي المقدس أضاع المسلمون العبرة ولم يعتبروا بما حدث لهم عندما قايضوا حريتهم وكرامتهم التي حفظها لهم القرآن بقبول العبودية لأنظمة الجور والقهر. ثم زاد المسلمون على ذلك ان تعاملوا مع الحضارة الغربية الحديثة من منطق الرفض وحده. ومن التفريط بالتأويل الإنساني "كما قال المفكر هاني إدريس" إلى التفريط بالاستفادة من الحداثة الغربية من موقع ايجابي يجد المسلمون أنفسهم اليوم في موقف الضعيف والعاجز. وليس واضحا أي القوى قادرة على رسم "خارطة طريق" إسلامي للمستقبل. ان المسلمين اليوم يصنفون على أساس الدين وليس الأوطان بحكم "ممانعتهم" لقيم الغرب السلبية. واعتقد ان خارطة الطريق للمستقبل ترسمها القوى التي تستطيع ان ترسم خرائط الوطنية المحلية أولا ثم التحدي الايجابي للقيم الغربية بإنتاج ما يماثل ايجابية هذه القيم وفاعليتها ولكن داخل المنظومة الإسلامية التي دل عليها الوحي وطبقها أفراد يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ولهم صفة النبوة. |