|
د. توفيق المعيني تعيش البلدان والشعوب العربية اوضاعا “صعبة” سياسيا وثقافيا واقتصاديا. وتكمن الصعوبة في عجز الفكر العربي عن فك طلاسم هذه الصعوبات وتحويل الواقع العربي الى دول ترفل بالحرية والسلام والرخاء. وليس ممكنا بسهولة معرفة الجذور العميقة لهذه الصعوبات التي جعلت من العرب امة في اسفل ذيل قائمة الامم على صعيد التطور والمنافسة الدولية. والقضية في النهاية ليست قضية التفكير المجرد او الفلسفي اذ لابد للجهود "العامة" ان تتضافر وتتكامل كي تستطيع انجاز عملية الانقاذ والتحول باقل قدر من الخسائر وليس كما نسمع اليوم من حاصل عمليات التغيير الجزئية من نتائج مثل الحروب الاهلية والتصدعات الاجتماعية ودرجات الفقر المريع التي تعيش الشعوب العربية في ظلها. وعلى الرغم من الصعوبة في تاشير المشكلات العربية المقيدة لطاقات العرب فان اجواء من الخرافة السياسية تهيمن على واقع الحياة العربية حتى تحولت من خرافة الى واقع يومي يلمسه المفكر والمثقف. ولا يستطيع هذا المثقف او الناقد ان يتحدث عن مظاهر هذه الخرافة وطرق تحولها الى "حقائق" يومية واذا فعل فلن يصيبه سوى الندم او العزلة والموت. ولا حدود لسلطان وسيطرة الخرافة السياسية على الحياة العربية. بيد ان انواعا من هذه الخرافة يمكن رؤيتها اكثر من وجبات الطعام تقدم الى الناس يوميا وكانها جزء لصيق من واقع حياتهم يدارونه ويهتمون به مثل اهتمامهم بالبيت والاود والصحة. ومن هذه الخرافات: 1. خرافة الدولة. 2. خرافة الشرعية. 3. خرافة العلمانية. 1. الدولة ضد المجتمع من الصحيح ان كيانات سياسية حديثة تسمى دولا موجودة على الارض العربية الا ان وظيفتها قد تخالف المعنى الذي اطلق عليها في الغرب. فوظيفة الدولة العربية كما تحددت تاريخيا ونشوئيا هي معاداة المجتمع بدل خدمته. وعلى العكس من نظيرتها الغربية فقد جاءت الدولة العربية نتيجة للاستعمار الغربي الحديث. والمفروض ان لا يطعن هذا الوصف شرعية الدولة اذا استطاعت ان تاخذ لنفسها حيزا قانونيا وشرعيا في مجال الخدمة العامة. الا ان ذلك لم يحدث في الحياة العربية التي يمكن اعتبار الدولة احد عوامل نكوص القوى الاجتماعية العربية عن تلبية متطلبات الحياة العامة. وبالعودة الى لغة الاحصاء والارقام فان مجالات فشل الدولة العربية لا تعد ولا تحصى. لقد فشلت هذه الدولة اولا واساسا في حماية حدود البلاد العربية واستقلالها. وقد تمثل هذا الفشل في ابلغ صوره في التحدي "الاسرائيلي" فقد استطاعت هذه الدويلة المزروعة زرعا في الارض العربية ان تنمو وان تحقق لنفسها اسبابا من القوة الاقتصادية والعسكرية ما تتفوق فيه على امكانات وقدرات الدول العربية جميعا. ورغم مظاهر نشوء هذه الدويلة الغريبة في كل شيء فقد حققت مواصفات الدولة الحديثة في التعليم والاجهزة القضائية والتنظيمات العامة والجيش. والاكثر من كل ذلك في احياء التراث التلمودي "الميت" وابرازه في صورة حديثة تفوق في ادائها وبلغة الارقام اداء الدول العربية مجتمعة. اما المجال الثاني الذي فشلت فيه الدولة العربية فيتمثل في التعليم. اذ يعد هذا الميدان الاكثر اهمية في عملية التحول من الانظمة التقليدية القديمة الى النظام الحديث. وفي كل التجارب الناجحة شكل التعليم السبب الرئيس لهذا النجاح. ليس ذلك فقط اذ يساعد التعليم على عملية الاندماج الوطني وصهر المكونات العامة في ظل مشروع وطني يتكامل بصيرورة عملية متكاملة. ويمكن ان يحسب بعض المراقبين فشل الدولة العربية الحديثة في انجاز عملية الاندماج الوطني كاخطر وابرز عوامل فشلها. فبعد هذه السنوات الطوال من عمر الدولة الحديثة يتضح اليوم هزالها في عملية ادماج المكونات الاجتماعية حيث تشهد جميع الدول العربية بلا استثناء اضطرابات خطيرة قد تعصف بوجود الدولة ذاتها. وبالجملة فان الدولة العربية الحيدثة اسم