| استعادة الذات |
|
قد يشابه العنوان ما كتبه المفكر الإسلامي المرموق علي شريعتي في كتابه ذائع الصيت العودة إلى الذات. والفرق يكمن بين تناول الدكتور شريعتي للذات الحضارية وضرورة عودتها من الاغتراب الطويل عندما رهنت نفسها للثقافة الغربية دون حساب لجذرها ولعنفوانها الحضاري. وبين الذات الفردية وتحسسها الذاتي كما اقصدها في هذه السطور. ورغم تواشج واتصال الموضوعتين في النهاية والمحصلة إلا ان المسلك واللغة قد يختلفان في طريقة التناول والوصف.
قد يظن الإنسان انه حر في ما يسلك من سلوك ويقرر من قرارات وما يبني عليها من اختيارات وأفعال. واغلب الناس في كل عصور التاريخ تظن هذا الظن بدرجة أو أخرى. بيد ان الحقيقة العميقة لأصول السلوك الإنساني تكمن في "مجموعة الموجهات". وهذه الدوافع والموجهات تتشكل من مجموعة القيم المتحدرة التي تحكم التفكير العام. ورغم اختلاف هذه الموجهات بين بيئة وأخرى فإنها تبقى تمتلك ذات التأثير على الأفراد في المجتمعات المتخلفة والمتحضرة القديمة والحديثة. وفي اغلب اللغات واللهجات العربية تطلق كلمة قروي للازدراء والتقليل من أهمية الشخص . والحقيقة المشخصة ان حدود العالم لدى القروي هي حدود القرية التي يسكن فيها. فمجموع العلاقات الاجتماعي التي تنظمها القبيلة والأعراف الاجتماعية المتحدرة من نظام هذه القبيلة إضافة إلى “فكرة” عن الدين تمثل الموجه العام للسلوك "القروي". ويختلف هذا السلوك عن السلوك "المديني أو المدني" بانفتاح المدينة على تجارب وبشر وأفكار متنوعة. فيرى المديني أو المدني ابعد من حدود المحلة التي سكن فيها أو الزقاق أو الحارة. ومع ذلك فان التخلف وسيادة قوانين التقليد جعلت من حارات بغداد ومحلاتها مصدرا للقيم ومنبعا لحزمة الأفكار الموجهة "العميقة" مثلها في ذلك مثل القرية. ولهذا السبب فان المدينة "بغداد" تمثل في المخيال العام السيدة الأولى أما المحافظات العراقية الأخرى ومهما أبدعت أو احتوت من ثروات بشرية أو طبيعية فإنها لا ترقى إلا إلى مستوى الوصيفة للسيدة الأولى. والمفارقة الكبرى ان الإعلام الحديث والاتصال الواسع قد اوجد نوعا من التنميط في السلوك الإنساني يشبع السلوك القروي. لقد وصف العالم الجديد بأنه الابن غير الشرعي للإعلام مثلما وصف بالوقت نفسه بان هذا العالم قد أصبح قرية. وفي كل هذه التفاصيل فان الإنسان الفرد مقيد بأغلال التقاليد وتنبع قيمة الحداثة من كسر النمطية في هذا التقليد وفسح المجال أمام الذات الفردية كي تكتشف نفسها في إطار من التجريب يلامس حدود المغامرة مبتعدا قدر الإمكان الذي يتيحه التماسك الاجتماعي عن المقامرة. والعبقرية نتاج لقدرة الإنسان الفرد الخروج على التنميط الاجتماعي المفروض. ولهذا السبب يوصف العباقرة دائما بتهم الجنون أو الغرابة أو الشذوذ . ليس ذلك فقط فحتى الأنبياء الذين يرسلون بوحي مقدس من السماء يتهمهم قومهم بالخروج عن النمط إذ غالبا ما يحاجج مخالفو الأنبياء بأنهم يسلكون كما وجدوا آباءهم وان ما جاء به النبي بدعة لا ترقى إلى مستوى التقاليد التي اعتادوها. وهنا تكمن مفارقة أخرى كبرى من مفارقات التاريخ فكل الأنبياء "وكذلك المصلحين واغلب العباقرة" يأتون إلى مجتمعاتهم بالجديد والنافع