مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

الدولة العراقية القديمة

عبد الزهرة الشويلي

في هذه الحياة اللغز فان لكل شيء وجهين. ويذهب المثل إلى ان الساعة العاطلة تصدق مرتين في اليوم. فإذا كانت النتائج المترتبة على تفكك الدولة العراقية القديمة مرعبة ومخيفة فان وجهها الآخر الأقل سوء هو إمكانية بناء دولة جديدة على أسس تحفظ وحدة العراق الجغرافية شرط الا يكون هذا الهدف "مقدسا" الا إذا انطوى في داخله على قدسية الإنسان المكون لهذه الدولة. ان المعادلة بين قدسية التراب والجغرافية من جهة وقدسية الإنسان من الجهة الأخرى هي ببساطة وبديهية أنظمة المشاركة العامة. واعتقد ان توصيف المشاركة هو الأقرب إلى الحال العراقي من لفظة الديمقراطية وإغراءاتها النظرية أو اكراهاتها "شروطها" المعولمة.

فان مجتمعا مثل المجتمع العراقي وقد تقطعت أواصره وصلته بالحداثة والتنظيم واحترام الزمن أبان حكم النظام السابق لن يستطيع ان "يقفز" إلى الديمقراطية بهذه السهولة الساذجة والتبسيطية المخلة التي تتكلم عنها يوميا أجهزة الإعلام. ان البناء الديمقراطي يفترض ثقافة سياسية تصب في مؤسسات الدولة بعد ان تكون قد أخذت مساحة واسعة من أخلاق الفرد وضميره بالدرجة التي تسمح ان تكون موجها لسلوكياته العامة ولو بالحدود الدنيا. ذلك على الأقل ما حدث في دول أوروبا الشرقية بعد تحولها من الأنظمة الشمولية الشيوعية الديكتاتورية إلى الأنظمة التعددية. لقد أنجزت مجتمعات هذه الدول وبفترة قياسية عمليات التحول من المجتمع الشمولي إلى الدولة التعددية بفترة تعتبر اختزالية بكل المقاييس.
إن الأسباب التي جعلت من هذا التحول ممكنا بحاجة دائما إلى وقفة طويلة من قبل المؤسسات البحثية والعلمية وخاصة تلك التي ترتبط بقياس الرأي العام والمرتبطة أيضا بأجهزة الدولة التنفيذية إذ ان دراسة هذه التجارب توفر الكثير من الرؤى والأفكار والموعظة في كيف يحدث كل هذا بسهولة هناك ويستعصي علينا رغم الثمن الفادح الذي نقدمه كل يوم.
إن عنوانا رئيسيا يسيطر على الأمة العراقية منذ بدايات ظهورها على مسرح التاريخ. ان ذلك العنوان هو أزمة السياسة والقيادة. وإذا كانت هذه الأزمة منسجمة مع السياق العام للاستبداد الذي طبع البشرية بطابعه قبل عصور التنوير والنهضة فانه ما عاد اليوم كذلك وبخاصة في العقود الخمسة الأخيرة.
 ان التطور الذي أصاب بنية السلطة ومضمونها الفلسفي والأخلاقي لم يعد يتقبل الشمولية كأساس للسياسة في المجتمعات الحديثة. ان ذلك ليس فضيلة أخلاقية منّ الغرب بها على الشرق فهي حسب فيلسوف التاريخ الكبير هيغل تمثل تطورا لفكرة الروح في التاريخ عندما تتحول الدولة إلى عقل كلي للمجتمع. وعندما كتب هيغل هذا المعنى وصدقت عليه الثورة الفرنسية كان الشرق الإسلامي يصارع موجات انتشار المد الوهابي الذي فرض سلطانه وما يزال على التفكير العقلي والمنهج الحضاري للإسلام إضافة إلى سياسات الدول ونظم التعليم خاصة بعد ظهور النفط بغزارة في السعودية موطن الوهابية الرئيس. ان الفارق في الحساب ضخم جدا ولا يمكن تصوره الا برؤية أكداس الجثث العراقية وضعف القدرة على منع هذا النزيف غير الأخلاقي وغير العقلاني بالمرة. ان الفارق بين هيغل ومحمد بن عبد الوهاب كموجهين للتاريخ "الغربي والإسلامي" هو الفارق بين أنظمة التعليم في ألمانيا مثلا والمدارس هناك وبين نظيرتها في حي طارق أو الجوادر أو أية بقعة من الناصرية أو العمارة.
ان "الوجه الآخر" لسقوط الدولة العراقية القديمة أنها أصبحت فورا قديمة وذلك لضعف مضمونها الأخلاقي ولشدة التصاقها بسلطة الاستبداد السياسي. ان لغة الوصف ليست منفصلة عن الواصفين أو عن متكلميها. ولهذا السبب فان سهولة وصف الدولة العراقية القديمة بها الوصف رغم قلة الفارق الزمني بين سقوط هذه الدولة وانتظار الدولة القادمة يمثل عنوانا للفشل الذي رافق مسيرة هذه الدولة منذ إنشائها عام 1923 حتى سقوطها عام 2003.
