الرئيسية / قراءة و كتابة / كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة.. تحولات الكتابة الابداعية

كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة.. تحولات الكتابة الابداعية

احمد وديع العبسي

فنُ الكتابة فن معقد جداً، والكتاب المبدعون يعلمون جيداً أن الكلمات أقدس من أن ترمى جزافاً للتعبير عن معاني سطحية. إن المعاني السطحية اشياء تُحكى، لكنها لا تستحق أن تُدوّن، لا تستحق فعل إبداعي.. جهد وفكر وعقل وقلم مبدع يخطها للأجيال اللاحقة.
في غمرة الكتابة المبدعة للكتّاب أصحاب الفكر الإبداعي المميز تظهر حالتان واضحتان جداً تجعلان النصوص تنفتح على قراءات متعددة … بعيداً عن القراءة المحددة التي تحيل إليها المعاني المباشرة للقارئ السطحي.
الحالة الأولى: هي حالة الإبداع التعبيري، عندما يستطيع الكاتب أن يعبر عن فكرته بأسلوب فريد غير مطروق من قبل تجعل القارئ يتلمس عدة تأويلات داخلية للمعاني، ويجعل الناقد يكتشف هذه التأويلات ومساراتها المنسجمة مع النص، في كل مرة وعند كل انثناءة عقدية، لتحيل إلى سيل من الموضوعات المتشابكة التي توضح رؤيا عالم خاص لدى الكاتب.
الحالة الثانية: هي حالة الخيانة التعبيرية، فعندما تكون الفكرة مبدعة لدرجة أنها تُعجز كاتبها عن اختيار الألفاظ المناسبة للتعبير، تصبح القراءات التأويلية في مستويات أخرى اشد حدةً وعمقاً، لان الفكرة ستنفذ إلى عقول القراء والنقاد بعيداً عن الفاظها المقيدة، والتي سيظهر بوضوح من خلال السياق المبدع أنها لم تستطع خدمة كاتبها هنا، وستصبح قراءة النص حالة ممتعة تحاول خلق نصوص وأفكار كلية ربما أكثر عمقاً من الفكرة الأصلية في العقل الفردي، فالعقل الجمعي سيحيلها إلى كيانات متوالدة. في كلتا الحالتين هناك تعدد للرؤى تفرضه طبيعة النص الإبداعي في جميع مناحيه.. فكرة وأسلوباً، أو نصاً ومعنى.. ولا ينطبق هذا أبداً على النصوص السطحية التي يكون تعدد القراءات لها هي عبارة عن هرطقات لقراء ونقاد مبتدئين، يحاولون تطبيق نظرية ما على النص وكأنها جسم فيزيائي يتحول ضمن ظروف معينة لا تتغير.
يبقى شيء مهم هنا يجب أن نشير إليه، وهو ما قد يتبادر لذهن أي قارئ، كيف تكون خيانة التعبير إبداعاً، ونحن نعرف ان الفكرة الواضحة في ذهن القارئ ينبغي أن يستطيع التعبير عنها، أو أنها في الحقيقة ليست واضحة اساساً، وهذا ضعف إبداعي وفكري.

الإجابة هنا تأتي ضمن مستويين:

الأوّل: أن الفكرة الإبداعية ليست فكرة نظرية تشترط الوضوح، فكثير من الإبداع يكون غير واضح بالنسبة لنا، لما تعلمناه سابقاً على الأقل، وللغة المحدودة النطاق، أكثرنا يحفظ العبارة الشهيرة “كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة” والغموض هو مكمن الإبداع، وهو بوابة التأويل التي تسمح بخلق كيانات قرائية غير نصية تتغير تبعاً للظروف والحالات النفسية والفهم الجمعي أو المجتمعي الخاص بكل جماعة على حدي مهما صغرت أو كبرت.
أمّا الثاني: فالتعبير ليس أسير النص المكتوب فقط، فكثير من الأفكار تكون اللغة المكتوبة عاجزة عن الوصول لمضامينها، وتلعب اللغة المحكية الدور الرئيسي والبديل في السياق التعبيري عن المضامين الإبداعية، هذه اللغة تتضمن إلى جانب التعبير الكلامي الكثير من الإيماءات الجسدية الغاية في التعقيد، والتي قد لا يستطيع نقلها إلينا إلا الشخص صاحب الفكرة فتقليد الإيماءات أمر غاية في الصعوبة، خاصة عندما ترافقها إيحاءات نفسية عميقة. تظهر في لغة العين والنفَس المرافق للكلام وفي أمور أخرى لا تشرح غالباً فهي أسيرة اللحظة التي تخلق بها.

عن Admin

شاهد أيضاً

الكاتب المتزن شمعة تحترق وتضيء.. عن شهداء الكتابة

هشام سراي في المطبخِ تعلمت من أمي كيف أكتب على نار هادئة خافتة، والهدوء توأم …

اترك تعليقاً