على غير مسمى. ويمكن على سبيل الايجاز والتعميم اطلاق صفة العداء من هذه الدولة ضد مجتمعها. وتبدو التجربة العربية فريدة في هذا المجال اذ ان العالم بمجمله يسير نحو انسجام وتكامل بين المجتمع والدولة في ابسط التعريفات. اما في التجربة الديموقراطية الغربية الراسخة فان الدولة هي الخادم المطيع للمجتمع الممتثله لاوامره والمنجزة لمشاريعه والمحققة لطموحاته. وبهذا الوصف فان سحر الدولة كما غشى عيون الناس بداية القرن الماضي بان بعد ذلك عن هشاشة اصوله متحولا الى خرافة من خرافات الزمن المهدور. 2. الشرعية الناقصة تتبجح السلطات العربية جميعها بانها ممثلة لشعوبها. حتى برزت في الدول العربية دون سواها نسبة الـ 99 % التي يحصل عليها حكام مثل المقبور صدام او القذافي او مبارك او غيرهم. بل وصل الامر في العراق خلال مسرحية الاستفتاء الى وصول النسبة الى 100 %. وتمثل هذه النسب انتهاكا واضحا لحرمة الرياضيات "المحايدة اصلا" فضلا عن انتهاكها وغزوها الجسيم للاخلاق السياسية التي يجب ان يتحلى بها من يتصدى لمهمة قيادة الدول وتمثيل ومصالح الافراد. ان الشرعية ببساطة تعني تقاسم السلطة بين احزاب واضحة البرامج والاهداف من خلال صندوق الانتخابات. ورغم ان هذه النظرية والممارسة غربية وحديثة الا ان جذور الشورى واخلاق الحاكم موجودة في التراث والتاريخ الاسلامي رغم ان حكام الازمنة الغابرة ضربوا بها عرض الجدار. تتمثل شرعية السلطة في هذه الايام في امكان تداولها سلميا وبروز الوجوه الجديدة من خلال "مصفاة" الانتخابات وعدم استئثار فئة ما بهذه السلطة بعوامل القوة والاكراه. واذا عرضنا هذه الصفات على واقع السياسة العربية واخلاق السياسيين فان الحاصل سوف يكون هزيلا وربما يكون الوصف لهذا الحاصل مريعا او مرعبا. فان معيشة العرب اليوم تمثل اسوا درجات الضعف والفقر والهوان. 3. اكذوبة العلمانية يعيش العرب صراعات وهمية كلفتهم الكثير وما تزال تستنزف مواردهم وطاقاتهم وثقافتهم. ومن هذه الخرافات الشائعة والمؤذية وهم العلمانية الذي تعيشه بعض القوى الاجتماعية العربية. ولا اريد ان افصل في معنى العلمانية ولا في محدداتها الترايخية ومضمونها الفلسفي اذ ان ذلك بحاجة الى دراسة موسعة وحدها. بيدا ن واقع الحال العربي وطبيعة التكوينات الاجتماعية والسياسية والدينية العربية لا تسمح بهذا النوع من الصراع الذي ياخذ صفة غير صفته. فلا خصومة بين الدين والمجتمع في الحال العربية وعلى العكس من ذلك مثل الدين باعثا للنهضة والاستقلال في حياة العرب. واذا كانت بعض الاحزاب الاسلامية او الجماعات الطائفية قد جاوزت حدود الاعتدال والوسط فان علاج ذلك ليس بافتعال معركة العلمنة الوهمية التي يستفيد منها الحكام العرب كي يقايضوا بها الغرب على حقوق شعوبهم ودولهم. يقدم هؤلاء الحكام انفسهم الى الغرب القوي والمهيمن باعتبراهم حماة للعلمانية ضد "التعصب" الديني. وانهم اذا ما ازيلت كراسيهم عن السلطة فسوف يقفز اليها المتطرفون الدينيون المعادون للغرب. لقد استثمر هؤلاء الحكام خرافة العلمانية الى اقصى حدود الاستثمار ونجحوا في تحويلها الى ضمانة من ضمانات بقائهم في السلطة رغم مظاهر التعفن والفساد التي فاقت الحدود وتجاوزت الممكن والمقبول. المستقبل المجهول لا يمكن التبوء وسط اجواء الخرافة العربية المهيمنة بالمستقبل. والذي ينظر الى خرائط العرب الثقافية والاجتماعية والسياسية المعاصرة لن يجد سوى المزيد من العتمة والشلل وضعف الاحساس بالذات والتنحي عن صناعة التاريخ. ولانه لا ياس مع الحياة ولا ييأس من روح الله تعالى الا القوم الكافرون فان بداية العلاج تتمثل بتشخيص الداء ونزع اقنعة الخرافة عن السياسة العربية وتقديمها للناس مثل جرعات الدواء المكروهة لكنها مطلوبة كي يستقيم الجسم ويصبح قادرا على ممارسة فعالياتها بحيوية واتساق.
|