ان المنظور الذي تتوفر عليه هذه الفكرة يشكل احد أكثر الأسئلة إقلاقا للضمير العراقي والواجب ان توفر الثقافة العراقية والسياسية الإجابة الأخلاقية الضرورية عنه وهو ان الدولة التي أنشئت عام 1923 وسقطت عام 2003 كان قد أسسها الانكليز وأدارها بغير كفاءة عراقيون تراوحت تسمياتهم بين ملكي وجمهوري وانقلابي وثوري.... الخ. وان الدولة الثانية التي ابتدأت عام 2003 وفي طور التشكل الآن هي دولة أنشأها الاميركان "ورثة الانكليز" وما تزال تسميات القوى الاجتماعية الموجهة لهذه الدولة ليست محسومة سوى ان موجة من انبعاث الطائفية وفرت لهذه الدولة "التي لم تولد بعد" تسميات قاصرة تسمح بتفتيتها ولجمها عن ان تكون قوية وقادرة على البقاء خارج غرف الإنعاش الاقتصادي والسياسي والأخلاقي.
ان هذه مسألة ليست سياسية محضة ولا مرتبطة بـ"مؤامرات" دول الإقليم على العراق ولا بانبعاث ماموث العشائر والطوائفية والتكوينات ما قبل الدولتية، بل هي إضافة إلى كل ذلك تناثر الروح العراقي وسقمه عن إيجاد المشتركات الأخلاقية بين البشر القاطنين في هذه البقعة من الجغرافيا المسماة عراق. ان الذي يحول هؤلاء البشر من قاطنين إلى مواطنين هو العقد الاجتماعي الذي ينبثق عن إرادة عامة ثم يعبر عنها تنظيميا في المؤسسات والتشريع والقانون حتى تصبح الدولة عنوانا أخلاقيا للفرد ويصبح الفرد تجليا ممارساتيا للدولة. ان هذه الممارسة القانونية والأخلاقية تجد  لها اليوم في الأمة العراقية صدى من خلال مختلف أوجه النشاط الإعلامي والثقافي تحديدا. إذ ان هذه الممارسات هي التي تحدد طريقة توجه الفرد في المستقبل. لقد فشل التعليم ان يربط الأمة العراقية بالتاريخ كما كان مأمولا وكما فكر بذلك الملك فيصل أيضا. لقد تحول جهاز التعليم العراقي وبمختلف مراحله إلى مادة تلقينية ببغائية لا تستطيع استحضار الروح العراقي في التعامل مع الحداثة والاندماج والمشتركات القانونية العامة للأفراد. وان ما فشل فيه التعليم لابد ان تنجح فيه الثقافة والإعلام. وان لذلك أسبابا ومسوغات وأولى هذه المسوغات ان لكل عصر من عصور الإنسان موجهاً يطغى على بقية الموجهات.
 وإذا كان الاقتصاد هو الموجه الأكثر ثباتا في التاريخ الإنساني فان المتغيرات تتمثل اليوم في الإعلام والثقافة في توجيه الإفراد والمجتمعات نحو أهداف محددة. ان ذلك يمثل شانا عالميا وعراقيا على حد سواء. كما ان انبعاث العامل الطائفي والعشائري في العراق يمثل مسوغا ثانيا من مسوغات الافتراض بانعقاد الأمل على الثقافة والإعلام في التوجيه والبناء. إذ ان انبعاث الهويات الطائفية يمثل احد تجليات أزمة الهوية. ولن يستطيع أي نظام سياسي دون الاستعانة بالعقل الثقافي ان "يسيطر" أو ان يحل هذه المشكلات. ومن هذا المنظور تمثل كارثة انهيار الدولة العراقية القديمة وجها ممكنا للثقافة العراقية والإعلام العراقي في إعادة توجيه وصياغة قناعات الفرد والمجموع تجاه فكرة السلطة والدولة والقانون. ان ذلك لا يفترض بأي شكل من الأشكال تقويض دور السياسة أو إهمالها في عملية التحول تلك بيد ان هذا العقل السياسي العراقي ما يزال يعاني مشكلات العراق القديمة في فهمه لقضايا السلطة والسيطرة والتوجيه، ولن يستطيع بحكم هذا التكوين البنيوي ان يغادر نظراته القاصرة وان يعيد النظر فيها الا من خلال العقل الثقافي.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home افكار افكار الدولة العراقية القديمة
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة