مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

خصــائص التصـــور الإســــــلامي للحياة

عباس العميدي

شكل الاسلام وما يزال تجربة انسانية ضخمة قادت مسيرة التاريخ واعادت بعث قيم التوحيد الابراهيمية التي اندثرت في القرون الوسطى. ويبدو اليوم بعض من تشوش الصورة لدى اجيال من المسلمين وكذلك المراقبين او الذين يهمهم امر الاسلام من موقع الحب او العداء او الدراسة المحايدة. ولابد قبل كل شيء التفكير بالقصور الذي رافق عمل المسلمين وتفكيرهم في حضانة مفاهيم التجديد والتعريف بالاسلام ليس فقط خارج حدوده الجغرافية او مع المتشوقين لمعرفته وانما بالاصل والاساس مع المسلمين انفسهم وبالذات الشباب والناشئين الذين تتناهبهم هذه الايام تجارب صعبة تتمثل في طغيان بعض الحركات السلفية التكفيرية على المشهد الاجتماعي والثقافي وكذلك النزعة اللادينية او الالحادية التي رافقت مسيرة الحضارة الغربية و”سحرها” الطاغي والمتنامي على بقية شعوب الارض ومنها الشعوب الاسلامية.

اما التيار المؤثر الثالث فهو تهتك منظومة القيم الاخلاقية بعد الاجتياح الغربي لمتعارفات الشعوب الاسلامية وثوابتها. وفي كل هذا الخضم من التيه والاغتراب تتضاءل القدرة على رسم ملامح وحدود للاسلام رغم كثرة الملتزمين وبقاء التصور الاسلامي حاكما على الشخصية الاسلامية على وجه العموم.
تعريف التصور الإسلامي للحياة
تقصد الكلمات التالية والسابقة اقامة حدود للاسلام حسب النصوص المقدسة الكبرى وكذلك التجربة التاريخية وارتباط الاثنين بالمستقبل. ويمكن لمصطلح التصور الوارد هنا ان يرتبط بمصطلح هو "مضمون النظرة الى العالم" الا ان الفرق بين الاثنين فيما اقصده كبير اذ ان مضمون النظرة الى العالم يمثل وصفا "محايدا" لما ينطوي عليه احساس جماعة من الجماعات وردود افعالها ازاء الاحداث والوقائع. والتصور الاسلامي يتجاوز هذا التعريف وتلك النظرة لصالح رسوخ معنى المستقبل والتغيير سواء ذلك الذي ارتبط بالحركة المهدوية او التصور العام الذي يرفض وقائع الحاضر باعتبارها خروجا على ثوابت الاسلام الفطرية والبسيطة والتي لا تحتاج في مجال التنظيم الاجتماعي والدعوة الفردية الى مزيد من التفلسف والتعقيد النظري. فيشكل التصور الاسلامي للحياة كما اقصده ما انطوى عليه النص المقدس من ثوابت وما رافق تطبيقه من متغيرات وما ينطوي عليه من توجه مستقبلي يمتلك قدرا من الرسوخ ودرجة معقولة من الامكانية. ان الثبات الذي تميزت به هذه العوامل على مر التاريخ الاسلامي ورغم ما شاب هذا التاريخ من تجارب سياسية قاسية وخارجة عن النسق الاسلامي الاصل يجعل منها صالحة لتشكيل ما اطلق عليه التصور الاسلامي للحياة.
وباختلاف الصياغات اللفظية او المجازات يمكن ايجاز خصائص هذا الصور بالنقاط التالية:
1. اتصال الغيب والشهادة.
2. الامة مصدر السلطات.
3. الفرد والجماعة معا.
4. العدل دائما.
ورغم ما قد يلحق هذه النقاط من اضافات فاعتقد انه ينتمي الى المجاز والتنويع اللغوي. وفيما اظن فان هذه النقاط الاربع تشكل الاركان الاساسية التي يمكن ان ينهض عليها بوضوح مفهوم التصور الاسلامي للحياة.
1. اتصال الغيب بالشهادة
في اصل التصور الاسلامي للحياة فان هذه الاخيرة في امتداد قانون الوجود الطبيعي ليست مكتفية بنفسها. فعالم الطبيعة يرتبط في داخله وفي بعده الفيزيائي والكيميائي بنواميس طبيعية تعود بعد ذلك في مجملها الى السبب الاول وهو الله تبارك وتعالى. فرّع المسلمون وتشعبوا في قضايا التوحيد وما يزال الفكر الاسلامي حتى اليوم يضخ هذه المعاني وان سببت بعض هذه المباحث النظرية اشكالات على مستوى الابنية السياسية والتفكير المغالي المتعصب الذي يمثله اليوم التكفيريون. فالله تبارك وتعالى "ذاتا وموضوعا" يمثل نقطة الانطلاق وزاوية النظر في اساس التصور الاسلامي. لكن الله تعالى "ليس محايدا" اذ ان تفسير مضامين العدل الالهي والنظرية السياسية المرتبطة بالشرع تتجه نحو الانسان ومصالحه على الارض. ومن هذه المعادلة فان الطرف الموازي لله تعالى هو الانسان الذي انزلت له الشرائع وبعثت له النبوات. ونقطة التقاطع في هذه العلاقة بين الخالق والمخلوق هي حدود التكليف ودرجة الحرية. وهذا الامر ليس مستقلا عن تجربة الجماعة الاسلامية في تاريخها الطويل وظروف تفاعلها مع الفكر وعوامل الانتاج المادي وطبائع العلاقة بين مكونات الامة. لقد استقر في التصور الاسلامي استنادا الى النص المقدس مبدا الخلق لله تعالى القادر الذي لا يمسه لغوب وامره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون وانه يعيد حشر الناس وما بين الامر بالخلق وساعة الحشر يبزغ مفهوم الشرعية والسلطة ومصدرهما.