والخير. وما يمكن ان يوصف بهذه الصفات التي تقترب مكن حدود البداهة والتسليم لن يكون كذلك ساعة اصطدامه بأنظمة القيم النمطية . والمفارقة التي اقصدها ان الناس بعد تصديقهم الأنبياء والرسل يعودون بعد ذلك إلى أشكال من التنظيمات السابقة على الوحي والمناقضة له بطبيعة الحال. ويمس القران الكريم هذه النقطة بقوة "لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم". يركز الخطاب القرآني على الذات الفردية في قدرتها على كسر النمط والتقليد. وقد مثل النبي محمد والإمام علي عليهما السلام مصداقا فريدا في ذلك. أليس غريبا إلا يسجد النبي والإمام إلى الأصنام في الجاهلية. لقد تمحورت نظم الحضارة الإسلامية في نظرتها إلى العالم وفق هذا التكسير للنمط الذي مراسه النبي والإمام بيد ان المؤسسات الراعية وكذلك الإحساس الداخلي الفردي لم يكونا كذلك. فقد عادت العرب إلى النظم القبلية أو أسترت بها بالأحرى معتبرة ذلك جزء من المفاخر معاندة ذاتها الحضارية ومعجزتها التي تحققت بالإسلام. وفي العصر الحديث مثلت الكشوفات العلمية في علم الفلك "كسرا هائلا" للنمط وقد اتضح ان الأرض ليست مركزا للكون وإنها مجرد كوكب يدور في فلك الشمس "شبه الثابتة". لقد اغضب هذا الاكتشاف رجال الكنيسة واعتبروه هرطقة توجب القتل فاعتذر صاحب الاكتشاف واعتبر ان الأرض هي مركز الكون وإنها ثابتة لينجو من الحرق الذي قررته الكنيسة على زميله الآخر “برونو” الذي احترق وبقيت الأرض تدور حتى اعتذرت الكنيسة بعد ذلك من غاليليو وبرونو. وفي الحالتين أي تكذيب مركزية الشمس أو تصديقها كان الإنسان العام يخوض معارك تمثلها لغة النخبة وطريقة اتصالها بالناس. فلا يعني كثيرا الإنسان العام في أمستردام أو نيويورك أو لندن اعتذار الكنيسة لغاليلو لكنه يعني الكثير للحركات العلمانية في فرنسا التي اعتبرت ذلك يمثل مزيدا من ابتعاد الكنيسة عن أداء أي دور سوى الاعتراف بأخطاء الماضي. بيد ان فريقا آخر من "غلاة" العلمانيين يرى العكس ويعتبر ذلك تدخلا ذكيا من الكنيسة في الشأن العام تمهيد لـ"غزو" منظم لحقول الثقافة والسياسة تشجع عليه ظروف الاضطراب العالمي وضياع الإنسان في لجة الأفكار الإلحادية التي أفقدته اليقين بنفسه وبالمستقبل. تضاءلت في العصر الحديث إمكانيات "التخلص" من آثار الموجهات الكبرى للسلوك أي حيازة قدر معقول من البصيرة والحرية في اتخاذ القرار. والغريب كما قلنا ان العصر الحديث بإعلامه وشدة ارتباط مصالحه أصبح يضخ الوجهات نفسها للقروي القابع في قرية من قرى تركستان أو وهران أو الأمازون . وفي الحالتين لا يقوى هذا الإنسان الذي يشاهد يوميا ثلاث إلى أربع مسلسلات تلفزيونيو ان يقاوم قوة النمط الذي يشبه نفس القوة التي تضخها أنماط التقاليد في القرية النائية . وقبل هذه السلطة والسيادة للإعلام والاقتصاد العابر للقوميات والحدود والشرس في توجيهه للسياسة مثل كسر النمط ثورات اجتماعية كبرى استفادت منها الشعوب في توجيه مستقبلها ايجابيا. كان غاندي في سياسة اللاعنف الشهيرة كاسرا للنمط "عنفوي" اغلذي مارسته الأمة الهندية فترة من الزمن. لقد تمحور النشاط الثقافي والاجتماعي والمؤسساتي الهندي حول ثقافة الأعنف "الغاندية" التي بنت الهند الحديثة. |