|
حسن عبد الجبار في التعريف "القاموسي" للوطن او الدولة انه اقليم يضم مجموعة من الناس تربطهم امال مشتركة وقد ينتظمهم تاريخ واحد. وجاءت الحضارة الاميركية لتعدل من فكرة التاريخ الواحد او حتى اللغة المشتركة. لكن اميركا استثناء وليست قاعدة. فالغالبية العظمى من الشعوب تشترك في اللغة والتاريخ. في العصر الحديث وبالذات في نصف القرن الاخير حدثت عدة تطورات على الاجتماع السياسي في مختلف انحاء العالم. ففي هذه الفترة انتهى عصر الامبراطوريات الكبيرة وكان اخرها الامبراطورية السوفيتية. من طبيعة الامبراطوريات انها تضم شعوبا مختلفة الثقافات واللغة والتاريخ. وغالبا ما تجبر هذه الامبراطوريات الشعوب المختلفة عنها وتقهرها لغويا وتحاول ادماجها قسريا. وتنشا عن هذا القسر ظروف صعبة وقاسية قد تتطور الى حروب وابادة جماعية كما تخبرنا بذلك صفحات التاريخ السوداء المليئة بهذه الاحداث الاليمة والصعبة. وللحقيقة والتاريخ نذكر ان المسلمين في فتوحاتهم الاولى مارسوا اعلى درجات الانسانية حتى تحدثت كتب التاريخ عن المسلمين كافضل الفاتحين في التاريخ. ساءت اخلاق الامويين فتحولت الفتوحات الى مناطق مضطربة. لكن الاسلام بقي رغم انف الامويين والعباسيين والعثمانيين قادرا ان يوحد الشعوب المختلفة على جوهر العدل والتوحيد. ارادة العيش المشترك في الصياغات القانونية لشرعة حقوق الانسان يتم التاكيد على الحقوق اللغوية والثقافية وحرية العبادة. لكن التطورات التي افرزتها الصراعات الامبراطورية القاسية وضعت شرطا اخر في هذه اللائحة العظيمة بعد جدال صاخب واختلاف كبير وهي "ارادة العيش المشترك". في الحقيقة لا يمكن بسهولة ترجمة ارادة العيش المشترك من الناحية القانونية فضلا عن تعقيدات السياسة والمصالح التي تكمن خلفها. لكن نظرة واحدة الى تاريخ الانسان في ظل الامبراطوريات وتعسفها مع الشعوب والاقوام الاخرى تدلل على اهمية ارادة العيش المشترك في استمرار الكيان الاجتماعي واخلاقية هذا الاستمرار. تخطو الانسانية خطوات عملاقة لتاكيد حقوق الانسان وتاتي فقرة ارادة العيش المشترك لتعبر عن هذا الرقي والتطور في الضمير الانساني لاحقاق الحق وجعل هذا الكوكب الارضي مكانا صالحا للعيش وليس غابة يسود فيها القوي وينزوي فيها الضعيف. مكائد السياسة بين القانون والسياسة خصام وعناد وتوتر طوال. فالقانون يبحث عن الحق والعدل والنظام. فيما السياسة تركض خلف المصالح والقوة والاحتيال. ومن النادر ان تجتمع الاخلاق مع السياسة في ظل القانون وحضانته لكنها على اية حال قد اجتمعت عندما حكم امام العدل المطلق امير المؤمنين علي بن ابي طالب الفترة القليلة من عمره الشريف. لم تتحقق هذه العدالة حتى نظريا في جمهورية افلاطون كما تحققت واقعيا في خلافة امير المؤمنين (عليه السلام). ومكائد السياسة قد تجعل من بند ارادة العيش المشترك موضوعا للاستثمار والاستغلال والالتفاف على القانون ونظرية الحقوق التي جاهد الانسان طويلا من تاريخه ليصل اليها. ارادة العيش المشترك "تعني ان فواصل كبيرة ولا سبيل الى ردمها تجعل. من المستحيل" ان تعيش مجموعتان بشريتان على ارض واحدة حتى لو كان لها علم وظلت موحدة في ظل الامبراطوريات المختلفة. لكن هذا الهدف الحقوقي والاخلاقي قد يتحول الى ممر للتدخل وتقسيم الشعوب والامم واللعب على التناقضات الثانوية وابرازها كتناقضات رئيسة. ما يجري في عراقنا اليوم لا يخص بالتاكيد ارادة العيش المشترك فالعراقيون مجمعون على ارادتهم في العيش احرارا داخل وطنهم خاصة بعد ان توارى كابوس النظام المقبور. والجميع متاكدون ان الشعب العراقي لو ترك لخياراته الاخلاقية والنفسية العميقة فسوف يعبر عن هذه الارادة بطريقة بديهية وعفوية شرط الا تدخل احابيل السياسة في خياراتها. مهمة الشرفاء العراقيين اليوم وفي كل انحاء العراق في تنمية وتفعيل قوانين وارادة العيش المشترك وتحويلها الى وقائع لا تقبل الشك والخصام. |