2. الأمة مصدر السلطات
شهد تاريخ الاسلام السياسي تشوها على مستويات عدة الحقت ضررا بمضامين التصور الاسلامي واعطت انطباعا "عدائيا" لدى بعض الفرق الاسلامية واقامت الحواجز بين المسلمين وصناعتهم لتجربتهم وتجديدها كل حين كما هو مركوز وثابت في اصول الدين الكبرى. وفي كل الحضارات وتجارب الشعوب فان مركز النزاع الاجتماعي يتمحور حول مصادر الشرعية في هذه الامم والدول والشعوب. وفي الحضارة الاسلامية تم خطا تفسير مبدا السيادة. ان مبدا السيادة لله تعالى لابد ان تتم ترجمته في عملية التصور الاسلامي للحياة وواقعيته الى الانسان والنظام الاجتماعي العادل الذي يقيمه واعتبار ارادة جميع الناس "الامة" والتي تعبر عنها الثقافة الاسلامية مصدر السلطات. وكلمة السلطات هنا تشمل جميع المرافق والمسؤوليات التي تنهض باقرار حقوق وتحديد واجبات الافراد في المجتمع الاسلامي. ومن عظيم الخطر ان يرتبط مفهوم الامة في بعض الكتابات الفقهية والسياسية باقتصاره "عمليا" على اهل الحل والعقد او اختزاله في طائفة او مذهب الحاكم المتغلب. والمنتظر اليوم ان تسهم جهود الفكر الاسلامي في اعادة تفعيل مفهوم الامة ليشمل كل الفعاليات الحيوية والانسانية الممتدة لدى جميع الافراد "حتى من غير المسلمين" في المجتمعات الاسلامية. ان اولوية الامة على الدولة تعبير عن شرعية النظام السياسي في الاسلام حتى قبل اختراع النظم الديموقراطية الحديثة. فالامة فوق الدولة والدولة خادمة للامة وتمثل الدولة المشروع السياسي لتمخضات الامة ورؤاها ومسيرتها والمرتبطة باصولها وضوابطها الشرعية.
3. الفرد والجماعة معا
اقامت الحضارة الغربية حاجزا "نضريا وعمليا فيما بعد" بين الفرد والجماعة. وقد استورد المسلمون المعاصرون مشكلات التجربة الغربية في عملية الفصل وترتيب الاولويات والنظر الفلسفي.
يعتقد الكثير من المهتمين والمفكرين ان عدم انبثاق الفرد في الثقافة والحياة الاسلامية يمثل اساس التخلف والتاخر في الحضارة الاسلامية الحديثة خاصة. وهذه المحاكاة للتجربة الغربية ليست صحيحة خاصة بالاطلاقية التي تمارسها والتعميم الذي تفرضه. ان فكرة الجماعة ليست موجهة في الصميم ضد الفرد في نظام العلاقات الاسلامي. لكن ذلك لا يمنع من القول ان طغيان الجماعة على الفرد مثل احد اوجه القصور التي يمكن النظر اليها بعدها نكوصا "صعبا" في التجربة الاسلامية يمكن تجاوزه وتلافيه. ان المجتمع الاسلامي الحق هو مجتمع السلام الذي يؤهل الفرد في حاضنة الاسرة والمسجد وحقول العمل والانتاج تاركا التفاصيل لهذا الفرد كي يمارس حريته ويستمتع بحقوقه دون قسر او اكراه. فلا تعارض "جوهريا" بين الفرد والجماعة رغم الصعوبات التي واجهت التجربة الاسلامية وخاصة ما يتعلق بالغزو الخارجي والحروب طويلة الامد التي رجحت كفة الجماعة على الفرد.
4. العدل دائما
(ان الله يامركم بالعدل والاحسان). يمثل العدل بؤرة النشاط السياسي والعقائدي والاجتماعي في الاسلام. تتوجه الجماعة الاسلامية بحسب اصولها الكبرى واصولها التشريعية نحو العدل بكل مضامينه وتجلياته وامكاناته لتحقيق السعادة على الارض والفوز في الاخرة. وتتفق جميع الفرق والمذاهب والعقائد الاسلامية على هذا المبدا لكنها تختلف في التفاصيل. لكن وكما يقال فان "الشيطان" يكمن في التفاصيل. ففي الوقت الذي ربط المعتزلة بين العدل والتوحيد اتجه الاشاعرة نحو نوع من القدرية التي اضعفت طاقة الثقافة الاسلامية على توجيه العدل كممارسة حياتية ووعي فردي لازم ومركوز في الشخصية الاسلامية. وقدم الشيعة وسطا ذهبيا ما تزال علاماته ليست واضحة لدى الاجيال الجديدة وليست داخلة في تصميم وهندسة المجتمع الاسلامي رغم الاغراء العميق لمدرسة اهل البيت (ع) التي تصادف هوى في نفوس جميع المسلمين فضلا عن ركوزها الحركي لدى المؤمنين منهم.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home افكار افكار خصــائص التصـــور الإســــــلامي للحياة
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة