الرئيسية / الأخيره / تفتت البنية

تفتت البنية

جمعة عبد الله مطلك

كعادتَها تخبطت الثقافة العربية في التعامل مع مفهوم البنية والنسق المهيمن. ومرة اخرى تورطت هذه الثقافة باستيراد مستهلكات الثقافة الغربية بعد كسادها هناك دون فحص او تدقيق ينتج عنه اعادة انتاج للمصطلح. وخارج “الورطة” التي عممها الاستخدام الادبي المفرط لمصطلح البنية فان اغراء يشكله المصطلح لوصف احوال العرب والاجابة عن سؤال: كيف ينظر العرب الى انفسهم وكيف ينعكس مضمون هذه النظرة على ادائهم السياسي والانتاجي والثقافي.
ان السبب في صلاحية مفهوم البنية والانساق لتفسير احوال العرب السياسية يعود الى تركيز هذا المفهوم على قوة وهيمنة مركب متوار يحوي الانساق الرئيسة التي يستقي منها العقل مفاهيمه مباشرة دون ان يعي او يفكر. ان اخص صفات هذا المركب العربية هو الانقسام المنتج لاشكال الصراع البدائية في اغلبها. فما الذي يدفع جماعات سودانية الى الاقتتال كل هذه الفترة دون وعي منهم او على الاقل للكثرة الغالبة التي تحمل السلاح. والعراق ليس بعيدا عن شظايا هذه البنية. فاشكال الانقسام العراقي افقيا وعموديا بلا حدود. اذ يحوي العراق مخزنا للاعراق والقوميات والاثنيات يعتبر الاكبر من نوعه في العالم. وفي ظل الخناق الذي مارسه مركب الانقسام على العقد الاجتماعي العقلاني والانساني العراقي بدت هذه المكونات وكانها صناعة من حقد وغل دون اساس يضمن حدا ادنى من السلم الاجتماعي.
اما في مصر فليس غريبا الكلام عن دولة او حكم ذاتي للاقباط يردده مصريون “اقحاح”. ولم يخفت يوما صوت الامازيغ والبربر في المغرب العربي بفيدرالية او كونفيدرالية!. كما ان لبنان قد استقر على صيغة التقسيم وسدد دينه بكفاءة للبنية الانقسامية القاهرة. ففي كل دولة او مجتمع او قرية تتضح بنية الانقسام المسيطرة على هذا العقل العربي الذي غادر التاريخ وسكن في كهوف صنعها خياله “الانقسامي”.
وليس ضروريا ان يفهم من هذا الكلام الوقوف ضد تطلعات الاقليات والاثنيات نيل حقوقها اللغوية والثقافية والروحية. وينصرف الكلام دائما الى قدرة الثقافة العربية الممتدة في عروقها جذور الوسطية الاسلامية معالجة هذا الخلل الانقسامي باعادة فحص المكونات والوصول الى منابع الانقسام المكونة للعقل العربي. لم يعد ممكنا اليوم مارسة اضطهاد قومي او اثني او ديني بسهولة على الجماعات لاسباب معروفة اهمها سهولة الاتصال وبروز العامل الثقافي بقوة في توجيه سياسات الدول خاصة بعد احداث حرب البلقان و11 ايلول.
مرة اخرى تدخل الثقافة العربية رهانا يعتقد الكثيرون انها سوف تخسره بعد ادمانها منطق الخسارة باستدعائها الدائم جذور الانقسامية المتحدرة من هذا المركب المتواري البعيد والذي لم تستطع هذه الثقافة في كل خساراتها السابقة ان تصل الى منابعه وتلقي عليه القبض متلبسا بجريمة مصادرة عقل الامة وتعطيل حواسها وضميرها عن العمل.

عن Admin

شاهد أيضاً

قوالب العامية العراقية.. أخطب لبنتك ولا تخطب لأبنك

– وجهَه دومه مدلغم – خادم سيدين يكذب على واحد منهم – أول الحزم المشوره …

اترك تعليقاً